ليودفيغ فيورباخ: سرّ المقدّس بين الفكر والمَعِدة
تخيّل فيورباخ أنّ إطعام الجياع سيؤدّي حتماً إلى رقي أخلاقي، بيد أنّ تجارب القرن العشرين: كالنازية التي استخدمت شعار الدم والأرض، والرأسمالية أيضاً، أغرقتا العالم بالطعام الرديء، وأثبتت أن تعبئة المعدة وحدها لا تصنع من غير وعي نقدي أمماً فاضلة.
-
ليودفيغ فيورباخ: سرّ المقدّس بين الفكر والمَعِدة
يُمثّل كتاب "الإنسان هو ما يأكل" (دار أبكالو 2025) للفيلسوف الألماني ليودفيغ فيورباخ (1804-1872) إضافة نوعية للمكتبة الفلسفية العربية، ذلك أنه يستفزّ القارئ بفكرة رئيسةٍ مفادها: لا يوجد شيء غير مادي في العالم، وحتى أكثر أفكارنا قداسةً، سواء كانت عن الإله أو التضحية والفداء، فهي تنبع من حاجاتٍ جسدية أرضيّة. وإذا ما كان اعتقادنا ثابتاً بأننا نلجأ إلى طقوس العبادة أو مائدة العيد طلباً للروحانيات، فإنّ هذا قد يكون مستحبّاً لبعض الوقت، إلّا أنّ فيورباخ يضحك من وراء ستار العالم الآخر هامساً: "انظر إلى يدكَ التي ترفع الملعقة، هناك يكمن سرّ وجودك".
ومع صدور الترجمة العربية للكتاب بقلم الدكتورة منال خليف، نعيد اكتشاف فيلسوف ظلّ لمدة طويلة تحت ظلال تلميذيه الأكثر شهرة "ماركس وأنجلز"، وعلى الرغم من وصف جامعة أكسفورد له كونه أكثر من مجرّد فيلسوف عادي، إنما "نبي" ومصلح، فإنّ كتابه يقدّم أطروحة جريئة تتعلّق بالممارسات الإنسانية الأكثر قداسة، وهي في جوهرها ليست سوى انعكاسات لعلاقتنا المادية مع الطعام. ففي زمنٍ تهيمن فيه النظم الغذائية والحميات على اهتمامنا اليومي، تبدو مقولته الشهيرة "الإنسان هو ما يأكل" ليست أكثر حضوراً منها اليوم، إلا أنّ ما لا يعرفه كثيرون أنّ هذه العبارة التي صارت شعاراً لثقافة الصحة والعافية، تحمل في طيّاتها فلسفة أعمق بكثير؛ وهي فلسفة تتجاوز البحث الهائم عن السعرات الحرارية إلى جوهر الوجود الإنساني والأخلاقي.
وتتساءل المترجمة، في مقدّمتها، عن سرّ الاهتمام المتجدّد بفلسفة فيورباخ، ولا تأتي الإجابة من فراغ، فبينما نعيش عصراً يشهد أعلى معدلات إنتاج غذائي في التاريخ، نعاني في الوقت ذاته من أزمات هوية عميقة؛ إذ أصبح الإنسان المعاصر "ما يأكل" بالمعنى السلبي، وتحوّلت الأجساد إلى مشاريع استهلاكية، والطعام مصدراً للقلق والمرض أكثر منه للتواصل والطقوس. وترى خليف أنّ فيورباخ يقدّم لنا خلاصاً من هذا الانفصام، ففي الوقت الذي حوّلت فيه الفلسفات المثالية "من أفلاطون وحتى هيغل" الجسد إلى سجنٍ للروح، يأتي فيورباخ ليعيد المكانة للجسد، معتبراً إياه مبدأ الواقعية، وهذا ما يجعل ترجمة الكتاب ضرورة ملّحة لعالم اليوم، ولا سيما العالم العربي، الذي تتداخل فيه العادات الغذائية مع الطقوس الدينية العميقة (كالأضاحي في الأعياد) حيث تبرز الحاجة لمثل هذا النوع من التفكيك الفلسفي القديم الذي لا يهدم المقدّس بقدر ما يعيد وضعه في سياقه الإنساني.
ولم يصل فيورباخ، بحسب ما نجد في بداية كتابه، إلى الصيغة النهائية لمقولته بين عشية وضحاها، إنما عمل إلى مراجعة نقدية لكتاب "عقيدة الأغذية للشعوب" لعالم الفسيولوجيا ياكوب موليشوت (1822-1893)، إذ لم يتحمّس فيورباخ للجانب البيولوجي في نظريته، وهو الجانب الذي يرى أنّ الطعام يتحوّل دماً، والدم يتحوّل قلباً وأفكاراً، إنما كان متحمّساً لإمكاناتها الثورية. وهو ما دفعه لكتابة عبارته الصادمة للذوق الفلسفي لعصره: "إنّ أوّل شرطٍ لتدخل شيئاً إلى قلبك ورأسك، هو أن تدخل شيئاً إلى معدتك"، وبهذه الجملة يقلب التسلسل الهرمي التقليدي، فالمعدة تصبح الأصل، والعقل هنا هو الفرع. وهنا تتجلى المادية بأقصى صورها؛ ولربما كانت أصل المادية التي تأثّر بها ماركس بشدّة، وهي ذاتها المادية التي لخّصها بريخت لاحقاً في قوله: أولاً يأتي الأكل، ثم تأتي الأخلاق! أما في الجزء الأكثر إثارة من الكتاب، ويمنحه فيورباخ عنواناً فرعيّاً "سرّ الأضحية" فهو تطبيق لنظريته المادية على أكثر الظواهر قداسةً: وهو طقس التضحية.
يتساءل فيورباخ: لماذا يقدّم الإنسان قرباناً لربّهِ؟ الإجابة التقليدية اللاهوتية تقول: اعترافاً بالفضل أو طلباً للمغفرة. ومن المعروف أنّ القربان في معظم الثقافات القديمة كان يتكوّن من أفضل ما يملك الإنسان، وغالباً ما كان حيواناً أو حتى محصولاً زراعياً. الحيلة الفلسفية هنا عبقرية: أي أنّ الإنسان لا يقدّم لربّه شيئاً غريباً عنه، إنما يقدّم له طعامه، ولكنه يقدّم الأضحية، أي يدخل في علاقة تبادل مع الإله. فالإله يأخذ اللحم أو الروح بحسب المعتقد، والإنسان يأخذ البركة والمغفرة.
أما في "سرّ الأضحية" فيأخذ فيورباخ هذه الفكرة إلى مكان أبعد، ذلك أنّ مجتمعات ما قبل الحداثة كانت تعيش على حافة المجاعة، لذلك، كان الإله المثالي هو الذي يضمن وفرة الطعام. وحين يريد الإنسان أن يشكر هذا الإله، يحرق قطعة اللحم التي يتوق إليها. وهنا تقدّم الدكتورة منال خليف في تعليق هامشي تفسيراً عن سبب اختلاف طقوس الأضحية بين مجتمع زراعي كان يضحّي بالخبز والبذور، ومجتمع رعوي قدّم الأغنام، حيث كان الإله بالنسبة إلى تلك المجتمعات غالباً ما يعكس وسيلة عيش الإنسان وليس العكس.
يقول فيورباخ: "لما كان الجسد والنفس يجوعان ويعطشان على حدٍّ سواء، فإنهما أيضاً يشبعان ويرتويان عن طريق الطعام والشراب"، لذلك تحديداً أسقط الإنسان مفاهيم الجوع والعطش والطعام والشراب على أمورٍ أخرى لا تؤكلُ ولا تُشرب حقاً، بيد أنها تتحوّل بالقَدْر ذاته إلى ماهيته عن طريق أعضاء أخرى. يفسّر هنا من خلال توضيح أنّ الإنسان هو ما يأكله، لكنه لا يأكل عبر بلعومه، بل من خلال قصبته الهوائية، ولهذا سمّى القدماء الهواء طعاماً وغذاء، وكانوا محقّين؛ إذ لا يصبح الطعام دماً يتفق في الشريان إلا بمشاركة الهواء، أي بتدفّق الأكسجين. إلا أنه في مقام آخر يستكمل نظريته بأنّ حاجة المرء للأكل لا تقف عند البلعوم، بل من خلال الحواس كافة: العين والأذن، وما يدلّل على هذا النوع من الأكل عبارات مثل: "يلتهم شيئاً بعينيه"، "يُشبع عينيه". ولكن، يتساءل فيورباخ: ما معنى الأكل من دون هضم؟ ويقصد هنا هضم ما تسحبه الحواس، أي بالدماغ بوصفه عضواً للتفكير. من هنا يفسّر لمَ وصف هوميروس.. دقيق القمح والشعير: "نخاع الرجال". ولهذا أيضاً؛ يصير الطعام بمثابة النخاع للجسد البشري وللغة البشرية.
وما يعنيه فيورباخ بالحسية، في فصله الأخير، ليس العبث الشهواني، إنما الاعتراف بالواقع المادي للآخر. فمشاركة الطعام في طقس الأضحية الجماعي، دليل على أنّ البشر كائنات اجتماعية بالأساس، إلّا أنّ فيورباخ، وكونه ناقداً شرساً، يحذّر من أنّ الإنسان "يعبد ما يأكل"، ذهب ماركس إلى القول: "لا يكفي تفسير ذلك، بل يجب تغيير الظروف التي تجعل الإنسان يعبد الخبز بدلاً من أن يصنعه بحرية". وفي الخاتمة، تتساءل المترجمة: لو كان فيورباخ حيّاً اليوم، أكان سيقول "إنّ الإنسان الحديث هو ما يستهلك؟" وتخلص للإجابة بنعم، ولكن مع تحذير. لأنّ فيورباخ كان مثالياً في ماديّته؛ إذ تخيّل أنّ إطعام الجياع سيؤدّي حتماً إلى رقي أخلاقي، بيد أنّ تجارب القرن العشرين: كالنازية التي استخدمت شعار الدم والأرض، والرأسمالية أيضاً، أغرقتا العالم بالطعام الرديء، وأثبتت أن تعبئة المعدة وحدها لا تصنع من غير وعي نقدي أمماً فاضلة.