شيطنة مصر… الخدمة العربية المجانية للمشروع الصهيوني
تُهاجَم مصر لا لأنها دعمت العدوان، بل لأنها رفضت أن تكون جزءًا منه. وتُلام القاهرة لأنها لم تتحوّل إلى وقود في حرب صهيو-أميركية على إيران، فيما يُمرَّر بخفة مريبة وجود القواعد الأجنبية في بلدان أخرى.
-
أين ذهب أولئك الذين ملأوا الفضاء صراخًا ضد مصر؟
لم يكن وابل الهجوم على مصر، في ذروة العدوان على غزة، ثم مع اتساع النار إلى لبنان وإيران، مجرد انفعال عربي عابر، ولا خلافًا مشروعًا في تقدير الأدوار والمواقف.
في كثير من تجلياته، كان شيئًا أخطر من ذلك بكثير: كان مناخًا سياسيًا وإعلاميًا يدفع الغضب العربي بعيدًا من صدر المعتدي، ويعيد توجيهه نحو القاهرة، بوصفها الحلقة الأثقل في الجسد العربي، والأقدر، إن تماسكت، على إرباك مشروع الهيمنة الصهيونية.
وحين تصبح مصر هي المتهم الأول، فيما العدو يقتل ويحاصر ويقتلع ويحوّل المدن إلى ركام، فنحن لا نكون أمام خلل عابر في التقدير، بل أمام بوصلة يُعبث بها عمدًا أو خدمةً لمن يملك المصلحة في هذا العبث.
القصد لا اللبس
في الحسابات الصهيونية، لا تُرى مصر باعتبارها دولة عربية كبيرة فحسب، بل باعتبارها العقدة التي لا يستقيم مشروع السيطرة من دون تحييدها. فإعادة تشكيل الشرق الأوسط على صورة "إسرائيل الكبرى" لا تمر فقط عبر تفتيت الأطراف، بل تحتاج قبل ذلك إلى إرباك المركز، وعزل القاهرة عن عمقها العربي، ودفع العرب إلى النظر إليها باعتبارها عبئًا أو خصمًا أو متهمًا دائمًا.
لهذا، لم يكن استهداف مصر، على امتداد العقود، عرضًا جانبيًا في مسرح الصراع. فمنذ "كامب ديفيد"، ومع بقاء الرفض الشعبي المصري للتطبيع حقيقةً راسخة في وجدان هذا البلد، تعرضت القاهرة لنمط متكرر من الحملات، يختلط فيه الاعتراض المشروع بالتوظيف الخبيث، لينتهي الأمر إلى نتيجة واحدة: نزع الشرعية الرمزية عن مصر، وتشويه دورها، وتحويلها من ركيزة في الصراع إلى خصم في الوعي العربي.
من النقد إلى الشيطنة
ليس المطلوب أن تُعفى مصر من النقد، ولا أن تُرفع فوق المساءلة. فالدول تُقاس بأدائها، وتُناقش سياساتها، وتُراجع أدوارها. لكن ما جرى في كثير من المحطات لم يبقَ في حدود النقد، بل انزلق إلى ما هو أبعد: إلى شيطنة بلد بأكمله، والطعن في شعبه، والنيل من مكانته، والتعامل مع تاريخه ودوره كما لو أنهما عبء يجب التخلص منه.
ومع انفجار فضاء السوشيال ميديا، خرج هذا الميل في أكثر صوره انحدارًا: ذباب إلكتروني، حسابات موجّهة، أبواق موسمية، وغوغاء يقتاتون على الصخب أكثر مما يقتاتون على الوقائع. لم يعد الهدف هنا مساءلة السياسة المصرية، بل تثبيت مصر داخل قفص الاتهام، أيا تكن الحقائق، وأياً تكن تعقيدات اللحظة، وأياً يكن ما تدفعه القاهرة وما تتحمّله.
غزة… حين صار من يساند هو المتهم
في ذروة العدوان على قطاع غزة، انكشف مشهد بالغ القسوة والعبث معًا: قطاعات من الخطاب العربي صبّت غضبها على مصر أكثر مما صبّته على الاحتلال نفسه. وكأن من يقصف الأطفال، ويجوّع المدنيين، ويمنع الدواء، ويحوّل القطاع إلى مقبرة مفتوحة، أقل استحقاقًا للإدانة من دولة تحاول، بما تملك وما يحيط بها من قيود وضغوط وحسابات، أن تمنع الانهيار الكامل.
كان يمكن فهم النقد لو أنه انطلق من رغبة في دفع الدور المصري إلى الأمام. لكنّ كثيرًا مما جرى لم يكن كذلك. لقد بدا، في أحيان كثيرة، أقرب إلى رغبة محمومة في تحويل مصر نفسها إلى خصم بديل، وإعفـاء العدو الصهيوني،عمليًا، من النصيب الأكبر من الغضب.
والحال أن الوقائع كانت أبلغ من المزايدات. فمصر لم تكن متفرجة على مأساة غزة، بل كانت في قلب الجهد السياسي والإنساني: سعيًا إلى وقف النار، وفتحًا للمجال أمام المساعدات، واستقبالًا للجرحى، وإسنادًا إغاثيًا كان هو الأثقل، ورفضًا للتهجير بوصفه مشروع اقتلاع لا مشروع إنقاذ. وهذا كله ليس منّة، بل بعض ما يفرضه موقع مصر وتاريخها، لكنه يكشف في الوقت نفسه مقدار الجور السياسي والأخلاقي في تحويل من يساند ويتحمل إلى متهم دائم.
وقد كانت القاهرة، إلى جانب قطر والولايات المتحدة، طرفًا رئيسيًا في الجهود التي أفضت إلى اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في 15 يناير/كانون الثاني 2025، بما تضمنه من وقف لإطلاق النار، وتبادل للأسرى والمحتجزين، وعودة للنازحين، وتوسيع لدخول المساعدات. ثم واصلت تحركاتها في جولات التفاوض اللاحقة، ودافعت بوضوح عن منع تهجير الفلسطينيين، وطرحت خطة لإعادة إعمار غزة من دون اقتلاع سكانها، بوصفها ردًا سياسيًا على مشاريع التصفية المغلفة بلغة "الحلول الإنسانية".
هنا يصبح السؤال واجبًا لا ترفًا: أين ذهب أولئك الذين ملأوا الفضاء صراخًا ضد مصر؟ ولماذا خفتت أصوات كثيرة حين ظهرت الوقائع، وثبت أن القاهرة كانت تتحرك، في حدود الممكن الشاق لا الممكن المتخيَّل، لمنع الأسوأ وفتح منفذ للحياة وسط المذبحة؟
تبدّل القناع… والوظيفة واحدة
ثم جاءت جبهة لبنان وإيران، فتبدل القناع وبقيت الوظيفة نفسها. هذه المرة، لم يأتِ الهجوم على مصر، في معظمه، من منصات تدّعي "الثورية" أو "الراديكالية"، بل خرج بكثافة من يمين عربي، ومن أصوات وخطابات واصطفافات رأت في امتناع القاهرة عن الانخراط في الحرب خطيئة تستحق العقاب الإعلامي والسياسي.
وكان المشهد فاضحًا: تُهاجَم مصر لا لأنها دعمت العدوان، بل لأنها رفضت أن تكون جزءًا منه. وتُلام القاهرة لأنها لم تتحوّل إلى وقود في حرب صهيو-أميركية على إيران، فيما يُمرَّر بخفة مريبة وجود القواعد الأجنبية في بلدان أخرى، لا بوصفه انتقاصًا للسيادة أو استدعاءً للخطر، بل كأنه تفصيل عادي أو ضرورة استراتيجية.
وهكذا انقلب المشهد رأسًا على عقب: سقطت المساءلة عن الارتهان لواشنطن، وغابت المحاسبة للوجود العسكري الأجنبي، وصُوِّبت السهام إلى مصر لأنها اختارت ألا تسير في قافلة النار. وفي لحظات التصعيد، واصلت القاهرة اتصالاتها لخفض التوتر ومنع اتساع المواجهة، بينما كان آخرون يوزعون المزايدات من مقاعد آمنة، ويطالبون غيرهم بدفع أثمان الحروب التي لم يجرؤوا هم على دفعها.
وظيفة الهجوم
هنا لا يصبح السؤال: هل كل من هاجم مصر صهيوني مباشر؟ الجواب، بالطبع، لا. فليس كل غاضب مأجورًا، وليس كل ناقد عميلًا. لكن هذا لا يغيّر حقيقة أخرى لا تقل وضوحًا: أن جزءًا وازنًا من هذا الخطاب أدّى، سواء عن قصد أو عن عمى سياسي، وظيفة تصب مباشرة في مصلحة المشروع الصهيوني.
فالصهيونية لا تحتاج دائمًا إلى أبواق تعلن ولاءها لها صراحة. يكفيها أحيانًا أن تنجح في تلويث البوصلة، ودفع بعض العرب إلى أداء المهمة عنها: عزل مصر، وتشويه دورها، والتحريض عليها، وتحويلها من مركز محتمل للتوازن إلى خصم دائم في المخيال العام.
وهذا، بالضبط، أحد أخطر أشكال الاختراق: أن يؤدي خصوم العدو مهمته من دون أن يرفعوا علمه، وأن يفتحوا له الطريق عبر تمزيق المجال العربي، وتوزيع الاتهامات داخله، فيما يواصل الاحتلال تثبيت وقائعه على الأرض، من دون أن يدفع الثمن الذي يستحقه من الغضب والعزلة والإدانة.
الجائزة الكبرى
مصر، بكل ما لها وما عليها، ليست هدفًا ثانويًا في معركة إعادة هندسة الإقليم. إنها الجائزة الكبرى. فالبلد الذي يملك هذا الثقل الديموغرافي، وهذا الموقع الجيوسياسي، وهذه الصلة العضوية بفلسطين، وهذا الحضور العميق في الوجدان العربي، لا يمكن أن يكون تفصيلًا هامشيًا في مشروع السيطرة.
ومن يريد أن يفصلها عن أمتها، أو يدفع العرب إلى النفور منها، أو يحول دون أي دور فاعل لها في لحظات الانفجار الكبرى، إنما يتحرك ــ بوعي أو بغير وعي ــ داخل الخطة ذاتها التي تحلم بها "إسرائيل": شرق أوسط ممزق، بلا مركز عربي ثقيل، وبلا قلب قادر على تعطيل المشروع الصهيوني أو إرباكه أو تأخير اندفاعه.
الخلاصة الثقيلة
الدفاع عن مصر هنا ليس دفاعًا عن العصمة، ولا عن أداء منزّه من الخطأ، ولا عن سلطة لا تُسأل. إنه دفاع عن المعنى الاستراتيجي لوجودها العربي، وعن حقيقة أن كسر مصر، أو عزلها، أو تلويث صورتها في الوعي العربي، ليس حدثًا عابرًا في سجال سياسي، بل خطوة في مشروع أكبر عنوانه: تصفية ما تبقى من مراكز الثقل العربية.
أما الذين يهاجمون مصر في كل منعطف، من أقصى "اليسار" حينًا، ومن أقصى "اليمين" حينًا آخر، ويجعلون منها خصمهم الأول فيما الصهيوني يمعن في القتل والاحتلال والابتلاع، فهؤلاء ــ مهما اختلفت لغاتهم وراياتهم ــ يلتقون عند نتيجة واحدة: توفير المناخ المثالي لتقدم المشروع الصهيوني، بينما ينشغل العرب بكسر مركزهم بأيديهم.
والخطر ليس فقط في أن تُهاجَم مصر، بل في أن يعتاد العرب هذا الهجوم، وأن يصبح النيل متهمًا، والقاهرة خصمًا، والمركز العربي عبئًا، بينما يمنح الكيان الصهيوني نفسه، مرة بعد مرة، هدية العمر: أمة تمزق قلبها بيديها، ثم تتساءل لماذا تمدد العدو ولماذا انكسر المجال العربي.
عندها لن يعود السؤال: من شتم مصر أكثر؟
بل السؤال الأشد فداحة: من المستفيد من كسر الجسر الأخير بين مصر وأمتها؟
والجواب أوضح من أن يُخفى، وأثقل من أن يُحتمل.