لماذا بنت جبيل؟

أُعلن فيها أن "إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت"، وسمّيت حينها بـ "عاصمة المقاومة والتحرير".. لماذا التركيز على بنت جبيل اليوم؟

  • لماذا بنت جبيل؟
    لماذا بنت جبيل؟

كان وقعُ الإعلان يومها ثقيلاً على حكومة الاحتلال، حين وُصف كيانها في قلب بنت جبيل جنوب لبنان، بأنه "أوهن من بيت العنكبوت"، ولا غروَ أن صداه ما زال اليوم يخرق آذان "جيشها"، باعتراف منه، حين وصف "عذابه" في "عاصمة المقاومة والتحرير"، قائلاً: "جهنم على الأرض".

جهنم هذه التي تردع "جيش" الاحتلال عن السيطرة على الأرض، وتحمل قوة مقاومةٍ تتصدى بكل ما فيها و"تُفاوض" بالدم والنار لتخط ملاحم وجودية في الجنوب، وجهنّم هذه التي وقف السيد الشهيد حسن نصر الله عام 2000 وأعلن فيها نصرَ البلاد وتحريرها. هو نفسه النصر، سيُنتزع من الأرض عينها، من فوّهات البنادق في بنت جبيل، لا من "فوّهات" التفاوض في واشنطن.

لماذا بنت جبيل؟ 

تكتسب مدينة بنت جبيل، في أقصى جنوب لبنان، أهمية مركّبة تتجاوز بعدها الجغرافي لتتحول إلى عقدة تقاطع بين البعد العسكري والرمزي والتاريخي في السياق الجنوبي، إذ تُعدّ من أبرز المدن الحدودية في قضاء بنت جبيل، وأكبرها، وتشكّل بذلك نقطة ارتكاز في عمق المشهد الميداني جنوب الليطاني، حيث تلتقي عدة محاور جغرافية تجعل منها، وفق تقديرات عسكرية، عقدة ربط بين القطاعات الشرقي والأوسط والغربي.

وفي السياق، يقول العميد المتقاعد في الجيش اللبناني والمحلل العسكري شارل أبي نادر للميادين نت، إن بنت جبيل، بوصفها تشكّل عقدة الربط في منتصف مناطق جنوب الليطاني، فإن أهميتها تبرز في كونها أكبر التجمعات الحدودية من حيث الكثافة السكانية والامتداد العمراني، ما يجعلها مساحة معقدة لأي عملية تقدم عسكري، ويحوّل أي محاولة للسيطرة عليها إلى اختبار مباشر لقدرات التمركز والثبات أكثر من كونه مجرد "توسع جغرافي".

وتظهر الأهمية الكبرى لبنت جبيل في مساعي المقاومة لردع محاولات الاحتلال السيطرة عليها، والتي وفقاً لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، تشكل "العقدة الأكبر عسكرياً" في المعركة.

وتتفوق المقاومة الإسلامية في لبنان اليوم، وفقاً للعميد شارل أبي نادر، في بنيتها الدفاعية وتحصيناتها ومخططاتها العسكرية المتقدمة، ومراكزها الدفاعية البديلة، ومعرفتها بكل شارع وكل محور، واستهدافاتها الصاروخية الاستراتيجية، ومحلقاتها الانقضاضية، وكمائنها وعملياتها المتتالية والمتصاعدة والمتنوعة، ما يعطيها التأثير الأكبر لردع المحتل عن السيطرة على المدينة حتى اللحظة، رغم تطويقها.  

وبذلك، فإن التركيز المتجدد على بنت جبيل اليوم لا ينفصل عن كونها مساحة تتقاطع فيها اعتبارات الردع والاستنزاف، ما يجعلها، في الحسابات العسكرية والإعلامية، واحدة من أكثر النقاط حساسية في المشهد الجنوبي اللبناني.   

لماذا يعجز الإسرائيلي حتى اللحظة عن السيطرة عليها؟

يُطرح سؤال عجز "جيش" الاحتلال حتى اللحظة عن فرض سيطرة كاملة على بنت جبيل رغم محاولات التطويق المُسَوّق لها إعلامياً، في سياق تداخل مجموعة من العوامل العسكرية والميدانية.

ويقول العميد أبي نادر في حديثه للميادين نت، إن السبب الأبرز في العجز الإسرائيلي عن السيطرة على المدينة يرتبط أولاً بقدرات ميدانية ودفاعية متقدمة لدى المقاومة الإسلامية في لبنان وقدراتها وصمودها الميداني، إضافة إلى طبيعة الجغرافيا القتالية في المنطقة والأحياء المتقاربة التي تُصعّب تثبيت أي سيطرة دائمة، وتحوّل أي تقدم إلى كلفة زمنية وبشرية مرتفعة للاحتلال الإسرائيلي.  

إلى جانب ذلك، تبرز معادلة حرب الاستنزاف بوصفها عاملاً أساس، حيث لا يقتصر التحدي على التقدم العسكري الإسرائيلي فقط، وإنما على القدرة على البقاء داخل منطقة مواجهة مفتوحة من دون التعرض لخسائر متكررة أو استنزاف طويل الأمد للمحتل.

وبذلك، يُرجع أبي نادر السبب الآخر إلى  "عقدة القتلى" لدى المحتل، الذي يخشى ازدياد عدد قتلاه، وهو ما ينعكس في تشديد إجراءات التعتيم أو التحفّظ في الإعلان عن الخسائر، ما يعكس حساسية عالية يبديها بحكومته و"جيشه" تجاه سقوط قتلى في صفوفه، حيث يُنظر إلى أي خسارة بشرية بوصفها عامل ضغط كبير يؤثر في القرارات العسكرية والسياسية. 

ويشير العميد أبي نادر إلى أن أي سيطرة محتملة على بنت جبيل، في حال تحققت، لا يمكن قراءتها بوصفها تحولاً حاسماً في معادلة "الأمن" الحدودي أو ضمانةً مستقرة لـ "أمن الجليل"، كما يُروّج المحتل خطابه الإعلامي، وإنما يُفهم الأمر ضمن سياق ميداني أوسع وأكثر تعقيداً.

وهنا مربط الفرس، إن طبيعة التموضع الجغرافي للمدينة، وكونها تقع على مسافة قصيرة نسبياً من الحدود، تجعل من أي تقدم نحوها خطوة في عمق جبهة مفتوحة، وليس نقطة فصل بين "الأمن والـ "لا أمن"، في حين إن ما يفعله المحتل إعلامياً هو العكس، يحاول التسويق لفكرة أن كل "خطوة متقدمة" له في بنت جبيل، هي "نصر استراتيجي".

وبينما يتحدث نتنياهو، عن ما سمّاه "قرب الحسم" في بنت جبيل، تكشف الوقائع الميدانية عن مشهد مختلف تماماً، فالمدينة الجنوبية ما زالت صامدة، والمقاومة تواصل إدارة المعركة بقدرة تنظيمية عالية فيها. 

ويحاول "جيش" الاحتلال منذ ما يقارب الأسبوع، دخول المدينة واجتيازها، فيما تتصدى له المقاومة وتُجبره على التراجع من عدة محاور وتُفشل تقدّمه، وبالتوازي، فإن المقاومة حافظت منذ المواجهات الأخيرة، على منظومة القيادة والسيطرة داخل المدينة، وهو ما يعكس تماسكاً ميدانياً يتيح لها إدارة العمليات رغم كثافة الهجمات الإسرائيلية.

ورغم أهميتها العسكرية، إلا أن أهمية بنت جبيل المعنوية تفوق وزنها العملياتي، فالمدينة الواقعة في أقصى الجنوب، على بعد كيلومتراتٍ قليلة من الحدود اللبنانية- الفلسطينية، خاضت أعظم المعارك وأهمها على مر تاريخ المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي في لبنان، حيث وُصفت إسرائيلياً بأنها "أشبه بجهنم على الأرض".  

كانت بنت جبيل منبع المواجهات الأساسية مع الاحتلال ما قبل الانسحاب عام 2000، ثم بعد 6 سنوات ونيّف، ومع اندلاع حرب تموز/ يوليو من عام 2006، لم يغضّ المحتل عينه عن المدينة، باعتبارها تهديداً استفزازياً له، عسكرياً ومعنوياً. 

وتعرضت المدينة خلال حرب تموز عام 2006 لاعتداءات إسرائيلية دمرت جزءاً كبيراً من منازلها وأسواقها القديمة، واستكمل المحتل "غيظه" من بنت جبيل حتى في معركة الإسناد التي خاضتها المقاومة، إذ طالت الاعتداءات المدينة، من دون أن تتم السيطرة عليها، رغم المحاولات. 

واليوم، تجري الملاحم في المدينة التي تشكّل مركز قضاء بنت جبيل في محافظة النبطية، ضمن معركة استنزافٍ لـ "جيش" الاحتلال، إذ يهدف المقاومون في كل تحرك إلى تعطيل تقدم الاحتلال الذي يسعى إلى محو "عار" خطاب "بيت العنكبوت" عام 2000. 

بنت جبيل في ذاكرة الجنوبيين: "إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت"

في أيار/ مايو من عام 2000، أطلق الأمين العام لحزب الله السيد الشهيد حسن نصر الله خطاب النصر التاريخي بمناسبة عيد المقاومة والتحرير، غداة اندحار "جيش" الاحتلال الإسرائيلي من الجنوب، والذي عُرف بـ "خطاب التحرير"، وفيه أعلن أن "زمن الهزائم قد ولى".

فقال السيد الشهيد حينها: "نحن اليوم في بنت جبيل وإياكم واللبنانيون جميعاً هنا، نحتفل بنصرين وليس بنصرٍ واحد، النصر الأول هو تحرير جزء كبير من أرضنا وجزء كبير من معتقلي سجون الاحتلال وإلحاق الهزيمة بالعدو، والنصر الثاني هو كيفية فرض الانسحاب على العدو".

ثم توجّه إلى شعب لبنان ومقاومته، كما يفعل دائماً، وقال: "أنتم فرضتم عليه التوقيت، أنتم فرضتم عليه التكتيك، أنتم فرضتم عليه الكيفية، وأنتم أثبتم، بعد الانسحاب، أنكم شعبٌ لائق بالنصر".

من بنت جبيل، أكد السيد الشهيد أن "إسرائيل هذه، التي تمتلك أسلحة نووية، وأقوى سلاح جو في المنطقة، هي أوهن من بيت العنكبوت"، وأن كينونة المحتل كاملةً تتأثر وتضعف تحت ضغط المقاومين على تخوم الجبهات.. هذا ما حصل حينها، وهذا ما يُعاد تكراره اليوم. 

أيّ حكاية بين السيد وبنت جبيل؟

سمّاها السيد الشهيد حسن نصر الله: "عاصمة المقاومة والتحرير"، بوصفها الميدان الذي احتضن المقاومين الأوائل، الذين حوّلوا كينونة "إسرائيل" بأكملها وهناً لـ "عنكبوت".

هذا الوهن الذي حاول أن يكسر بنت جبيل في الـ2000 وما قبلها، فما استطاع، وأعاد الكرة في تموز/ يوليو 2006، وما استطاع، وها هو يستكمل محاولاته اليوم، وفي كل مرة، تُختم الملاحم بإعلان النصر الموروث من فم السيد الشهيد، الذي توّجها بزيارته الجنوبية الأولى بعد التحرير. 

في أيار/ مايو من العام 2000، كان الخبر أن "السيد" في المدينة، وأن النصر لم يعد قاب قوسين أو أدنى، وإنما صار تعريفَ بنت جبيل ومسمّى جنوب لبنان كلّه، فكلّما ذُكرت المدينة الحدودية ذُكر السيد، وكلّما ذُكر السيد ذُكر النصر، وكلّما ذُكر كلاهما ذُكر اسم جبل عامل. 

يومها قال السيد: "أنتم الآن هنا في بنت جبيل آمنون سعداء، وهم على امتداد مستعمرات شمال فلسطين المحتلة خائفون ومرتعبون أمام المستقبل المجهول"، وأردف، وهو غير المعترفِ بحدود الوهم الإسرائيلية الحائلة دون فلسطين: "ومن هنا، من بنت جبيل المحررة، أخاطب شعب فلسطين المظلوم المعذب المضطهد".

وقال يومها، حين أطلق خطابَه من بنت جبيل، نحو مناطق لبنان كله، لا الجنوب فقط: "اسمحوا لي هنا في بنت جبيل وفي جبل عامل أن أكون وفياً لمنطقة أخرى لها فضل كبير في هذه المقاومة، وهي منطقة بعلبك الهرمل".

أمس -في تاريخ المقاومة-، زفّ السيد بنت جبيل "عاصمةً للمقاومة والتحرير"، واليوم، يستمر الزف عينه، بنت جبيل عصية على الاحتلال، وعصية على تفكيك اسم النصر الذي لازمها مُذ حطّت أرجل المقاومين عليها.

بنت جبيل، وجه الجنوب والنصر وخطابات التحرير، ومعنى "التفاوض الحقيقي مع العدو". 

اقرأ أيضاً: بنت جبيل عنق زجاجة الجنوب

اخترنا لك