طفولة يحاصرها العدوان والوباء: "جدري" الماء شاهد جديد من غزة

لم يعد الحديث عن الأزمة الصحية في قطاع غزة يقتصر على انهيار المستشفيات أو نقص المستلزمات الطبية، بل انتقل إلى مرحلة أكثر خطورة تتمثّل في تحوّل مخيمات النزوح نفسها إلى بيئات مولّدة للأوبئة ومسرّعة لانتشارها، وإلى حاضنات مفتوحة للأوبئة ومضاعفاتها.

  • سجّل أكثر من 9,300 حالة إصابة مشتبه بها بمرض جدري الماء في غزة خلال أسبوعين (وفا)
    سجّل أكثر من 9,300 حالة إصابة مشتبه بها بمرض جدري الماء في غزة خلال أسبوعين (وفا)

في مشهد يعيد إلى الأذهان أسوأ كوابيس الصحة العامة عبر التاريخ، تحوّلت مخيمات النزوح في قطاع غزة إلى مناطق وبائية حقيقية، يتصدّرها اليوم تفشٍٍ غير مسبوق لداء الجدري المائي  بين صفوف الأطفال النازحين.

ففي ظل انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية، واكتظاظ خانق داخل خيام لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء، وجد فيروس "الحماق النطاقي"  بيئة مثالية للتكاثر والانتشار، محوّلاً مرضاً كان في الظروف الطبيعية محدوداً وميسور العلاج إلى جائحة صحية تهدّد حياة الآلاف.

وجدري الماء هو معدٍ جداً مرض ناتج عن فيروس الحماق النطاقي يمكن أن يؤثر هذا المرض على الأشخاص من أي عمر.إلا أنه يصيب الأطفال بشكل أساسي.

يتميّز جدري الماء بـ طفح جلدي أحمر اللون يسبب الحكة يبدأ عادةً في الوجه وينتشر في جميع أنحاء الجسم. من الأعراض الإضافية المحتملة الحمى والصداع والشعور بعدم الراحة.

ما يجعل هذا التفشّي مختلفاً وأكثر إثارة للقلق، هو أنه يأتي في توقيت بلغ فيه سوء التغذية بين الأطفال مستويات غير مسبوقة، ما أفقد أجسادهم القدرة على مقاومة الفيروس، وحوّل مضاعفات كانت نادرة الحدوث إلى واقع يومي مرعب في عيادات ومستشفيات القطاع.

خطورة الظروف التي تحيط بالمرض

ولا تكمن خطورة هذا التفشّي في ارتفاع أعداد الإصابات فحسب، وإنما في الظروف التي تحيط به، إذ لم يعد المرض الفيروسي الموسمي يصيب أطفالاً يعيشون في بيئة مستقرة تسمح بالعزل والعلاج والرعاية المنزلية، بل يهاجم أطفالاً يعانون من النزوح وسوء التغذية وضعف المناعة، ويقيمون في خيام لا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار مربعة، تضم أحياناً أكثر من 10 أفراد، وسط غياب المياه النظيفة، وتراكم النفايات، وتدهور شبكات الصرف الصحي، وانتشار الحشرات والقوارض، وهو ما يحوّل أيّ إصابة فردية إلى بؤرة عدوى جماعية خلال أيام قليلة.

أرقام تعكس حجم الكارثة

تشير المعطيات الميدانية الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظمة اليونيسف  إلى تسجيل أكثر من 9,300 حالة إصابة مشتبه بها بمرض جدري الماء في قطاع غزة خلال أسبوعين فقط، رُصدت في 130 منشأة صحية موزعة في مختلف أنحاء القطاع.

وتكشف البيانات الجغرافية عن تركيز مقلق للإصابات، إذ يتركّز نحو نصف الحالات في محافظة خان يونس جنوب القطاع، وهي المنطقة التي تشهد أعلى كثافة سكانية وأكثر مخيمات النزوح اكتظاظاً.

 5,000 حالة جديدة أسبوعياً 

أما معدّل الإصابات الأسبوعي، فيشير إلى تسجيل ما يقرب من 5,000 حالة جديدة أسبوعياً في ذروة الانتشار، وفق ما أكده مدير الإغاثة الطبية في قطاع غزة، الدكتور بسام زقوت، وتتراوح التقديرات الإجمالية المتراكمة بين 10,000 و18,000 حالة، في مؤشر صارخ على حجم الكارثة الصحية التي تضرب القطاع.

هذه الأرقام لا تعكس فقط سرعة انتقال الفيروس، بل تشير أيضاً إلى فقدان السيطرة الوبائية داخل مخيمات النزوح، حيث أصبح انتقال العدوى يتم على مستوى الخيمة الواحدة، ثم ينتقل إلى الخيام المجاورة، قبل أن يمتد إلى المخيم بأكمله في فترة زمنية قصيرة.

العوامل المسبّبة للانتشار الوبائي

يجمع المراقبون الميدانيون والخبراء الصحيون على أنّ تفشّي جدري الماء بهذا الحجم غير المسبوق لم يكن ليتحقّق لولا تفاعل مجموعة من العوامل البيئية والصحية التي حولت المخيمات إلى حاضنات للأوبئة:

أولاً: التكدّس البشري الخانق: تعيش الأسرة الواحدة - المكوّنة من 8 إلى 10 أفراد أو أكثر - داخل خيمة صغيرة لا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار مربّعة. وفي بعض الحالات، يصل عدد السكان في الخيمة الواحدة إلى 20 شخصاً، ما يجعل تطبيق أيّ إجراءات للعزل الصحي أمراً مستحيلاً عملياً.

ويعلّق استشاري الأمراض الجلدية في الهلال الأحمر الفلسطيني، رائد عبد الكريم أبو سرية، على هذا الواقع بالقول: "تخيّل 10 أو 15 أو حتى 20 شخصاً يعيشون في خيمة صغيرة. أين يمكنهم عزل المريض؟"

ثانياً: انهيار خدمات المياه والصرف الصحي: تتدفّق مياه المجاري بين أروقة الخيام، وتتراكم النفايات الصلبة في كل مكان، مع نقص حاد في المياه الصالحة للاستخدام. وتكشف لقطات مصوّرة من مدينة غزة بركاً راكدة من المياه العكرة المليئة بالقمامة تحيط بالملاجئ المؤقتة، بينما يسير الأطفال حفاة بين صفوف الخيام.

اقرأ أيضاً: موجة الحر تحوّل خيام غزة إلى "أفران".. والبحر ملاذٌ أخير

ثالثاً: انعدام مواد النظافة الأساسية: يعاني النازحون من شح شديد في الصابون والمطهرات ومستلزمات العناية بالجلد. وتقول إحدى الأمهات النازحات: "كنا نستحم يومياً، الآن لا يوجد صابون، ولا شامبو، ولا منظفات… ونعيش في خيام، ولا أستطيع النوم بسبب الجرذان."

رابعاً: الظروف الجوية القاسية: مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة داخل خيام القماش والبراكسات الحديدية، يتضاعف التعرّق والحكة الجلدية، مما يسرّع من انتشار العدوى ويزيد من معاناة المرضى.

المخاطر والمضاعفات الطبية

يحذّر الأطباء والمؤسسات الصحية من أنّ جدري الماء، الذي يُعدّ عادة مرضاً بسيطاً لدى الأطفال تحت الظروف الطبيعية، يشكّل اليوم خطراً حقيقياً على الحياة في غزة لعدة أسباب:

أولاً: سوء التغذية وضعف المناعة: أدّى الجوع ونقص العناصر الغذائية الأساسية إلى انخفاض المظهر المناعي لأغلب الأطفال، ما جعل أجسادهم غير قادرة على مقاومة الفيروس. ويؤكّد الأطباء أنّ الأطفال الذين يعانون من نقص المناعة الشديد وسوء التغذية الحاد هم الفئة الأكثر عرضة للمضاعفات الخطيرة.

ثانياً: المضاعفات الشديدة: برزت مضاعفات كانت نادرة سابقاً، مثل التهاب الرئة الفيروسي (Pneumonia)  و التهاب الدماغ (Encephalitis)، فضلاً عن الالتهابات البكتيرية الثانوية الناتجة عن تلوث البثور الجلدية في بيئة تفتقر إلى أبسط معايير النظافة.

ثالثاً: الخطر على النساء الحوامل: حذّر أطباء من خطورة إصابة الحوامل بالفيروس، إذ قد تنتقل العدوى إلى الجنين وتتسبّب في حالات إجهاض أو تشوّهات خلقية.

رابعاً: ارتفاع معدلات دخول المستشفيات: تشير تقارير اليونيسف إلى تزايد أعداد الأطفال الذين يحتاجون إلى دخول المستشفى، في وقت يوصف فيه النظام الصحي في غزة بأنه "على شفا الانهيار".

شهادات من قلب المخيمات

داخل مخيمات النزوح، لا تبدو الأرقام مجرّد إحصاءات، بل تتحوّل إلى قصص إنسانية مؤلمة. كثير من الأمهات يؤكّدن أنّ إصابة طفل واحد لا تلبث أن تمتد إلى جميع أفراد الأسرة خلال أيام، لأنّ الجميع يعيش في المكان نفسه، ويستخدم المرافق والأدوات ذاتها، من دون أي إمكانية للعزل.

وتصف إحدى الأمهات النازحات حياتها اليومية بأنها أصبحت معركة مستمرة مع المرض والحشرات والحرارة، بينما أصيبت رضيعتها التي لم تتجاوز 20 يوماً بالفيروس، في ظل عجز الأسرة عن توفير بيئة صحية أو وسيلة نقل مناسبة للوصول إلى المستشفى.

ويقول د. محمد أبو سلمية (مدير مجمع الشفاء الطبي): "إن الظروف القاسية التي تعيشها العائلات النازحة تجعل السيطرة على الأمراض الجلدية كجدري الماء والجرب أمراً في غاية الصعوبة. الاكتظاظ داخل الخيام وارتفاع الحرارة وشح المياه النظيفة عجلت بانتشار العدوى، بينما يزيد سوء التغذية من خطورة المضاعفات".

وتضيف إحدى الأمهات النازحات: "أصيبت ابنتي بالعدوى، وخلال أيام انتقل المرض لجميع إخوتها وأبناء عمومتها لأننا نعيش جميعاً في المكان نفسه، ونستخدم الحمام والمستلزمات ذاتها، ولا توجد أي إمكانية لعزل المريض داخل الخيمة".

بدوره، يقول د. عامر المصري (استشاري الأمراض الجلدية في مجمع ناصر الطبي): "مرض جدري الماء انتشر بصورة غير مسبوقة في قطاع غزة خلال الفترة الأخيرة، مرجعاً ذلك إلى الاكتظاظ السكاني داخل الخيام، وشح المياه، وارتفاع درجات الحرارة".

وفي حالات أخرى، يجد الآباء أنفسهم عاجزين عن توفير المراهم أو خافضات الحرارة، بينما تستمر الحمى والحكة في إنهاك أطفالهم داخل خيام لا تحميهم من حرارة الصيف أو من العدوى.

المنظومة الصحية… من الاستجابة إلى العجز

يواجه القطاع الصحي في غزة تحدّياً يفوق قدراته الحالية. فالمستشفيات والمراكز الصحية تعمل في ظروف استثنائية، وتعاني نقصاً في الأدوية والمستلزمات والكوادر، إلى جانب الضغط الهائل الناتج عن استمرار الحرب وارتفاع أعداد الجرحى والمرضى.

ويؤكد أطباء أنّ علاج الجدري المائي يعتمد في معظم الحالات على الرعاية الداعمة، وخافضات الحرارة، ومضادات الحكة، والمرطبات الجلدية، إضافة إلى مضادات الفيروسات في بعض الحالات الخاصة. غير أنّ توفير هذه العلاجات أصبح تحدّياً بحد ذاته، في ظل النقص الحاد في الإمدادات الطبية وصعوبة إدخالها إلى القطاع.

كما أنّ غياب أماكن مناسبة لعزل المرضى داخل المستشفيات أو المخيمات يجعل من احتواء العدوى مهمة شبه مستحيلة، وهو ما يهدّد باستمرار ارتفاع معدلات الإصابة خلال الأسابيع المقبلة.

أكثر من مرض… مؤشر على انهيار الصحة العامة

إنّ تفشّي الجدري المائي في غزة لا ينبغي النظر إليه بوصفه حدثاً صحياً منفصلاً، بل باعتباره مؤشراً على انهيار منظومة الصحة العامة بأكملها. فعندما تصبح خيام النزوح بديلاً عن المنازل، وتتحول المدارس إلى مراكز إيواء، وتتراجع خدمات المياه والصرف الصحي، وتتوقف برامج التطعيم الدورية، فإنّ ظهور الأوبئة يصبح نتيجة متوقّعة، وليس حدثاً استثنائياً.

وتحذر المؤسسات الطبية من أنّ استمرار هذه الظروف قد يفتح الباب أمام انتشار أمراض معدية أخرى، خصوصاً مع انخفاض معدلات التطعيم الروتيني للأطفال الذين ولدوا خلال فترة الحرب، وتراجع المناعة المجتمعية، وازدياد الكثافة السكانية داخل مناطق النزوح.

المطالبات والتوصيات الإنسانية

طالبت المنظمات الإنسانية والأممية بضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة وفورية لاحتواء الكارثة:

1. فتح المعابر فوراً وبشكل مستدام لإدخال العلاجات والأدوية الخافضة للحرارة والدهانات المهدئة للحكة، إضافة إلى اللقاحات والمستلزمات الطبية.

2. توفير كميات كافية من المياه الصالحة للشرب والاستخدام المنزلي، إلى جانب مواد النظافة الشخصية من صابون ومنظفات.

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by الميادين | Al Mayadeen (@almayadeen.tv)

3. تحسين الظروف البيئية والصحية في أماكن التجمّع، وإيجاد حلول عاجلة لمعالجة مياه الصرف الصحي والنفايات المتراكمة.

4. توفير لقاحات جدري الماء، إذ يعاني آلاف الأطفال الذين ولدوا خلال فترة الحرب من حرمانهم من التطعيمات الأساسية، ما أدى إلى تراجع المناعة المجتمعية.

في النهاية، فإنّ ما يجري في مخيمات غزة من تفشٍ وبائي لمرض جدري الماء ليس فقط أزمة صحية هامشية، بل هو انعكاس مأساوي لواقع إنساني ينهار بكلّ مقوّماته.

ففي بلدٍ كان فيه هذا المرض مجرّد محطة عابرة في حياة كلّ طفل، تحوّل اليوم إلى تهديد وجودي، بسبب الحرب والحصار والاكتظاظ والجوع.

ومع استمرار تدهور الأوضاع تبقى الأسئلة المقلقة تنتظر إجابات: كم طفلاً آخر سيدفع ثمن هذا التفشّي؟ ومتى ستتحرّك الجهات  المعنية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان؟

اقرأ الآن: الجدري ينهش أجساد أطفال غزة