كيف كسرت الحرب مع إيران وحزب الله جدار الحماية الأميركي عن "إسرائيل"؟

بدأ يتقدم مسار عزل "إسرائيل" تدريجيًا داخل الرأي العام الأميركي خصوصاً وفي الغرب عمومًا، بينما تبدو الولايات المتحدة نفسها أقرب إلى التآكل الداخلي مع تصاعد الاضطراب السياسي فيها.

0:00
  • العالم بدأ يتغير فعلياً.
    العالم بدأ يتغير فعلياً.

لم تعد المؤشرات القادمة من واشنطن مجرد أرقام أو تباينات عابرة في المواقف، بل باتت تعكس تحولًا بنيويًا عميقًا في العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية و "إسرائيل"، فالتصويت الأخير داخل مجلس الشيوخ الأميركي، حيث صوّتت أغلبية واضحة من الديمقراطيين ضد تزويد "إسرائيل" بمعدات عسكرية حساسة، كشف عن انخفاض غير مسبوق في مكانة "إسرائيل" داخل الولايات المتحدة بسبب الانجرار في حروب مع "إسرائيل" وما أحدثته من ارتدادات سلبية على الداخل الأميركي.

أن يصوّت 40 من أصل 47 من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين ضد تزويد "الجيش" الإسرائيلي بالجرافات، وأن يصوّت 36 من أصل 47 ضد تزويده بالقنابل، وأن لا يصوّت أي عضو ديمقراطي يفكر في الترشح للرئاسة لصالح تزويد "إسرائيل" بالأسلحة، فهذه معطيات لا يمكن التعامل معها كحدث معزول أو ظرف سياسي مؤقت، بل تشكّل مفارقة تعكس تغير المزاج السياسي الأميركي وانكشاف "إسرائيل" أمام مراجعة غير مسبوقة داخل أهم حلفائها.

هذا التحول لا يمكن فصله عن السياق الأوسع الذي تشكّل خلال العامين الأخيرين، بعد الحرب على غزة، ومؤخرًا بعد الحرب مع إيران، والتصعيد الإسرائيلي والمواجهة مع حزب الله في لبنان، وما رافقهما من صور دمار واسعة وجرائم بحق المدنيين، وانكشاف أخلاقي وإعلامي غير مسبوق للرواية الإسرائيلية.

لقد دخلت "إسرائيل" مرحلة جديدة لم تعد فيها قادرة على تسويق نفسها بالخطاب القديم داخل الغرب عمومًا، ولا حتى داخل المؤسسات السياسية الأميركية التي لطالما شكّلت خط دفاعها الأول،  وأصبح السؤال الكبير المطروح والذي يتردد في أميركا، لماذا نخوض حروبًا إرضاءً لإسرائيل؟ وماذا سنجني من ورائها؟

سابقًا، كان الدعم الأمريكي لإسرائيل يحظى بإجماع، أو شبه إجماع، خصوصًا داخل الكونغرس، حيث كانت أي محاولة لانتقاد الدعم العسكري تُقابل بعزلة سياسية، وربما نهاية للمسيرة السياسية لصاحبها. أما اليوم، فقد تغيّرت الظروف، وتبدّلت المواقف، وما نشهده هو كسر لهذا التابو التاريخي.

إن تصويت هذا العدد الكبير من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين ضد تزويد "إسرائيل" بالجرافات والقنابل يعني أن "إسرائيل" لم تعد فوق المساءلة، وأن كلفة دعمها باتت أعلى من كلفة مراجعة هذا الدعم، والأهم من ذلك، أن امتناع أي ديمقراطي يفكر بالترشح للرئاسة عن دعم تسليح "إسرائيل" في هذا التوقيت يعكس إدراكًا سياسيًا عميقًا بأن الرأي العام الأمريكي، وخاصة داخل القاعدة الديمقراطية، قد تغيّر بشكل فعلي.

هذا التغير نابع من أن القضية الفلسطينية وارتداداتها من جهة والحروب التي تخاص خلال العامين الماضيين لم تعد هامشية في وعي الناخب الأميركي، بل أصبحت جزءًا من النقاش الأخلاقي والسياسي الداخلي، خاصة بين فئة الشباب والأقليات والتيارات التقدمية، وقد تراكم هذا التحول بفعل عدة عوامل لا يمكن اغفالها، أبرزها الانفجار الإعلامي الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي التي كسرت احتكار السردية الإسرائيلية، وجعلت صورة غزة ولبنان تصل إلى ملايين الأميركيين دون حارس بوابة أو فلترة مقصودة.

كما يبرز التناقض الصارخ بين الخطاب الأميركي حول حقوق الإنسان وبين الدعم غير المشروط لعمليات عسكرية وُصفت، وفق مؤسسات حقوقية دولية، بأنها انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، سواء في غزة أو لبنان وإيران. يضاف إلى ذلك حالة الإرهاق والاستنزاف العام داخل المجتمع الأميركي من الحروب الخارجية التي لم تحقق لهم مكاسب ملموسة، مقابل تصاعد الدعوات لإعادة ترتيب الأولويات الداخلية، ورفض الانجرار وراء سياسات بنيامين نتنياهو.

أما في ما يتعلق بإيران، فثمة قراءة أعمق لهذا التحول، إذ لا يمكن فهمه دون ربطه بالتحولات الدولية الأوسع، فالحرب مع إيران وما حملته من مخاطر الانزلاق نحو مواجهة إقليمية شاملة، كشفت حدود القوة الأميركية، وعجزها عن فرض معادلات حاسمة كما في السابق، كما أن التصعيد في لبنان أظهر أن "إسرائيل" لم تعد قادرة على خوض حروب سريعة وحاسمة، بل أصبحت تواجه جبهات متعددة تستنزف قدراتها وتضع حلفاءها في مواقف حرجة، في ظل عجزها عن حسم أي من جبهات المواجهة.

في هذا السياق، العالم بدأ يتغير فعليًا، ولم تعد الولايات المتحدة القطب الأوحد القادر على فرض إرادته دون كلفة، بل باتت تواجه تحديات داخلية وخارجية متزايدة، من صعود قوى دولية منافسة إلى انقسامات سياسية حادة داخلها. وفي ظل وجود الرئيس الأميركي دونالد ترامب وما رافق سياساته من تقلبات وتناقضات، تتزايد المخاوف من دخول الولايات المتحدة مرحلة من عدم الاستقرار الاستراتيجي، خاصة في ظل احتمالات الانجرار إلى حروب لا تخدم مصالحها المباشرة.

إذن نحن أمام تحول لا يعني بالضرورة سقوطًا وشيكًا بالمعنى الكلاسيكي ، لكنه يشير إلى تراجع واضح وملحوظ في القدرة على القيادة، وإلى عالم بدأ يتجه نحو تعددية قطبية، حيث لم يعد بإمكان واشنطن التحرك دون حسابات معقدة وردود فعل غير متوقعة.

أما "إسرائيل"، فهي تواجه أخطر لحظة استراتيجية لها منذ عقود، فالعزلة التي كانت محصورة في بعض الدول أو الشعوب بدأت تتسلل إلى مراكز القرار في الغرب، ومع كل جولة تصعيد جديدة تتآكل شرعيتها أكثر، وتتوسع دائرة منتقديها حتى داخل المجتمعات التي كانت تعتبرها حليفًا طبيعيًا لها.

غير أن المفارقة الأكثر قسوة في هذا المشهد تكمن في الواقع العرب، ففي الوقت الذي تتغير فيه موازين القوى الدولية، وتتصدع فيه منظومة الدعم التقليدية لإسرائيل، لا يبدو أن الدول العربية تمتلك مشروعًا موحدًا أو رؤية استراتيجية لاستثمار هذه اللحظة التاريخية، بل على العكس، ما زالت الانقسامات والصراعات الداخلية والتبعية السياسية تعيق أي إمكانية لتحويل هذه التحولات إلى مكاسب حقيقية.

وأخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط أن تتغير موازين القوى، بل أن تتغير دون أن يكون هناك من يستفيد منها، فالتاريخ لا ينتظر المترددين، والتحولات الكبرى لا تمنح فرصًا دائمة،  وإذا استمرت الحالة العربية على ما هي عليه، فقد تجد نفسها أمام لحظة نادرة ضاعت، وفرصة تاريخية أُهدرت، ولن يبقى أمامها إلا الندم، ولكن بعد فوات الأوان.

في المحصلة، ما نشهده اليوم ليس مجرد خلاف سياسي داخل واشنطن، ولا حتى أزمة عابرة في العلاقة مع إسرائيل، بل هو جزء من إعادة تشكيل أوسع للنظام الدولي، نظام تتراجع فيه المسلمات القديمة، وتُعاد فيه صياغة التحالفات، وتُفتح فيه مساحات جديدة للتأثير، وفي قلب هذا التحول، تقف "إسرائيل" أمام اختبار وجودي، وتقف الولايات المتحدة أمام اختبار قيادة وأخلاق، بينما يقف العالم العربي بكل أسف أمام اختبار العجز والركون.

 لم تعد "إسرائيل" تحظى بالحصانة أو الإجماع في الدعم كما كان في السابق، فالحرب مع إيران، كما المواجهة مع حزب الله في لبنان، لم تحقق أهدافها الاستراتيجية، بل كشفت حدود القوة وأربكت حسابات الحلفاء قبل الخصوم، وفي المقابل، بدأ يتقدم مسار عزل "إسرائيل" تدريجيًا داخل الرأي العام الأميركي خصوصاً وفي الغرب عمومًا، بينما تبدو الولايات المتحدة نفسها أقرب إلى التآكل الداخلي مع تصاعد الاضطراب السياسي فيها.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.