نهاية الهيمنة الأميركية والغربية

سيؤدي الاضطراب الداخلي إلى تآكل بالغ للأسس الاستراتيجية لسلطة أميركا عالميًا. وستتعرض صدقية الولايات المتحدة، التي تعاني أصلاً ضغوطًا هائلة، لأضرار أعمق.

  • سيؤدي الاضطراب الداخلي لتآكل بالغ للأسس الاستراتيجية لسلطة أميركا عالميًا.
    سيؤدي الاضطراب الداخلي إلى تآكل بالغ للأسس الاستراتيجية لسلطة أميركا عالميًا.

هل يمكن لواشنطن في نهاية المطاف التخلي عن هيمنتها في الشرق الأوسط وإنقاذ ما تبقى من إمبراطوريتها؟ في ظل حسابات عسكرية ومالية حاسمة، وصلت الهيمنة الأميركية  في الشرق الأوسط إلى مفترق طرق، وعليها التنازل عن هيمنتها الإقليمية أو مواجهة الطرد القسري. 

وبينما كان العالم يراقب تعثر مفاوضات وقف إطلاق النار، وينتظر بفارغ الصبر استئنافها بين أميركا وإيران، تجد واشنطن نفسها في مأزق لا مخرج منه، نتيجة تراجع نفوذها الإقليمي. تآكل قوتها إقليمياً جعل الولايات المتحدة عالقة في مأزق استراتيجي،إذ سيُكلفها كل خيار ثمنًا باهظًا. فإذا قررت واشنطن البقاء، فإنها ستواجه إفلاسًا بطيئًا طاحنًا. أما إذا قررت الرحيل، فستُخاطر بتدمير شبكة نفوذها المعقدة والهشة التي دعمت قوتها قرابة قرن.

وبحسب الدكتورة ميترا راهب، الأكاديمية والباحثة في العلاقات الدولية، سيصبح السؤال: كيف أوقعت واشنطن نفسها في هذا الموقف؟ كيف وجدت الإمبراطورية الأميركية نفسها في سيناريو لا فوز فيه، حيث تُدان في حالتي البقاء والرحيل؟ يمكن الإجابة عن السؤال جزئيًا لدى تناول عقلية استراتيجية منتهية الصلاحية، ومتجذرة بعمق في عقلية ما بعد الحرب العالمية الثانية.

حرب الاستنزاف

عملت المؤسسة السياسية الأميركية عقوداً تحت وهم أن التفوق العسكري التقليدي يُترجم تلقائيًا سيطرة جيوسياسية. انكشف زيف هذا الوهم عندما فشلت القوة الجوية والعسكرية الهائلة في ليبيا والعراق وأفغانستان في تأمين نتائج سياسية مستقرة.

وباستمرار تبني العقلية نفسها خلال المواجهة الحالية مع إيران، افترضت واشنطن أن وجودها سيضمن لها دائمًا الهيمنة الإقليمية. لكن هذا الإصرار على ما كان يُنظر إليه سابقًا رمزاً للقوة، كشف قواعد أمامية وأصولاً بحرية، لتغدو نقاط ضعف رئيسة. هذه القوات المعزولة الآن بشكل كبير، تُشكل أهدافًا ثابتة يسهل تتبعها بواسطة خصم أتقن أساليب الاحتواء الحديثة.

بجانب عقليتها التي تجاوزها الزمن، أدّى عجز أميركا عن فهم آليات حرب الاستنزاف الحديثة إلى سيناريو فوضوي لا فوز فيه. لم يكن هذا الأمر أوضح منه لدى توظيف إيران ببراعة مفهوم الاستنزاف سلاحًا، بنشرها أسرابًا من الطائرات المسيّرة والصواريخ منخفضة التكلفة، والتي ألحقت أضرارًا جسيمة بالقواعد الإقليمية المكشوفة، وأجبرت واشنطن على الردّ بصواريخ اعتراضية باهظة. ومن خلال "مواجهة" أنظمة الدفاع الأميركية المكلفة بذخائر رخيصة، هندست طهران توازنًا عسكريًا وماليًا كارثيًا لأميركا، التي تنفق مليوني دولار مقابل كل 20 ألف دولار تنفقها إيران.

تلاحظ ميترا راهب أن تأثير هذه الاستراتيجية لم يكن عسكرياً فحسب، بل امتدّ اقتصادياً أيضًا. فبإغلاق مضيق هرمز، تمكّنت إيران من تعطيل أوضاع تُقرر مباشرة الأوضاع الداخلية الأميركية، وتحديدًا تدفق النفط والتجارة العالمية. وبالنسبة إلى أميركا المثقلة بديون تبلغ 39 تريليون دولار، تعني إضافة ضغوط مالية هائلة أن بقاء واشنطن في المنطقة سيكون مكلفًا للغاية.

ثلاث خطوات ضرورية

إزاء هذا الواقع القاسي، ومع عدم جدوى حرب الاستنزاف اقتصاديًا واستراتيجيًا لأميركا، لم يعد السؤال أمامها عن كيفية تحقيق النصر، بل كيفية تنفيذ إعادة تنظيم استراتيجي يحافظ على قوتها الأساسية. ورغم صعوبة تحقيق ذلك، تعتقد الباحثة أنه يمكن لواشنطن أن تنجح إذا اتبعت ثلاث خطوات حيوية ضرورية:

الخطوة الأولى، وإن كانت ضربة قاسية لهيبة واشنطن الإمبراطورية، تتطلب إعادة تخندق استراتيجية جذرية. يتطلب هذا الخيار سحب القوات الأميركية من المواقع الأمامية المكشوفة والهشة في أنحاء الشرق الأوسط كافة.

اعتُبِرت هذه المواقع العسكرية المعزولة لعقود رمزاً للقوة الأميركية والتزامها إقليمياً. لكنها في حرب الاستنزاف الحديثة، لم تعد أصولاً استراتيجية، بل غدت أهدافًا ثابتة عاجزة عن الدفاع، وتُشكل نقاط ضعف فقط، تتعرض لهجمات متواصلة، ولم تعد واشنطن تتحمل عبء الدفاع عنها أو تجاهلها. بانسحابها من هذه المواقع الأمامية، تزيل واشنطن الطُعم المادي الذي يستخدمه خصمٌ كإيران لإجبارها على دخول اشتباك دفاعي متواصل ومكلّف.

الخطوة الثانية تتطلب تخلياً فورياً عن عقلية متجذرة في مغالطة التفوق الجوي. فقد عملت واشنطن طويلاً جدًا انطلاقًا من اعتقادٍ مُريح بأن السيطرة الجوية المطلقة هي الفيصل النهائي للاستقرار السياسي. وقد اختُبِر هذا الاعتقاد في أفغانستان والعراق، حيث فشلت الولايات المتحدة، رغم تفوقها الجوي المطلق، في تحقيق الاستقرار في أيٍّ منهما أو ضمان نتيجة سياسية دائمة. 

تُؤكد إخفاقات واشنطن السابقة، بجانب استراتيجية إيران الحالية في استنزاف صواريخ أميركا، أن القوة الجوية التقليدية وحملة القصف المكثف تعجز عن فرض نتائج إقليمية ترغب بها واشنطن. بل ويُصبح هذا الاعتماد على التفوق الجوي عبئًا استراتيجيًا خطيراً، مع استحالة تجديد مخزون الصواريخ الاعتراضية الحيوية قبل عام 2029.

الخطوة الثالثة، بالنسبة إلى الولايات المتحدة، إذا كانت الخطوتان الأوليان صعبتين، فهذه الخطوة هي الأكثر أهمية، وربما الأكثر كراهية. يتعين على واشنطن، لاستدامة وجود إقليمي فعّال، السعي لتسوية شاملة واستراتيجية وواقعية مع إيران، تشمل رفع العقوبات الاقتصادية، ووقف الحصار البحري، والإفراج عن أموال إيران، أو قبول ضرورة الانسحاب العسكري الكلي من المنطقة.

حقائق التحول الاستراتيجي

تؤكد الباحثة باختصار أنه يتعين على واشنطن إبرام اتفاق مع إيران يُقِر بهيمنة إيرانية إقليمية مقابل استمرار وجود أميركي محدود، أو اعتراف واشنطن بعدم امتلاكها القدرة على فرض شروطها، وبالتالي البدء بانسحاب كامل ومنظم من المنطقة.

لا مجال للمراوغة أو أنصاف الحلول. فمحاولة الحفاظ على الوضع الراهن، وتجاهل تحفظات إيران مع التشبث بمواقف هيمنة عفا عليها الزمن، هي طريق مسدود بنيويًا، سيؤدي في نهاية المطاف إلى طرد أميركا كليًا من الشرق الأوسط. 

في نهاية المطاف، لم يعد بإمكان واشنطن الاعتماد على استراتيجية عفا عليها الزمن، وتعود إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية لفرض نفوذها في نظام عالمي متطور. وكما أثبت التاريخ مرارًا وتكرارًا، فالتشبث بنموذج إمبريالي فاشل يضمن هزيمة أي قوة، في ضوء التكلفة الحقيقية لإنكار الواقع، والتداعيات الجيوسياسية والأزمة الاقتصادية الداخلية الناجمة عن رفض واشنطن قبول حقائق التحول الاستراتيجي.

مؤخراً، تجاهل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة طلب ألمانيا لعضويته المؤقتة، وظهور انهيار مفاجئ للتوافق الغربي، كأحد مؤشرات النهاية الهيكلية (البنيوية) للهيمنة الأميركية والغربية. فقد وصلت استراتيجية واشنطن في الشرق الأوسط إلى طريق مسدود هيكليًا.

ترى الباحثة أن المؤسسة السياسية لا تزال مُقيّدة بمنظومة ما بعد الحرب العالمية الثانية متجاهلة واقع الاستنزاف المعاصر. وبرفضها الاختيار بين تكيّف واقعي مع الواقع الإقليمي الجديد أو الانسحاب الكامل المُدَار، جعلت المؤسسة الحاكمة الانتقال المُتحكم به مستحيلاً. لذلك، بالنسبة إلى أميركا، يصبح السؤال الآن: ما تكلفة هذا الإنكار؟

ماليًا، الوضع العسكري الحالي مُدمِر. تُنفق الولايات المتحدة تريليون دولار سنويًا على الدفاع بينما تتحمل 970 مليار دولار كفوائد سنوية على الدين العام: إنفاقٌ يُفرغ الميزانية الفيدرالية من مضمونها ويجهض أولويات قومية أخرى.

انتشار عالمي يفوق الموارد

هذا المسار غير مُستدام. فبخلاف حقبة ما بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، حين استطاعت الولايات المتحدة الاقتراض بكثافة لتمويل حربيها في العراق وأفغانستان، معتمدةً كثيرًا على مُقرضين أجانب كالصين لتمويل تلك التطلعات، فقد تغيّر المناخ المالي الحالي جذريًا.

اليوم، وبعد عِقدين ونيف من المغامرات العسكرية الأميركية، تبخرت الشهية العالمية لإقراض أميركا، وحلّ محلها تفضيل استراتيجي لبدائل الدولار. ولذا، لم تعد واشنطن تملك رفاهية الاقتراض الواسع من دون مخاطرة بالدولار وتقويض تصنيفها الائتماني.

ومع ذلك، فالولايات المتحدة – مدفوعةً بتطلعات سياسية وعسكرية راسخة – تواصل تمويل انتشار عالمي ضخم لم يعد اقتصادها، في نواح كثيرة، قادرًا على تحمّله. وبسبب رفضها الاعتراف بالواقع العسكري والاقتصادي الراهن، تُضطر واشنطن لاستنزاف مواردها حفاظًا على التزاماتها التاريخية، فتُقوّض المستقبل لصالح حاضرٍ خسرته بالفعل.

امتدّ هذا الاستنزاف الاقتصادي الأميركي إلى نطاق السياسة الداخلية، إذ تُطالب غالبية مرهقة عقودًا من المغامرات العسكرية وتدهور الاقتصاد، بإنهاء الحرب مع إيران وخروج أميركا من المنطقة. بدوره، فاقم هذا السخط المتفشي الأزمة السياسية، إذ تُصرّ الإدارة على التمسك باستراتيجية إقليمية تناقض إرادة الناخبين مباشرة. وبالنسبة إلى لإدارة، فمع تدهور الأوضاع الاقتصادية، سيتسع الخلاف الداخلي، ما يخلق بيئة غير مستدامة، حيث يُكثف رفضها تغيير استراتيجيتها ردة الفعل الشعبية التي ستُجبرها بالمحصلة على مغادرة المنطقة.

تكيّف أو تراجع متسارع

سيؤدي الاضطراب الداخلي إلى تآكل بالغ للأسس الاستراتيجية لسلطة أميركا عالميًا. وستتعرض صدقية الولايات المتحدة، التي تعاني أصلاً ضغوطًا هائلة، لأضرار أعمق مع تحميل الحلفاء تكلفة فشل الاستراتيجية الإقليمية. وتجلى ذلك مؤخرًا عندما رُفض طلب ألمانيا الحصول على مقعد دوري في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وهو تطور لم يكن متصورًا في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، أو حتى قبل خمس سنوات فقط.

خسرت ألمانيا التصويت في مجلس الأمن لأول مرة، في ضربة قوية لعالم ما بعد الحرب العالمية. عالميًا، لم يكن هذا الرفض مجرد مناورة دبلوماسية، بل كان توبيخًا يستهدف دعم ألمانيا الثابت والمنعزل لسياسات أميركا الإقليمية. وبإرغام حلفائها على تحمل تداعيات دبلوماسية لهذه الاستراتيجية الفاشلة، ضمنت واشنطن معاقبة شركائها معها، ويزيد تمسك واشنطن بنموذج هيمنة متهالك من عزلة الكتلة الغربية بأسرها.

اليوم، تصرخ واشنطن نفسها في فراغٍ، فلم يعد لوزنها التاريخي الثقل نفسه، ما يُضطر المؤسسة الحاكمة لمواجهة حقيقةٍ مُرّة: إما التكيف مع بيئةٍ متعددة الأقطاب أو القبول بتراجعٍ مُتسارع، ربما بلا رجعة، في مكانتها العالمية. 

إذا استمر تجاهل واشنطن لهذه الحقائق، فلن يكون الانتقال مُدارًا، بل سيُفرض عليها فرضًا. يُظهر التاريخ أن الإمبراطوريات التي تفشل في إدراك حدودها لا تملك خيار كيفية خروجها. برفضها بدء انتقالٍ مُنظّم، تُخاطر واشنطن بتحويل إعادة تنظيم استراتيجي قابلٍ للإدارة لخسارة كاملةٍ لامتيازات اقتصادية وجيوسياسية تحرص عليها.

المأساة النهائية ليست خسارة منطقة، بل فقدان القدرة على فرض مستقبل اقتصادي لأن التركيز ظل مُنصبًا على خوض حرب خاسرة بالفعل!