تاريخ المكتبات المضطرب: ساحة للصراع والتحول

ينهي باتلز كتابه باقتباس مهم ومؤثر لأمين مكتبة من سراييفو: "كنا ننقذ الكتب ليس لأنها ورق وحبر، بل لأنها تحتوي على أرواح المدينة. من يدمر مكتبة، فهو يريد قتل تلك الأرواح ليبدأ من الصفر، بأرواحه هو فقط!".

  • تاريخ المكتبات المضطرب: ساحة للصراع والتحول
    تاريخ المكتبات المضطرب: ساحة للصراع والتحول

في كتابهِ الفريد "المكتبات: تاريخ مضطرب" (دار صفحة سبعة)، يأخذنا الكاتب والباحث الأمريكي ماثيو باتلز (1968) في رحلة عميقة وكاشفة عبر التاريخ المضطرب للمكتبات في العالم، ذلك أن تأثير المكتبات تاريخياً أسهم في تشكيل الوعي الإنساني وجسّد الصراعات الفكرية والسياسية عبر العصور، ليتجاوز الكشف صورة المكتبات بوصفها ملاذاً هادئاً للمعرفة، ويُظهرها كساحاتٍ للصراع والتحول. الكتاب الذي صدر بترجمة أسامة إسبر يمثّلُ بحثاً في الجذور الأولى لفكرة المكتبة بوصفها تعبيراً عن رغبة البشر في حفظ المعرفة وتنظيمها، إذ يتتبع باتلز الكيفية التي تطور عليها مفهوم المكتبة من مجموعات صغيرة في بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة إلى المؤسسات الكبرى في العالمين اليوناني والروماني، لكنه لا يكتفي بالسرد التاريخي التقليدي، بل يُسلط الضوء على الجوانب المضطربة لهذا التطور؛ أي ارتباط المكتبات بالسلطة السياسية والدينية، وكيفية تسخيرها كأداة للهيمنة الثقافية.

يبرز الباحث الأمثلة على أكثر المكتبات تأثيراً في التاريخ البشري، ويحلل عملية جمع الآلاف من الألواح الطينية في نينوى، ويصفها بأنها لم تكن عملاً ثقافياً بريئاً؛ إنما جزء من استراتيجية إمبراطورية آشورية لتوحيد المعرفة من الأراضي المحتلة (بابل، سوريا، الأناضول) تحت سقف واحد،الأمر الذي ساعد الحكام آنذاك على ترسيخ نسخة مركزية موحدة تخدم الرواية الآشورية للعالم. وقد كان الموظفون المدربون على فك رموز النصوص البابلية القديمة يعملون بشكلٍ أساسي على تفسير النبوءات المتعلقة بسيادة الملك، وهو ما حول المكتبة من مكان لحفظ التراث إلى أداة دعاية سياسية متطورة. كما يتناول باتلز مكتبة الإسكندرية الشهيرة ليس كرمزٍ للمعرفة المطلقة فحسب، بل باعتبارها مشروعاً سياسياً أنشأه الطموح اللامحدود لحكام مملكة البطالمة، وكياناً شهد صراعاتٍ داخلية وخارجية أدت في النهاية إلى تدميره. ويوثق طريقة تمويل المكتبة من العائدات الضخمة للقمح المصري الذي تحكم فيه البطالمة، لذا كانت المعرفة اليونانية المنتَجة هناك تعتمد على استغلال العمل المصري المحلي، إذ كانت تلك المعرفة سلعة فاخرة تنتجها النخب اليونانية. وهنا يرفض باتلز الأساطير الرومانسية المحيطة بتاريخ المكتبات، ويقدم عوضاً عنها كشفاً نقدياً للتعقيدات التي حدثت بين جدرانها. ففي العصور الوسطى، تبدو الأمثلة المادية ملموسة على ما سماه "التخريب الإبداعي"، حيث كان الرهبان يمحون نصوصاً قديمة مكتوبة على الرق -لندرة المواد- ويكتبون عليها نصوصاً مسيحية، الأمر الذي خلق طبقات نصية كشفت عن الصراع بين المعرفة الوثنية والمسيحية. كما يركز على المكتبات الرهبانية والكنسية في أوروبا، وعلى الصراع الذي نشأ بين التيارات الدينية والفكرية فيها، إذ لم تكن المكتبات الرهبانية لحفظ المعرفة الدينية فقط، إنما أداوت للسيطرة الفكرية وتحديد ما هو مقبول في المجتمع وما هو مرفوض في حقول المعرفة. لذا، كان لا بد من أن تحتل المكتبات مكانها في الحفاظ على التراث الكلاسيكي وتنقيحه وتعديله ليتوافق مع الرؤية الدينية السائدة. هذا ما تجسد عبر ظاهرة إتلاف المخطوطات وتعديلها لتتوافق مع العقائد الدينية، حتى وصل الأمر إلى أن تصبح المعرفة سلعة ثمينة،ولكن الحصول عليها محفوفٌ بالمخاطر. 

إلا أن عصر النهضة، كما يشير باتلز، أسهم في تطوير المكتبات بشكل جلي، إذ انتقلت المجموعات الخاصة من النخب الأرستقراطية والعلمية إلى بدايات المؤسسات العامة، ذلك أن حركة النهضة والإصلاح الديني والثورة المطبعية أدت إلى تحولات جذرية في طبيعة المكتبات ودورها في المجتمع،فظهرت المكتبات الوطنية والمتاحف في أوروبا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وارتبطت هذه المؤسسات بمشاريع الدولة القومية والاستعمارية، فضلاً عن استخدامها أداوتٍ للتأكيد على الهوية الوطنية وتكريس السرديات التاريخية الرسمية، من غير أن يغفل الباحث الحوادث التي دفعت الدول الكبرى إلى جمع المخطوطات والكتب من المستعمرات وإحضارها إلى المكتبات الأوروبية، الأمر الذي يعكس تلك العلاقة المضطربة بين المعرفة والسلطة الاستعمارية. 

أما في العصر الحديث؛ فيخصص باتلز جزءاً كبيراً من كتابه لتحليل تطور المكتبات في القرنين التاسع عشر والعشرين، إذ يركز على ظهور المكتبات العامة كفكرة ديمقراطية تهدف إلى توفير المعرفة لجميع شرائح المجتمع، إلا أن البحث لا يقدم صورةً مثالية لهذا التطور، بل يكشف التناقضات والصراعات التي رافقت انتشار المكتبات العامة. والبارز هنا، سطوة قضايا الرقابة والتنظيم في المكتبات العامة، وكيف أصبحت هذه المؤسسات ساحات للصراع بين قيم حرية التعبير والمطالب الأخلاقية والدينية المحافظة. لذا، يأتي دور المكتبة في تشكيل الهوية الوطنية في الدول الناشئة، واستغلالها في الدعاية السياسية التابعة للنظم الشمولية. إلى جانب دورها في الحروب والصراعات المسلحة، واعتبار السعي لتدمير المكتبات واحداً من أساليب الحرب الثقافية، كما حدث في حرب البوسنة وتدمير مكتبة سراييفو بالقذائف الصربية، إذ لم يكن الدمار عشوائياً؛ لأن المكتبة التي بناها النمساويون على الطراز المورسيكي كانت رمزاً لهوية سراييفو المتعددة الثقافات. وجاء تدميرها بمنزلة محاولةٍ لمسح الذاكرة الجمعية للبوسنيين وإثبات أن سراييفو ليست أوروبية. وأيضاً في العراق بعد الغزو الأميركي، ما يعكس الوجه المأساوي للمكتبات كمؤسسات تعرضت للعنف والتدمير عبر تاريخها الطويل. 

ومن تحول المكتبات إلى فضاء رقمي، يبرز الاضطراب المستمر وبأشكال غير معتادة؛ فمشروع غوغل للكتب يصفه باتلز بأنه ليس مجرد مشروع خيري، إنما عملية استعمارية جديدة، ذلك أن اتفاقية غوغل مع المكتبات الكبرى (هارفرد، أكسفورد) منحته الأحقية في رقمنة ونشر ملايين الكتب، بما فيها الكتب التي لا تزال محمية بحقوق المؤلف، ليتحول غوغل إلى وسيط إلزامي للمعرفة، ويتحكم في الوصول وجمع بيانات المستخدمين على نطاق غير مسبوق، فضلاً عن القوانين الأميركية التي سمحت للسلطات الأمنية بالحصول على سجلات استعارة المستخدمين من المكتبات من غير إذن قضائي؛ ما حول المكتبة من فضاء خاص وفردي إلى فرصة لممارسة السلطات الرقابة الجماعية على الأفراد، ليختتم الباحث كتابه باستشرافٍ متشائم، ولكنه عميق، إذ يرى أن المكتبة ستظل مضطربة لأنها تعكس الصراع الأساسي في المجتمعات البشرية، سواء بين الرغبة في حفظ كل شيء والرغبة في السيطرة والتحكم. ويرى أن التحدي المستقبلي لا يكمن في التقنية فقط، بل بإعادة تعريف الميثاق الجماعي للمكتبة أيضاً: فهل ستظل المكتبات مساحات عامة للديمقراطية أم ستتحول إلى منصة رقمية خاضعة للخوارزميات والإعلانات؟ وهل ستتمكن من الدفاع عن فكرة الخصوصية الفكرية في عصر الرقابة والوصول الحر واحتكار المعلومات؟ لينهي باتلز كتابه باقتباس مهم ومؤثر لأمين مكتبة من سراييفو ويقول: "كنا ننقذ الكتب ليس لأنها ورق وحبر، بل لأنها تحتوي على أرواح المدينة. من يدمر مكتبة، فهو يريد قتل تلك الأرواح ليبدأ من الصفر، بأرواحه هو فقط!".

 

اخترنا لك