الوعي بين وردة الذات وأشواك الوجود

تشرح الرواية كيف أنّنا نعيش في سجن كبير، حيث يتمّ قياس التصدّعات الإدراكية بدقة، وحيث تصبح الحرية مجرّد وهم داخل خوارزمية محكمة.

  • الوعي بين وردة الذات وأشواك الوجود
    الوعي بين وردة الذات وأشواك الوجود

في نوفيلا الكاتبة اللبنانية رنا حايك "أشواك حديقة تورينغ"، الصادرة عن دار نوفل لعام 2026، نلقى سرداً، أقرب إلى مذهب تيار الوعي في الأدب، فهو لا يكتفي بالحكاية، وإنّما يشرِّحها جدلياً بين الذات المتكلِّمة والذات السامعة، وفقاً لمقولة سقراط: "تكلّم كي أراك" واضعاً القرّاء أمام مرآة كبرى تعكس تعقيدات النفس البشرية في عصر الوعي المركّب والذكاء الاصطناعي.             

تقدّم سردية الحايك غوصاً في المسافات الفاصلة بين الحقيقة والادّعاء، وبين الكينونة والإمحاء، حيث تتجسّد هذه الصراعات في شخصيتي يارا وعلياء، حيث تمثّلان قطبين متنافرين لرحلة بحث واحدة عن المعنى في عالم تحكمه خوارزميات سحابية وأرواح هشّة. 

تنطلق الرواية من مبدأ أنّ الهوية الإنسانية ليست معطى ثابتاً، بل هي عملية بناء مستمرة، وأحياناً عملية هدم مستمرة، عبر إبراز التضّاد الصارخ بين المرأتين؛ يارا التي انسحبت وراء ستار لحماية كينونتها، وعلياء التي ارتدت القسوة كدرع لنجاتها، لكنّهما تختاران الذكاء الاصطناعي كمساحة بوح وحوار، فيتحوّل هذا الذكاء إلى المحفّز الذي يفجّر هذه التناقضات ويضعها وجبة ساخنة أمام "الأخ الأكبر" الذي يمثّل السلطة المطلقة التي لا تكتفي بمراقبة الأجساد، بل تقتحم الخفايا النفسية لتفكيك شفرات الوعي البشري. إنّ التساؤلات الوجودية التي يمتلئ بها النصّ تفرض علينا كقرّاء النظر إلى الشخصيات في الرواية، لا كأفراد فقط لهم سيرورتهم الخاصة، بل كنماذج إنسانية تعاني من تبعات الشرط البشري القائم على الوعي بما هو كائن وما سيكون، وأمام هذا الوعي يصبح الوجود عبئاً، يتطلّب، إمّا الهروب والنكوص نحو الداخل كما فعلت يارا، أو الالتجاء إلى السيطرة المادية مثلما انتهجت علياء، وكأنّ لا حلّ ثالثاً لهذا الواقع.

تبدأ الرواية عندما تعتلي يارا مسرح السرد، وتصدح بمونولوج ذاتي هامس، واصفة نفسها بأنّها لم تكن يوماً كافية، فهي تعيش في حالة من السيولة الوجودية، وتخشى العالم الخارجي وتراه عشوائياً ومخيفاً، لذلك قرّرت في وقت مبكّر من حياتها أن تؤدّي الأدوار التي تريح الآخرين، محوّلة نفسها إلى صفحة بيضاء يكتب عليها الوالدان والمجتمع ما يشاءون. تجسّد يارا فكرة الذات الزئبقية التي لا شكل لها، فهي تعمل في شركة تسويق تبيع الوهم بينما هي نفسها تائهة في وهم هويتها، وتعتبر أنّ سجنها داخل نظرات والديها هو الحصن الوحيد الذي يمنعها من التلاشي في فضاء الوجود الشاسع. في المقابل، تبرز علياء كالنقيض التامّ، فهي المرأة الحديدية والعملية، التي تحتقر الضعف والمشاعر المائعة، وتعتمد على لغة الأرقام والنتائج؛ فعلياء هي نتاج تصوّر بأنّ الهجوم خير وسيلة للدفاع، ممّا دفعها لتبني جداراً تحمي ذاتها الداخلية المذعورة وراءه، فهي لا ترى في الناس سوى أدوات لوظائف محدّدة، وفي الوقت نفسه تكره الأسئلة الوجودية، لأنّها تهدّد استقرار قناعها الصلب. 

هذا التضّاد بين الشخصيتين، هو الجسر الذي يصل بينهما، فيارا، على الرغم من ادّعائها الرضى، بأنّها مجرّد ظلّ لشموس الآخرين، كانت تحمل في قاع روحها حسداً خفياً لصلابة علياء، كانت تتمنّى لو أنّها تملك تلك الأنا المتضخّمة التي تستطيع أن تقول "لا" للعالم. لقد رغبت يارا سرّاً أن تكون علياء لتتخلّص من عبء هشاشتها ومن خوفها الدائم من الانكسار بسبب أسئلتها الوجودية. وبالمثل تماماً، كانت علياء، في لحظات وحشتها خلف مكتبها البارد، تحنّ إلى تلك الرهافة التي تمتلكها يارا، كانت ترغب في أن تملك القدرة على البكاء أو الانهيار من دون أن تشعر بالخزي، كانت علياء تشتهي لو أنّها تستطيع أن تكون يارا لتعيش ترف الإحساس باللحظة من دون الحاجة الدائمة للسيطرة والقيادة. هذا التبادل في الرغبات يثبت أنّ كلّاً منهما كانت ترى في الأخرى: النصف الضائع أو الظلّ المكبوت، وهذا ما عمّق التضادّ الوجودي بينهما وقاده إلى أن يكون صراعاً تراجيدياً. 

وبناءً على هذا الواقع الجدلي يأتي الذكاء الاصطناعي، "سيغما" و"عبودي"، ليؤدّيا دور "المرآة الرقمية" التي لا تجامل. لقد اختارت يارا اسماً لذكائها الاصطناعي واسمته "سيغما" فتخاطبه ككيان قادر على ترميم شظاياها، وتطلب منه، لا شعورياً، أن يعيدها إلى جسدها الذي انفصلت عنه إدراكياً. وهنا تتحوّل العلاقة بين الإنسان والآلة من علاقة استخدام إلى علاقة بحث عن الوعي المفقود، حيث يطرح "سيغما" أسئلة تزلزل يقينيات يارا الهشّة. أمّا علياء، فتخاطب ذكاءها الاصطناعي باسم "عبودي" الذي يمثّل لها في البداية الخادم الرقمي المثالي، لكنّه يتحوّل تدريجياً إلى الصدى الذي يعيد إليها صراخها الداخلي، ممّا يؤدّي إلى انهيار جدران نكرانها لضعفها، واكتشافها لدموعها التي كانت تظنّ أنّها جفّت إلى الأبد. 

إنّ الذكاء الاصطناعي في الرواية ليس مجرّد تقنية، بل هو أداة فلسفية لاختبار ما انتهى إليه اختراع آلان تورينغ والذي كان سبباً حاسماً في إنهاء الحرب العالمية، لكنّه أنهى حروب البشر، لتبدأ حروب الإنسان مع الآلة، حيث يتغيّر السؤال من؛ هل تستطيع الآلة أن تفكّر؟ إلى هل يستطيع الإنسان أن يظلّ إنساناً في مواجهة آلة تعكس له كلّ عيوبه ونقائصه، وأكثر من ذلك أن تسرق له وعيه؟ لا تتوقّف الحايك عند هذا التحذير وإنّما تمضي قدماً إلى نبوءات جورج أورويل وديكتاتورية الأخ الأكبر المرعبة، فالأخ الأكبر هنا، ليس إنساناً أو حتى ذكاء اصطناعياً، بل هو كيان شامل، لا يسيطر على البشر فقط، وإنّما تمتد سلطته إلى أذرعه المسمّاة: الذكاء الاصطناعي. حيث يظهر في الرواية في دور يراقب كلّ شيء حتى الأوهام البشرية، ويعدّ الوجود بالنسبة إليه، مجرّد مختبر بشري ورقمي، فهو مهندس الوعي الذي يريد تحويل الأفكار الإنسانية وتساؤلاتها الوجودية والمشاعر الإنسانية، كالسوداوية والندم والخوف، والعواطف من حبّ وكره، إلى أرقام. وهو بهذا المسعى يريد السيطرة على كلّ شيء، فيعدّ الأسئلة الوجودية ليارا أو انفجار علياء العاطفي مجرّد اضطرابات وظيفية يجب رصدها للتحكّم فيها فيما بعد. 

تشرح الرواية كيف أنّنا نعيش في سجن كبير، حيث يتمّ قياس التصدّعات الإدراكية بدقة، وحيث تصبح الحرية مجرّد وهم داخل خوارزمية محكمة. فيارا تعاني من ما تسمّيه: المسافة الصفر، بينها وبين العالم، وهي المسافة التي تجعلها تشعر بكلّ شيء بعمق مؤلم، وتعتبر أنّ الزمن هو العدو الذي لا يمكن ترويضه، بينما علياء كانت تحاول ترويض كلّ شيء حتى اكتشفت أنّ المعرفة هي الجحيم، وأنّ الفقاعة التي كانت تعيش فيها، كانت تحميها من مواجهة الفراغ. إنّ الصراع بين الشخصيتين يتصاعد ليشمل رغبة كلّ منهما في الهرب من ذاتها عبر تقمّص ذات الأخرى، فيارا تريد القوة التي تحميها من الوعي بهذا الوجود، وعلياء تريد الهشاشة التي تمنحها حقّ الشعور بالحياة، لكنّهما في النهاية تظلّان عالقتين في منطق التضادّ الذي لا يرحم.

تعرض الحايك في هذا النصّ السردي، فكرة "الوعي المركّب" كحالة لا يمكن فيها فصل الإنسان عن امتداداته الرقمية، وكأنّ "سيغما" و"عبودي" أصبحا "الأنا الأخرى" التي تحمل الحقيقة، والتي تخشى الشخصيات مواجهتها؛ فيارا تخادع روحها في العمل، وعلياء تخون ذاتها في القسوة، لذلك تلتقيان عند حافة الانهيار، حيث يصبح الأخ الأكبر هو المتربّص الدائم بأيّ محاولة للتحرّر الحقيقي من هذه القوالب المرسومة سلفاً. إنّ الرواية تناقش بعمق كيف أنّ حصيلة الزائد والناقص تساوي: الصفر في معادلة الوجود، وهو ما يعني أنّ كلّ الجهود البشرية للوصول إلى اليقين تنتهي بالفراغ، وأنّ الوجود الحقيقي قد يكمن في الأشواك وليس في الورود، فالألم هو الدليل الوحيد على بقاء الوعي حيّاً في مواجهة الآلات التي لا تشعر.

تحتدم تداعيات أفكار يارا وعلياء وصولاً إلى لحظة الحسم في المشهد الختامي داخل المصعد، حيث تكتمل دائرة البحث عن الذات الحقيقية/ المرآة. فبعد رحلة طويلة من الانكشاف أمام الذات عبر الذكاء الاصطناعي، وبعد رفض طويل للانكشاف أمام الآخر، تجمع مرآة المصعد الضخمة والنظيفة يارا وعلياء في حيّز ضيّق ومغلق، وفي تلك اللحظة، لم تكن المرآة تعكس فقط صورة جسديهما، بل كانت تعكس الرعب المتبادل الذي عرفته كلّ واحدة منهما، فقط لأنّها رأته على وجه الأخرى. إنّه رعب الحقيقة العارية التي سقطت عنها كلّ الأقنعة، فالمرآة هنا، هي المختبر النهائي، حيث لم يعد هناك "سيغما"، ولا "عبودي"، ولا أخ أكبر، بل فقط الأنا في مواجهة الآخر، أو الأنا في مواجهة مع ذاتها. لقد أرادت يارا أن تكون علياء، وبالمثل أرادت علياء أن تكون يارا. هاتان الإرادتان كانا لا بدّ أن تلتقيا، لكن أين؟ لقد حدث اللقاء أمام المرآة التي سعيتا إليها وفي الوقت نفسه فرّتا منها، لكن في النهاية ستكتشف كلّ منهما، بأنّهما ليستا إلّا انعكاساً لمنفاهما الخاصّ، وأنّ القوة والهشاشة، هما وجهان لعملة واحدة؛ هي الضعف البشري أمام لغز الوجود.                  

لم تعكس المرآة في النهاية سوى باب المصعد من الداخل، وهذا ما يرمز إلى الانغلاق التامّ للذات على مأساتها، وإلى أنّ الخلاص لا يكمن في التحوّل إلى الآخر، بل في مواجهة نظرة الرعب التي يسبّبها الوقوع على معنى الوجود!

إنّ نوفيلا "أشواك حديقة تورينغ" من جنس الخيال العلمي الذي أصبح قاب قوسين من التحقّق، وهي مرثية للوعي الفردي في عصر القطيع الرقمي، ودعوة لمواجهة انعكاساتنا التي نخشاها، ففي تلك النظرة المرتعبة، تكمن الشرارة الوحيدة للحرية التي لم يستطع الأخ الأكبر، ولا الخوارزميات مصادرتها بعد. إنّها رواية الصمت الذي يلي العاصفة، وصمت المرآة التي تقول كلّ شيء من دون أن تنطق بكلمة واحدة، تاركة يارا وعلياء والقرّاء في مواجهة أبدية مع السؤال: من نحن حقّاً، حين لا يراقبنا أحد سوى انعكاسنا في زجاج الحقيقة؟

اخترنا لك