مريم

نحن سنبدأ من الصفر، نحن لا نعرف اليأس ولا نعرف الهزيمة، غزّة طول عمرها مقبرة للغزاة، وربنا سيفرجها.

  • غزة
    غزة

في مخيم المواصي غرب خان يونس طفلة صغيرة اسمها مريم، عمرها 7 سنوات، لونها قمحي، أما عيناها فهما بحر من زرقة السماء، وشعرها البني رغم أنه ناعم، لكنه مُجَعّد بسبب شح المياه، وعدم تسريحه، وملابسها رثة وبالية، وفستانها الذي تلبسه هو ما تبقى لها من كثرة النزوح، والترحال من مكان إلى آخر لكي تشعر هي وعائلتها بالأمن والأمان، ولكن لا أمن ولا أمان في غزة.

لم تعرف مريم الطفولة ولم تعشها أصلاً كأطفال العالم، لأن الحرب المستعرة منذ عامين لم تمكنها من أن ترى فيها شيئاً جميلاً، فهي لم ترَ سوى القتل والدمار والتشريد والنزوح والمرض وعرفت معنى الموت بكل أنواعه، وهذه هي المرة السابعة التي تنزح فيها مع عائلتها (أمها وأخويها الصغيران) فهي أكبرهما سناً. والدها استشهد في أول الغارات الصهيونية التي أعقبت معركة "طوفان الأقصى" وكان عمرها 7 أعوام. تتذكر عندما دخل الجميع إلى بيتهم يحملون جثمان أبيها الشهيد وهو مُضرّج بدمائه، والكل يهتف "بالروح بالدم نفديك يا شهيد". 

أمها كانت تريد البكاء لكنها بدأت تطلق الزغاريد بدلاً من الدموع، تمسكها النسوة خوفاً من السقوط، لكنها كانت متماسكة وصابرة رغم هذا الفقد الأليم، وأنها أصبحت أرملة وهي في مقتبل العمر. يقض مضجعها كيف ستعيش ومعيلها الوحيد غادر الدنيا بلا رجعة؟   

خرجت من خيمتها بعد المنخفض الماطر، والذي غرق الخيام بالأمطار من شدته، وحوّل الأرض حولها إلى سيول جارفة. كأن السماء رغم أنها تمطر الخير، غاضبة، لا على الغزيين، بل على من خذلوهم من أبناء جلدتهم من العرب. كانت حافية القدمين رغم برودة الطقس، وتحمل دلواً صغيراً وتذهب عشرات الأمتار بعيداً عن خيمتها لتجلب دلواً من الرمل، وتلقيه أمام خيمتهم الغارقة بمياه الأمطار، فقد تستطيع أن تصنع حاجزاً مانعاً للمياه من الدخول فتغرق الخيمة، وتكرر العملية رغم أن المياه تسحب الرمل.

في الجوار تتطاير الخيام. الريح تصفر وتعصف بلا رحمة، المطر ينزل مدراراً. صراخ الأطفال يعلو. أمّ مريم لا تدري ما تفعل. تحمل طفليها وقدماها تغمرهما المياه، كل الأغطية والفرش مبتلّة، والطناجر والصحون البلاستيكية تطفو فوق مياه الأمطار التي تدخل من السقف كأنه قطعة من منخل. هدير الطائرات الصهيونية لا يتوقف، وصفير قذائفها ينهمر فوق النازحين الذين هربوا من القصف إلى المناطق المسمّاة "آمنة"!

يقولون إن هناك وقفاً لإطلاق النار. ما هذه الكذبة! إن حرب الإبادة مستمرة ويبدو أنها لن تنتهي إلا بفنائنا، ولكن هيهات منّا الذلّة، نحن جُبلنا من طين هذه الأرض المقدسة، جذورنا عميقة فيها منذ آلاف السنين ولا يمكن قلع شروشنا من هذه الأرض. أرض كنعان ستبقى للكنعانيين.

قالت الأم: "رحماك يا الله، هؤلاء أطفالي، هربنا من القذائف للاحتماء في خيمة، ونحن نريد المطر لكي نشرب لا لنبتل ويبتل فراشنا وملابسنا في هذا البرد القارس، وفي المربعانية الشتوية؟ أين نذهب؟ ليس لنا إلّاك، فالكل خذلنا وتخلى عنا، القريب قبل الصديق. ونكرر النكبة وما حصل فيها لشعبنا حينها في عام 1948".

تتوقف الأمطار بعد يومين عاصفين، معالم المخيم تغيّرت، الكثير من الخيام تطايرت، والممرات بين الخيام موحلة، وأصبح النازحون بلا مأوى، يفترشون الأرض المبتلّة وغطاؤهم السماء! 

في الجوار أب يحمله طفله الرضيع، وقد تجمّد من البرد ومات لأنه لم يستطع تدفئته أو تأمين الحماية الكافية له، وأم الرضيع شاردة الذهن عاجزة عن الكلام بعد أن فقدته. هي التي ولدته تحت القصف وبعد إعلان وقف إطلاق النار.

ترى من يشعر بهم وباحتجاجاتهم ومعاناتهم؟ كل منا يذهب إلى بيته ويعمل على تدفئة منزله بواسطة المكيّف أو "صوبة" الغاز أو مدفأة الحطب. لكن أهل غزة يموتون جوعاً وعطشاً ويتجمدون من البرد القارس. كيف يستطيعون تحمل ذلك منذ عامين وأكثر؟ هل هو الإيمان أم الصبر أم الثقة بالنصر رغم هذا الوجع والفقد؟ 

الكل يتساءل من أي طين جُبل وخُلق أهل غزة. يبدو أنهم مختلفون عن كل أنواع البشر، بل عن أبناء جلدتهم. كل هذا يجول في بال أمّ مريم وهي تحتضن أطفالها، لعلها تعطيهم الدفء بحضنها، رغم أنها هزلت وأصبحت عظماً بلا لحم، لكن ثقتها بالله وبالمقاومة كبيرة، وربما يعطيانها الدافع للاستمرار في العيش في هذه الظروف، بعد أن حوّل الاحتلال الغاشم غزة إلى مكان غير قابل للعيش؛ وبعد أن دمر الحجر وأحرق الشجر، وقضى على البنية التحتية ومنع دخول المساعدات بكل أنواعها. لكن الكل يرفض المغادرة والخروج، والكل مؤمن بالمثل القائل: "اللي بخرج من داره بيقل مقداره". أهل غزة عزيزو الأنفس ولا يرضون الذل ولا يعرفون الهزيمة. 

هكذا تتحدث أمّ مريم وهي راكعة وساجدة تصلي وترفع يديها للسماء، ومريم الصغيرة ترفع يديها، وتدعوان الله لرفع البلاء عنهن وزوال الاحتلال و"إسرائيل" وأميركا وكل العملاء والخونة.

"نحن سنبدأ من الصفر، نحن لا نعرف اليأس ولا نعرف الهزيمة، غزّة طول عمرها مقبرة للغزاة، وربنا سيفرجها. ألَم يرتووا من دماء الشهداء بعد أن استشهد ما يزيد على 75 الفاً معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى ما يزيد على 150 الفاً من الجرحى، وكثير منهم أصبحوا معوقين حركياً. ربما لا نملك شيئاً، لكننا نملك الإرادة والشرف والانتماء لهذا الوطن"، تقول أم مريم.

                                                

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك