موت بطيء.. الاحتلال يحاصر مرضى القلب في غزة

تشكّل أمراض القلب نحو 56% من إجمالي الوفيات في قطاع غزة، وهي نسبة مرشحة للارتفاع في ظل الحصار، وتشير المعطيات إلى وفاة مئات المرضى والجرحى أثناء انتظارهم فرصة للعلاج خارج غزة، ما يعكس بوضوح أثر القيود المفروضة على الحق في الحياة.

  • صورة أرشيفية لتدمير الاحتلال مستشفى كمال عدوان (وفا)
    صورة أرشيفية لتدمير الاحتلال مستشفى كمال عدوان (وفا)

يواجه مرضى القلب في قطاع غزة كارثة صحية وإنسانية حقيقية، تفاقمت حدّتها نتيجة الحرب المستمرة والحصار، حيث تشير تقارير ومصادر صحية إلى انهيار الخدمات الطبية المتخصصة، مما يحوّل المرضى إلى "مشاريع موت" بطيء.

وفي ظلّ عدوان الاحتلال المستمر على قطاع غزة منذ أكثر من 30 شهراً، لم يعد مرضى القلب يواجهون مرضهم فقط، بل يواجهون منظومة صحية منهارة تكاد تعجز عن إبقائهم على قيد الحياة.

فالتدمير الواسع للبنية التحتية الطبية، إلى جانب النقص الحادّ في الأدوية والمعدّات، حوّل الأمراض المزمنة إلى تهديدات قاتلة يومية.

 وتشهد مستشفيات قطاع غزة اكتظاظاً بحالات مرضى القلب، في وقت تعاني فيه هذه المرافق من عجز حادّ عن توفير الحدّ الأدنى من الرعاية.

ومع تعطّل الأجهزة الحيوية ونفاد الأدوية الأساسية، باتت حياة آلاف المرضى معلّقة بقرارات طبية اضطرارية، لا تستند إلى الكفاءة بقدر ما تخضع لشح الإمكانيات.

 نظام مفاضلة للعمليات الجراحية

الأزمة لا تتوقّف عند نقص الأدوية، بل تمتد إلى انهيار الخدمات التخصصية. رئيس قسم القلب في مستشفى ناصر الطبي، الدكتور أشرف حلس، يؤكّد أنّ القطاع الصحي فقد قدرته على التعامل مع أمراض القلب بشكل شبه كامل.

قبل العدوان، كانت تُجرى يومياً ما بين 5 إلى 8 عمليات قسطرة في عدة مراكز طبية، أما اليوم فقد انخفض العدد إلى حدّه الأدنى، مع إجراء عمليات محدودة جداً تقتصر على الحالات الحرجة فقط، وفق نظام مفاضلة قاسٍ يحدّد من يحصل على فرصة العلاج ومن يُترك لمصيره.

اقرأ أيضاً: جرّاح لبناني يبلسم قلوباً في غزة

ويشير حلس إلى أنّ نحو 80% من العمليات المجدولة توقّفت، نتيجة نقص الدعامات والبالونات الطبية، ما يضطر الأطباء أحياناً لإنهاء الإجراءات من دون استكمال العلاج اللازم، وهو ما يهدّد حياة المرضى بشكل مباشر.

 إدارة أزمة لا علاج مرض

الوضع لا يقلّ سوءاً على مستوى التشخيص. أجهزة تخطيط القلب غير متوفرة بالكامل، فيما تعاني أجهزة "الإيكو" من نقص أو أعطال متكرّرة.

هذا النقص يحدّ من قدرة الأطباء على متابعة الحالات بدقة، ما يؤدّي إلى تأخّر التشخيص وتفاقم المضاعفات.

ومع غياب الإمكانيات، تصبح القرارات الطبية أقرب إلى إدارة أزمة لا علاج مرض، حيث يُجبر الأطباء على التعامل مع الحالات ضمن حدود ضيّقة، تفرضها قلّة الموارد لا المعايير الطبية.

قيود السفر… حكم بالموت المؤجّل

في الحالات التي تتطلّب علاجاً خارج القطاع، يصطدم المرضى بعائق آخر يتمثّل في القيود المفروضة على السفر. كثيرون يفقدون حياتهم أثناء انتظار التصاريح، في وقت تتحوّل فيه الإحالات الطبية إلى سباق مع الزمن.

 محمد مقداد (66 عاماً)، واحد من هؤلاء المرضى، يقبع في مستشفى ناصر منذ شهرين، غير قادر على المغادرة. يحتاج إلى جهاز لتنظيم ضربات القلب غير متوفّر، فيما تتفاقم حالته مع كلّ يوم يمرّ.

وهو يعاني من نوبات إغماء متكرّرة وهبوط حادّ في النبض، في مشهد يلخّص واقعاً طبياً مأزوماً: "حياتي مهدّدة ولا يوجد حلّ"، يقولها بوضوح يعكس انسداد الأفق.

أما فاطمة الفرا (67 عاماً)، فتجسّد نموذجاً آخر لمعاناة المرضى، فهي تعاني من ضغط دم مزمن أدّى إلى مضاعفات خطيرة، أبرزها ارتجاع السوائل إلى الرئتين وخطر الإصابة بجلطات دماغية.

 وبعد عملية قسطرة سابقة، كان يفترض أن تلتزم بعلاج محدّد، لكن غيابه أدّى إلى تضيق الدعامة، ما أعادها إلى نقطة الخطر.

تقول: "أشعر أنّ النهاية قريبة"، في تعبير صادم عن فقدان الثقة بالنجاة.

إلى ذلك، تشير التقارير إلى وضع صحي كارثي في قطاع غزة، حيث يواجه عشرات آلاف المرضى، خاصة مرضى السرطان والأمراض المزمنة، خطر الموت البطيء بسبب نقص العلاج وتدمير القطاع الصحي. يمنع الاحتلال سفر الآلاف لتلقّي العلاج، مع خروج معظم المستشفيات عن الخدمة.

وتشير المعطيات إلى وفاة مئات المرضى والجرحى أثناء انتظارهم فرصة للعلاج خارج غزة، ما يعكس بوضوح أثر القيود المفروضة على الحقّ في الحياة.

بحسب وزارة الصحة، تشكّل أمراض القلب نحو 56% من إجمالي الوفيات في قطاع غزة، وهي نسبة مرشّحة للارتفاع في ظلّ الظروف الحالية. كما يواجه نحو 20 ألف مريض صعوبات حقيقية في الوصول إلى العلاج، في وقت تستمر فيه المنظومة الصحية بالتدهور.

وأقدمت قوات الاحتلال منذ بدء الإبادة على استهداف ممنهج للمنظومة الصحية في قطاع غزة بالتدمير والقصف والقتل، ما أدّى إلى انهيارها شبه الكامل، حيث تعمل الطواقم الطبية بظروف كارثية لتقديم الخدمات الصحية.

في السياق، تقول منظمة الصحة العالمية في بياناتها،  إنه "مع كلّ مستشفى يخرج من الخدمة، يفقد المرضى إمكانية الحصول على خدمات الرعاية الصحية، وتُجهض الجهود التي تبذلها المنظمة وشركاؤها للحفاظ على النظام الصحي في غزة. هذا التدمير منهجي. فلا تكاد تكتمل إعادة تأهيل المستشفيات وتجديد مواردها حتى تتعرّض للأعمال العدائية أو الهجوم مرة أخرى. يجب إنهاء هذه الحلقة المدمّرة".

قلق أممي متزايد

وفي خضمّ استمرار الخوف وانعدام الأمن، يواصل العاملون الصحيّون، بمن فيهم العاملون الصحيّون في فرق الطوارئ الطبية الوطنية والدولية، تقديم الرعاية العاجلة في غزة. والمنظّمة تحيّيهم على شجاعتهم والتزامهم.

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by شبكة قدس | Quds network (@qudsn)

وتدعو إلى "توفير حماية نشطة لمرافق الرعاية الصحية. ويجب ألّا تتعرّض المستشفيات أبداً للعسكرة أو الاستهداف، والسماح دخول المساعدات على نطاق واسع إلى غزة عبر جميع الطرق الممكنة، وإلى إيصال المساعدات الإنسانية من دون عوائق للناس أينما كانوا".

اقرأ أيضاً: خاص الميادين نت: رسالة مؤثرة من غرفة عمليات جراحية في بيروت إلى مستشفيات غزة (فيديو)