استنزاف الترسانة والنخبة.. لماذا يُعد تجدد الحرب ضد إيران مقامرة خاسرة؟

هل استنزاف مخازن "ثاد" والـ"توماهوك" وتآكل النخبة القيادية الأميركية يفرض "دبلوماسية الضرورة" على إدارة ترامب في تعاملها مع الملف الإيراني؟

  • استنزاف الترسانة والنخبة.. لماذا يُعد تجديد الحرب ضد إيران مقامرة خاسرة؟
    استنزاف الترسانة والنخبة.. لماذا يُعدّ تجديد الحرب ضدّ إيران مقامرة خاسرة؟

لم تكن الحرب المفروضة على إيران مجرّد جولة اشتباك عابر في مياه الخليج ومضائقه، بل كانت اختباراً قاسياً لثوابت القوّة الأميركية التي اصطدمت بصخرة الاقتدار الإيراني.

واليوم، وبينما يلوح شبح تجديد العدوان في أروقة البيت الأبيض، تقف الدوائر العسكرية والاستراتيجية في واشنطن أمام كشف حساب مثقل بالأعباء فأربعون يوماً من المواجهة لم تنهك الميزانية الدفاعية فحسب، بل استنزفت مخزونات استراتيجية من السلاح والذخائر الذكية التي كانت معدّة لصراعات كبرى، تاركةً "الآلة العسكرية" الأميركية في حالة من الإرهاق اللوجستي غير المسبوق.

في هذا التقرير، نفتح بالأرقام والوثائق ملف التكلفة الباهظة التي سدّدتها الولايات المتحدة، لنرسم ملامح ما تبقّى من "قوة" في الترسانة الأميركية، وما إذا كان مخزونها الاستراتيجي يحتمل مقامرة جديدة ضدّ إيران وحلفائها، أم أنّ أرقام الخسائر باتت هي من يرسم حدود "دبلوماسية الضرورة".

استنزاف "درع واشنطن".. صواريخ الاعتراض في مستويات "حرجة وخطرة"

في غضون 40 يوماً فقط من المواجهة الإيرانية للعدوان الأميركي الإسرائيلي، اصطدمت عقيدة "التفوّق الجوي" الأميركية بحقيقة ميدانية قاسية، فقد أفرطت واشنطن في استهلاك ترسانتها الدفاعية إلى حدّ بات يهدّد أمنها القومي وقدرتها على حماية حلفائها حول العالم.

وتكشف المعطيات الصادرة عن موقع "ميليتاري تايمز" أنّ واشنطن استنزفت ما يقارب نصف مخزونها الاستراتيجي من صواريخ منظومة "ثاد"، وهو ما يعادل إنتاج عامين كاملين من هذه الصواريخ الاعتراضية المتطوّرة، مع العلم أن تكلفة الصاروخ الواحد من منظومة "ثاد" تصل إلى نحو 12.7 مليون دولار.

بدورها، قالت الباحثة في مركز "ستيمسون" الأميركي كيلي غريكو إنّه "لا يمكنك استبدال هذا النوع من صواريخ منظومة "ثاد" بين عشية وضحاها، بل إنّ الأمر يمكن أن يستغرق سنوات".

وتكشف البيانات التي نشرها مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية (CSIS) أنّ واشنطن التي دخلت المواجهة في شباط/فبراير الماضي مع إيران بمخزون لا يتجاوز 534 صاروخاً من طراز "ثاد" و414 من طراز "SM-3"، لم تكتفِ باستنزاف نصف هذه الذخائر، بل واجهت معضلة أعمق بـتدمير وتعطيل عدد من منصات الإطلاق من أصل 8 منظومات تمتلكها عالمياً، ما أفقدها القدرة التقنية على التغطية الجغرافية الواسعة.

  • صورة ملتقطة من قمر صناعي تظهر تضرر رادار AN/TPY-2 المتطور لمنظومة
    صورة ملتقطة من قمر اصطناعي تظهر تضرّر رادار AN/TPY-2 المتطوّر لمنظومة "ثاد" الأميركية في قاعدة موفق السلطي الجوية الأردنية من جرّاء الاستهدافات الإيرانية (مواقع أميركية)

وخلال حرب الـ12 يوماً في حزيران/يونيو 2025 بين "إسرائيل" المدعومة من واشنطن وإيران، فإنّ الولايات المتحدة استخدمت ما بين 100 و150 صاروخ "ثاد" و80 صاروخاً من طراز "SM-3" لدعم "إسرائيل"، وجدت نفسها أمام استنزاف أعمق في المواجهة الحالية حيث تشير التقديرات إلى استهلاك نصف المخزون الكامل من الصواريخ الاعتراضية في غضون أسابيع قليلة. 

هذا النزيف الحادّ في "الدرع الصاروخي" دفع البنتاغون إلى اتخاذ "قرارات اضطرارية ومؤلمة استراتيجياً"، شملت سحب بطاريات ومنظومات من اليابان وكوريا الجنوبية، وطلب سحب أخرى من بولندا لسدّ العجز المتنامي في الجبهة الإيرانية، ما جعل واشنطن "مكشوفة الظهر" في مناطق نفوذ حيوية أخرى لصالح الصين ورسيا.

ولم تكن منظومات "باتريوت" بأفضل حال إذ تشير تقارير "نيويورك تايمز" الأميركية إلى أنّ القوات الأميركية في الخليج استهلكت أكثر من ثلاثة أرباع مخزونها (75%) من صواريخ "PAC-3" الاعتراضية في كلّ من الإمارات والبحرين.

وأمام هذه الأرقام، تشير التقديرات الاستراتيجية إلى أنّ الدفاع الجوي الأميركي يُواجه "فجوة زمنية" حرجة، إذ تتطلّب إعادة مستويات التخزين إلى ما كانت عليه قبل العدوان فترة تتراوح بين 3 إلى 5 سنوات، شريطة استمرار وتيرة الإنتاج الحالية من دون انقطاع، ما يعني أنّ أيّ قرار بتجديد العدوان سيضع واشنطن وحلفائها في دول الخليج والمنطقة أمام عجز دفاعي لا يمكن ترميمه في المدى المنظور.

"الغضب الملحمي".. استخدام تاريخي لـ "التوماهوك" والـ "JASSM"

لم يتوقّف استنزاف واشنطن عند حدود "الدرع" الدفاعي، بل طال "سيف" واشنطن الهجومي الذي تآكلت حدّته في خضّم عملية "الغضب الملحمي" ضدّ إيران. وتكشف بيانات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أنّ البحرية الأميركية أطلقت أكثر من 850 صاروخ توماهوك خلال الأسابيع الأربعة الأولى فقط من الحرب ضدّ إيران وهو الرقم الأعلى تاريخياً في حملة عسكرية واحدة، متجاوزاً ما أُطلقته واشنطن خلال عملية غزو العراق عام 2003 (802 صاروخ).

هذا "الحرق" السريع للمخزون أثار ذعراً في البنتاغون، فواشنطن التي تمتلك مخزوناً استراتيجياً يُقدّر بنحو 3000 صاروخ توماهوك، استهلكت ما يقرب من ثلث مخزونها العالمي في جبهة واحدة، بينما تقتصر قدرتها الإنتاجية السنوية على 90 صاروخاً فقط، ما يعني أنّ تعويض ما فُقد في شهر واحد يحتاج إلى ما لا يقلّ عن 9 سنوات بالوتيرة الطبيعية، أو 3 سنوات في حال "الاستنفار الصناعي" الشامل.

وقال المعهد إنّه على الرغم من وجود ذخائر كافية لخوض حرب ضدّ إيران إلّا أنّ استهلاك صواريخ توماهوك وغيرها من الصواريخ يُشكّل مخاطر على الولايات المتحدة في مسارح عمليات أخرى، ولا سيما في غرب المحيط الهادئ. 

  • قائمة بعدد صواريخ
    قائمة بعدد صواريخ "توماهوك" التي أُطلقتها الولايات المتحدة خلال حملاتها العسكري، وحتى الآن استخدمت واشنطن في الحرب الأخيرة على إيران أكبر عدد من صواريخ توماهوك في تاريخها (CSIS)

وعلى الجبهة الجوية، رسمت وكالة "بلومبيرغ" الأميركية صورة أكثر قتامة حول صواريخ الجو-أرض المتطوّرة (JASSM-ER). فمن أصل مخزون عالمي يبلغ 2300 صاروخ، لم يتبقَّ لواشنطن سوى 425 صاروخاً فقط مخصصة لبقية مناطق العالم (بما فيها المحيط الهادئ لمواجهة الصين)، بعدما أطلقت أكثر من 1000 صاروخ في الأسابيع الأولى من الحرب ضدّ إيران، وفق مصدر عسكري أميركي لم يكشف عن اسمه، مع العلم أنّ المصدر كشف أنّ الطائرات الأميركية أطلقت أيضاً 47 صاروخاً خلال الغارة التي هدفت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته.

وبحسب الباحثة كيلي غريكو فإنّ ظهور قاذفات "B-52" القديمة والبطيئة في سماء المنطقة مؤخراً يعكس مأزقاً استراتيجياً، إذ يثير تساؤلات حادة حول مدى قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار في الاعتماد على "قدرات المواجهة عن بُعد" بعد نفاد مخزونات صواريخها الذكية.

وبحسب خبراء عسكريين، فإنّ الكمية المتبقّية عالمياً لا تكاد تكفي لتسليح 17 قاذفة من طراز "B-1B" في مهمةٍ واحدة، ما يضع القدرة الأميركية على شنّ هجمات بعيدة المدى في حالة شلل استراتيجي عالمي، ويجعل من تجديد العدوان على إيران قراراً يفرغ الترسانة الأميركية من عصب قوتها الضاربة.

استنزاف "النخبة".. خسائر بشرية في الرتب القيادية

لا تقتصر فاتورة الأربعين يوماً من المواجهة ضدّ إيران على الحديد والنار، بل تمتدّ إلى العصب الحيوي للجيش الأميركي وهو "الكادر البشري". وتكشف الإحصاءات الرسمية الصادرة عن مركز بيانات القوة البشرية للدفاع (DMDC) حقيقة صادمة تتجاوز مجرّد الأعداد فمن بين 398 إصابة اعترفت بها الجهات المختصة، طالت 310 إصابات من رتب متقدّمة وكوادر توجيهية (Non-Commissioned Officers & Officers)، وهو ما يُمثّل نحو 78% من إجمالي الخسائر البشرية.

  • جانب من الخسائر العسكرية الأميركية (الجرحى) الذين اعترفت بهم واشنطن خلال عملية
    جانب من الخسائر العسكرية الأميركية (الجرحى) الذين اعترفت بهم واشنطن خلال عملية "الغضب الملحمي" ضدّ إيران (وزارة الحرب الأميركية)

ويشير محلّلون في معهد دراسات الحرب (ISW) إلى أنّ تركّز الإصابات في هذه الفئة الميدانية "التوجيهية" يعكس دقة الضربات الإيرانية وقدرتها على استهداف "مراكز القيادة والسيطرة" الميدانية بدلاً من الوحدات الهامشية.

هذا النزيف في الرتب المتوسطة والعليا يمثّل ضربة قاسية لـ "ذاكرة الميدان" الأميركية، إذ إنّ تعويض ضابط أو تقني توجيهي متمرّس يحتاج إلى سنوات من التدريب والخبرة القتالية، بخلاف الجنود المبتدئين.

وفي سياق متصل، نقل موقع "ميليتاري تايمز" عن مصادر طبية عسكرية أنّ طبيعة الإصابات الناتجة عن "حرب المسيّرات والتموضع الدقيق" أدّت إلى خروج مئات العناصر من الخدمة الدائمة نتيجة إصابات معقّدة، ما يضع البنتاغون أمام معضلة "تآكل الجاهزية البشرية".

وتؤكّد التقارير أنّ فقدان هذا الحجم من الكوادر القيادية في حملة واحدة يُعدّ الأعلى منذ حرب فيتنام من حيث النسبة والتناسب، ما يرفع "التكلفة السياسية" لأيّ قرار بتجديد العدوان إذ لم تعد واشنطن تخسر "رصاصاً وصواريخ" فحسب، بل باتت تخسر "عقلها الميداني" في مواجهة تزداد شراسة وتقنية.

بين مخازن صواريخ اعتراضية تحتاج إلى 5 سنوات لتمتلئ، وترسانة هجومية استنزفت ثلث مخزونها العالمي، ونخبة عسكرية تتآكل في الميدان بفعل الضربات الإيرانية على القواعد الأميركية في المنطقة، تبدو واشنطن اليوم أمام "خيار الضرورة" لا "خيار القوّة"، لذلك يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى "دبلوماسية الضرورة" ليبقي شيئاً من هيبة الردع العالمي للولايات المتحدة.

اقرأ أيضاً: تقرير: كلفة الحرب الأميركية على إيران تتجاوز 23 مليار دولار حتى الآن

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.

اخترنا لك