رواية وقف الحرب: كيف انتزعتها إيران والمقاومة في لبنان؟

لم يكن وقف إطلاق النار في لبنان حدثاً منفصلاً عن سياق التصعيد الميداني في جنوبه، والضغوط الإقليمية وصولاً إلى مضيق هرمز، بل جاء كنتيجة لهذا المسار المتدرّج من الوقائع التي أعادت رسم المشهد، وأرضخت ترامب ونتنياهو.

  • انتزعت إيران والمقاومة الإسلامية في لبنان من عنق ترامب وأداته نتنياهو وقف النار
    انتزعت إيران والمقاومة الإسلامية في لبنان من عنق ترامب وأداته نتنياهو وقف النار

لم يكن اختيار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يوم أمس، للإعلان عن هدنة بين لبنان و"إسرائيل"، لمدة 10 أيام، عبثياً في التوقيت، ولا صدفةً ضمن سياق الحرب، بل كان نتيجة عدّة ظروف وعوامل وتطوّرات، كانت واشنطن تريد من خلالها الظهور بصورة "المنقذ" في اللحظات الأخيرة، وإقصاء وقائع ميدانية وسياسية فرضت نفسها، قبل أن يُسدل الستار عن مسرحيتها، التي لم تُقنع كثيرين، خصوصاً شريحة كبيرة من اللبنانيين، الذين يعون طبيعة الصراع في المنطقة. 

فبحسب مجريات الأحداث في الأيام الأخيرة، أراد ترامب إعلان وقف إطلاق النار في لبنان، مباشرةً بعد محادثات مباشرة جمعت السفيرة اللبنانية في واشنطن، بالسفير الإسرائيلي، برعاية أميركية، في خطوةٍ مُهّد لها الطريق، بعد نحو أسبوع من رفض السلطة اللبنانية، والحكومة الإسرائيلية والإدارة الأميركية، إدراج لبنان في التهدئة وفقاً لاتفاق وقف النار بين إيران والولايات المتحدة في باكستان، ما أعقبه مجزرة إسرائيلية في كلّ لبنان، حيث نفّذت طائرات الاحتلال في 10 دقائق فقط، 160 غارة جوية استهدفت بيروت والضاحية الجنوبية والجبل وصيدا والبقاع والهرمل، ما أسفر عن 303 شهداء و1150 جريحاً. 

هذه المقتلة الإسرائيلية في ذلك "الأربعاء الأسود"، كانت دليلاً على أنّ "إسرائيل"، مُنحت بدعم أميركي، ضوءاً أخضر لتستكمل آلة القتل بحقّ اللبنانيين، وتوسيع عملياتها في الجنوب اللبناني، بحثاً عن إنجاز عسكري على الأرض، وابتزاز إيران ولبنان على السواء من خلال ذلك، خصوصاً وأنّ شرط إيران الأساسي لوقف الحرب كان أن تتضمّن التهدئة كلّ المنطقة، وتحديداً جبهة لبنان. 

لكنّ الحقيقة، أنّ المحادثات المباشرة التي جرت بين "إسرائيل" ولبنان تحت النار، عدا عن أنّها غير قانيونية، ولم تحظَ بتوافق داخلي، بل وقوبلت برفض شعبي واسع، فهي لم تُفضِ حتى إلى أيّ جديد يُذكر بما يخصّ وقف النار، ولا سيما أنّ الجانب اللبناني، جلس إلى الطاولة خالي الوفاض، فذهب تحت الضغوط قبل أن تجفّ دماء الجرحى والشهداء، وحتى قبل أن تنتهي عمليات البحث عن أشلائهم وجثامينهم، متخلّياً عن الإنجازات الميدانية للمقاومة، وعن مطلب الانسحاب الإسرائيلي من القرى تمهيداً لعودة أهاليها، ووقف الأعمال العدائية. حتى أنّ موقع "أكسيوس" سرّب عن مصدر لبناني أنّ "اللبنانيين اقترحوا أن تعود إسرائيل إلى بنود اتفاقية وقف إطلاق النار الموقّعة في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 وقصف أهداف لحزب الله"، أي منح حرية الحركة لـ"إسرائيل"، في لبنان. 

وهو ما أظهره البيان الذي صدر من وزارة الخارجية الأميركية بعد الاجتماع، الذي نقل  "تشديد إسرائيل على ضرورة نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية وتفكيك بنيتها"، ودعم "حقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها في مواجهة هجمات حزب الله"، من دون أيّ تطرّق لآلية لوقف النار بشكل كامل، والاكتفاء بالقول إنّ الاجتماع "أفضى إلى الاتفاق على إطلاق مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل في زمان ومكان يتمّ تحديدهما لاحقاً".

والسؤال هنا يطرح نفسه إذاً، والجميع سيتساءل: كيف أُعلن عن سريان الهدنة في لبنان؟ 

فتح مضيق هرمز مقابل وقف العدوان على لبنان

في الكواليس، وخلف ما كان يدور على العلن من مباحثات مباشرة بين "لبنان" و"إسرائيل"، و"جهود أميركية" لوقف النار، في سياق التعمية على الدور الإيراني، وصياغة سردية مناهضة لزرع الشرخ بين إيران وحلفائها، كانت إيران، في مكان آخر، تبني قاعدة: "فتح مضيق هرمز، مقابل وقف النار في لبنان"، وإلّا فعودة الحرب، وهو ما ثبتّته طهران، من خلال إعلان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي، اليوم، فتح مضيق هرمز تماشياً مع الهدنة في لبنان. 

فإيران، حين قبلت الذهاب للجولة الأولى من المفاوضات في إسلام آباد، كانت تضع شرطاً أساسياً على الطاولة، وهو وقف النار في لبنان. وحين تمّ التوصّل إلى اتفاق للتهدئة لأسبوعين يتضمّن لبنان، لاستكمال المفاوضات، سرعان ما تنصّلت "تل أبيب" وواشنطن منه. ولذلك، بقيت طهران عند موقفها بعدم السماح بالملاحة في مضيق هرمز، وسط قنوات دبلوماسية مفتوحة مع لبنان، وباكستان، وأطراف دولية، سعياً للجم "إسرائيل" عن عدوانها.  

تحذيرات إيرانية بقصف مواقع محدّدة إذا لم يتوقّف العدوان على لبنان

وهي في سياق ذلك، أرسلت تحذيرات واضحة، وسط مساعٍ دبلوماسية بقيادة باكستان، لجولة ثانية من المفاوضات مع الولايات المتحدة، بأنّها لن تخوض في أيّ مفاوضات قبل شمول لبنان في التهدئة، حتى وصلت التحذيرات لواشنطن، من أنّ استمرار "اسرائيل" باستهداف لبنان، "سيقابل بقصف مواقع محدّدة"، بحسب ما نقل الخبير في الشؤون الاستراتيجية محمد مرندي للميادين

وأشار مرندي إلى أنّ طهران أكّدت أنها ستستهدف مواقع بتروكيميائية، وأخرى مرتبطة بالغاز والوقود والأسمدة"، مؤكّداً أنّ هذه "التهديدات الإيرانية قابلتها ضغوط أميركية متزايدة على إسرائيل دفعتها لوقف التصعيد في لبنان". 

وشدّد مرندي على أنّ "الضغوط الأميركية والتهديد الإيراني، أجبرا نتنياهو على القبول بوقف إطلاق النار في لبنان". 

تصريحات مرندي تتقاطع مع ما نقله مصدر عسكري إيراني مطلع للميادين، بأنّ إيران "اقتربت مراراً من عودة المواجهة العسكرية خلال متابعتها مسار وقف الحرب في لبنان، وبعد فشل الجهود الدبلوماسية". 

وأضاف المصدر للميادين أنّ إيران "أوقفت عملية إطلاق الصواريخ استجابةً لوعود قدّمت بشأن توقيت وقف إطلاق النار في لبنان"، في حين أنّ "العدو واصل عدوانه على لبنان كعادته في نكث العهود". 

وتابع أنّ إيران "حدّدت ليل الأربعاء مهلة نهائية حاسمة لوقف العدوان على لبنان"، مشيراً إلى أنّ "إدراك العدو لجدّية وحتمية بدء العمليات، إضافةً إلى صمود حزب الله وتضحياته في الخطوط الأمامية، أدّيا إلى وقف النار في لبنان". 

مساعٍ سياسية عبر قنوات أخرى بقيادة بري

أمّا لبنانياً، فقد كان رئيس مجلس النواب نبيه بري "على تواصل يومي مع الجمهورية الإسلامية في إيران"، حيث تبلّغ من عراقتشي تأكيداً بأنّ طهران لن تقبل بأيّ وقفٍ لإطلاق النار لا يشمل لبنان، وفق ما نقلته جريدة الأخبار اللبنانية. 

و"بعد التشويش الذي حصل في بيروت على هذا المسار" (أي المحادثات المباشرة)، قرّر بري التحرّك عبر قنواتٍ أخرى، وإرسال معاونه السياسي النائب علي حسن خليل إلى الرياض بناءً على طلب سعودي، في سياق مساعٍ سياسية واضحة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أنّه كان من المفترض أن يجري وقف النار في لبنان ابتداءً من الأربعاء الماضي، وحتى نهاية فترة وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة"، تحت ضغوط إيرانية، بحسب ما نقلت مصادر مطلعة للميادين، لكنّ رئيس حكومة الاحتلال أنهى جلسة "الكابينت" تلك الليلة من دون الموافقة على ذلك، لكسب المزيد من الوقت، حيث كانت لا تزال تدور معارك شرسة بين المقاومين وقوات الاحتلال في مدينة بنت جبيل الحدودية. 

فشل الاحتلال في الجنوب.. لم تسقط بنت جبيل

وهنا نأتي لحديث الميدان، فبالتوازي مع الضغوط الإيرانية، كانت المقاومة الإسلامية في لبنان، تسطّر الملاحم جنوبي البلاد، وتحديداً في بنت جبيل، التي أراد الاحتلال أن يخرج منها بصورة نصر، قبل إيقاف النار، لما تمثّله هذه المدينة من عمق معنوي وعسكري واستراتيجي في الجغرافيا الجنوبية، حيث كان يريد الاحتلال أن ينتقم من جملة "إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت"، التي صدح بها الشهيد السيد حسن نصر الله من على أرضها، قبل 26 عاماً. 

لكنّ المقاومة منعت الاحتلال من ذلك، بعدما كان "جيش" الاحتلال يحاول منذ ما يقارب الأسبوع، دخول المدينة واجتيازها، وأجبرته على التراجع من عدّة محاور مفشلةً تقدّمه، بالتوازي مع مواصلتها التصدّي له في الخيام أيضاً، وكلّ محاور التوغّل، محافظةً على سيطرتها وقدرتها العسكرية في التصدّي في الميدان، حيث لم تستطع قواته التثبيت في أيّ نقطة جنوباً، رغم كلّ الإطباق الجوي للاحتلال. 

وقد واصلت المقاومة حتى اللحظة الأخيرة تصدّيها للاعتداءات الإسرائيلية، فقبل نصف ساعة فقط من بدء الهدنة، دكّت بصواريخها، مستوطنتي نهاريا و"كرمائيل"، شمالي فلسطين المحتلة، محقّقةً إصابات مؤكّدة، فكانت صاحبة الطلقة الأخيرة. 

اقرأ أيضاً: لماذا بنت جبيل؟

الدبلوماسية بالقوة

هذا السرد لما يسبق وقف إطلاق النار، ليس عرضياً، بل ضرورياً في سياق الحديث عن الوقائع التي أدّت إلى وقف النار في نهاية المطاف، ففي وقتٍ سيكثر الحديث عن بوادر "السلام مع إسرائيل"، والتطبيع اللبناني، لوضعه ضمن إطار "الدبلوماسية التي جلبت السلام"، من الضروري التصدّي لهكذا رواية تضليلية حفاظاً على التاريخ للأجيال المقبلة، إذ إنّ ألف باء الدبلوماسية تؤكّد أنّ الجلوس إلى الطاولة مع عدو محتل من موقع الضعف، لن يحرز لك أيّ خروقات لصالحك، في حين أنّ الدبلوماسية من موقع قوة تستند إلى الميدان، هي التي تجبر الأعداء على وقف النار، والاستجابة لمطالبك.

وهذا ما جرى تماماً في لبنان، إذ أنّ ثبات المقاومة الإسلامية في لبنان، في الميدان، وتكبيدها الاحتلال الخسائر، من دون أن يحقّق أياً من أهدافه، بالتوازي، مع إغلاق مضيق هرمز من جانب إيران، أي التأثير على الاقتصاد العالمي، والتلويح بعودة الحرب، وربط ذلك كلّه بلبنان، جعلا ترامب يرضخ، ومعه نتنياهو لهذه الضغوطات، وإعلان وقف النار. 

وإنّ إصرار ربط إيران لوقف النار في المنطقة، بلبنان، يأتي ليس فقط في إطار دعمٍ حليف لحليفه، بل أيضاً في إطار إدراكها، أنّ أمن المنطقة لا يتحقّق إلّا بتحقيق الأمن في لبنان، وتثبيت معادلات رادعة أمام "تل أبيب" وواشنطن، استناداً إلى الإنجازات التي حقّقتها وحلفاءها في الحرب، ووسط التغيّرات الاستراتيجية التي تعمّ المنطقة ككلّ، كنتيجة لمعركة بدأت في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، ولم تنتهِ حتى الآن. 

"ليّ ذراع إسرائيل"

وفي هذا السياق، أقرّ الإعلام الإسرائيلي، بقدرة إيران على إخضاع ترامب ونتنياهو لشروطها، حيث أوردت صحيفة "هآرتس"،  أنّ تسلسل الأحداث التي سبقت المحادثات التي جرت في باكستان بين إيران والولايات المتحدة يوم السبت الماضي، والتي هدّدت فيها إيران، عبر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، بالامتناع عن التفاوض ما لم يتمّ إعلان وقف إطلاق النار في لبنان، قد أدّى في النهاية إلى "ليّ ذراع إسرائيل".

كما أقرّ المحلل العسكري في صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، رون بن يشاي، أنّ الرئيس الأميركي ترامب هو من فرض وقف إطلاق النار في لبنان على نتنياهو، مدفوعاً برغبته في إرضاء الإيرانيين لضمان عدم تحوّل القتال في لبنان إلى عائق أمام صياغة اتفاق دبلوماسي شامل بين واشنطن وطهران عبر الوسيط الباكستاني.

وقالت الصحيفة إنّ ترامب، الذي سبق وأوقف الطائرات الإسرائيلية وهي في طريقها لضرب أهداف إيرانية، يرى في تهدئة الجبهة اللبنانية مساراً ضرورياً لإنجاح المفاوضات الإقليمية الكبرى، مما جعل "إسرائيل" و"الجيش" الإسرائيلي معلّقين تماماً بما يصدر عن البيت الأبيض.

الخلاصة

في الخلاصة، انتزعت إيران والمقاومة الإسلامية في لبنان، من عنق ترامب وأداته نتنياهو، وقف النار، في المنطقة، كشرط أساسي للتفاوض على اتفاق يشمل المنطقة ككلّ، وسط عدم ثقة كاملة بالطرف المقابل، حيث تؤكّد  طهران مع حزب الله، أنّ الأيدي على الزناد للردّ على أية خروقات من جانب الاحتلال والولايات المتحدة. 

وستكون الأيام المقبلة، وجولة المفاوضات الآتية، هي الفصل لتحديد نتائج وقف النار، وإمكانية تمديده، خصوصاً على الجبهة اللبنانية، إذ الأنظار ترقب ما ستؤول إليه الأمور بشأن الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، وإعادة الإعمار، ووقف الاعتداءات، ومنع الاحتلال من "حرية الحركة" كما يريد، وإلّا فالمقاومة لن تعود إلى ما قبل 2 آذار/مارس، وستكون بالمرصاد. 

وصورة النصر كما العادة؛ توجّه الجنوبيون وأهل المقاومة بالعودة إلى بيوتهم، رافعين صور الشهداء ورايات المقاومة. فأهل الأرض والشهداء، يعرفون جيداً من أعادهم إلى الديار، ويدركون تماماً من تخلّى عنهم في وقت الشدّة. مشاهد العودة هذه كان ثمنها الدم، وكانت "إسرائيل" قد قصفت الجسور والطرقات الرئيسية التي تربط القرى ببعضها وجنوب نهر الليطاني بشماله، ظنّاً منها أنّ الناس لن تعود، لكن غاب عنها، أنّ كلّ الطرق تؤدي إلى الجنوب، وأنّ أهل الأرض لا يضيّعون البوصلة، لأنّهم يحفظون طريق بيوتهم عن ظهر قلب، مهما غيّر القصف والدمار من ملامح التراب. 

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.

اخترنا لك