الجنوب: ميثولوجيا النهوض من الرماد

الجنوبي يتقن فعل العودة. تهاجر الأجساد قسراً، لكنّ الأرواح تظلّ مقيمة كحرّاس غيب على أرض الموعد. العابرون يرحلون مع أول خيط للفجر، أما أهله فهم باقون في جينات المكان.

  • الجنوبي يتقن فعل العودة. تهاجر الأجساد قسراً، لكنّ الأرواح تظلّ مقيمة كحرّاس غيب على أرض الموعد.
    الجنوبي يتقن فعل العودة. تهاجر الأجساد قسراً، لكنّ الأرواح تظلّ مقيمة كحرّاس غيب على أرض الموعد.

الجنوب ليس اتجاهاً ترسمه البوصلة، ولا مساحة تحدّها خرائط الجغرافيا. إنه فكرة تتجدّد كالفصول في دورة سرمدية، أرض تختزل تربتها مفارقات الوجود برمّتها: طبقات من رماد الحروب وسنابل القمح تنمو جنباً إلى جنب في حقل واحد، كما تتجاور في وجدان أبنائه الذاكرة والنبوءة، الفاجعة والبعث، الرحيل والعودة الأبدية.

إنه فضاء يتقن كيمياء التحويل؛ حيث تتحوّل آهات الجرحى إلى مواويل عذبة، وتصير ثغرات الغياب ينابيع تتفجّر منها الحكايات والقصائد والصلوات.

لفهم هذه الميثولوجيا الحيّة، ينبغي البدء من تلك العلاقة السرّية التي تربط الإنسان بترابه هناك. فالجنوبي لا يملك الأرض بمستندات وسجلات، بل تملكه الأرض بجذور تمتد في شرايينه. إنها علاقة وجودية لا عقدية؛ فالجبال ليست تلالاً صماء، بل هي أسلاف صامتون شهدوا تقلّبات الدهر.

وفي تلك الهضاب المتموّجة التي تحتضن القرى كأمهات تحنو على رضّعها، تتشكّل الذاكرة الأولى. هناك، يتجسّد عبق المطر حين يلامس تراباً ظمِئاً، وسلاسل الكروم المتدلية كدموع فرح متجمّدة، والينابيع التي تتدفّق من صخور صمّاء كأنها وعد قديم لم يُخلف. هذه التفاصيل الصغيرة ليست زخارف عابرة في مرآة الطفولة، بل هي نسيج الروح نفسها، تُطوى في عمق الكيان كما تطوي الشجرة سرّ عمرها في حلقات جذعها الخفيّة.

هذه الأرض في علاقة خصبة دائمة مع الحرف والكلمة. فكما تلد سهولها التبغ والزيتون والحنطة، تلد عقولاً وقلوباً تنحت المعنى من صخر الألم. الحرف هناك لا يُدرس في الكتب فحسب، بل يتسلل إلى النفوس كتسلل النسيم إلى أغصان الحور. وكما ترتوي الجذور من ماء الينابيع الخفي، ترتوي الأرواح من حكمة تتناقلها الألسن. من بين شقوق الصخور وعيون الماء تتفجّر الحكايات: حكايات عشق تخترق جدران المستحيل وتخلّدها القصائد، وحكايات بطولات وأساطير ترويها الجدّات عند الغسق، فتصبح درعاً شفيفاً يحمي كينونة شعب من التآكل والنسيان. في قصائد الشعراء الجنوبيين وفي ألوان رسّاميه، لا تموت القرى التي سوّتها المدافع بالأرض، بل تستحيل إلى طيف حاضر أبداً، يغذّي المتخيّل ويصقل الرؤيا.

ومع ذلك، تدفع هذه الأرض ضريبة جمالها الأخّاذ وموقعها الاستراتيجي حروباً متوالية ونكبات متراكمة: احتلال يتمادى ويطمس المعالم، وتهجير يقتلع الأجساد من تربتها، وتدمير يطال الحجر والبشر والذاكرة. طفولة بأكملها تُنتزع من ملاعبها على تلك السفوح، وخطوات الصغار الأولى التي طبعت تراب القرية تذروها رياح المنافي الباردة، وصوت الأم الذي كان ينادي مع المساء يضيع صداه في ضوضاء مدن الشتات.

قرى بأكملها محا الاحتلال بيوتها ومساجدها وساحاتها التي كانت تعجّ بالحياة، وارتقى الشهداء على أعتابها وهم يدافعون عن فكرة أكبر من مجرّد جدران. لكن، وهذا هو جوهر الأسطورة الجنوبية، لا تتوقّف التراجيديا عند حدود الفاجعة، بل تتجاوزها إلى طقس نهوض متجدّد، إلى دورة حياة وموت وانبعاث لا تنتهي.

هنا تتجلى خصوصية هذه التجربة إذا ما قارنّاها بغيرها من الملاحم الإنسانية الكبرى. كما في فلسطين حيث صار المفتاح الصدئ أيقونة كونيّة لحقّ العودة، وكما في التراجيديات الإغريقية حيث يتطهّر المشاهدون بفعل التماهي مع المعاناة، يمتزج في الجنوب ما هو أسطوري بما هو تاريخي وواقعي. لكنّ الفرق يكمن في طبيعة هذا النهوض: فالجنوب يعود إلى نفسه كما يعود النهر إلى مجراه بعد فيضان، بهدوء الحكيم الذي خبر الدهر لا بضجيج المنتشي بنصره. إنه يشبه أسطورة العنقاء التي تنهض من رمادها، لكنّ رماده هنا ليس مجازاً شعرياً، إنه حقيقي، يلطّخ الأيدي ويلتصق بالثياب، لكنه بدل أن يتلاشى، يتحوّل إلى بذرة عناد لا تعرف الموت.

الجنوبي يتقن فعل العودة. تهاجر الأجساد قسراً، لكنّ الأرواح تظلّ مقيمة كحرّاس غيب على أرض الموعد. العابرون يرحلون مع أول خيط للفجر، أما أهله فهم باقون في جينات المكان. وفي كلّ مرة يظنّ فيها الغزاة أنّ الجذور قد قُطعت نهائياً، تعود السنابل لتملأ الحقول، ويزهر التبغ من بين الأثلام التي دهستها الدبابات.

هذه الدورة المتكرّرة من الموت والبعث أنتجت حكمة وجودية خاصة: أنّ المكان ليس مرادفاً للجدران والحجارة والأسوار، بل هو ما ينقش في القلب وتختزنه الذاكرة. لهذا تظلّ القرى الجنوبية عصيّة على المحو؛ لأنها تتحوّل من مجرّد نقطة على الخارطة إلى فكرة، إلى نبض في يد الشاعر وهو يكتب، وفي عين الفنان وهو يتأمّل، وفي قلب كلّ من ينطق اسمها وكأنه يتلو صلاة الحياة.

هذا التماهي الكلي مع المكان يخلق إدراكاً مختلفاً للزمن، إدراكاً يتحرّر من طغيان الساعة والتقويم. في وعي الجنوبي، يقف الطفل الذي شهد التهجير إلى جوار الرجل الذي يحرث الأرض، وتتعالى ضحكات الأطفال الجدد في الساحة نفسها التي علت فيها صرخات الأمس. الماضي ليس ظلاً خلف الظهور، بل هو سراج يُحمل في الأيدي لاستشراف الغد. إنه زمنٌ دائري، كرنفالي، تختلط فيه الأزمنة وتتمازج كما تختلط في حكاية شعبية تروى كلّ ليلة، فتتجدّد ولا تموت، وتضيف كلّ رواية جديدة طبقة من المعنى فوق سابقاتها.

وهكذا، فإنّ مقاربة ميثولوجيا الجنوب تعني فكّ طلاسم هذه المعادلة العجيبة: كيف تحوّل النكسة المتكرّرة الإنسان من ضحية إلى شاهد على الحياة؟ كيف تستحيل الذاكرة وهي تنزف وجعاً إلى نبع يفيض بالقصائد واللوحات والأغاني؟ كيف يغدو الفقد طاقة سردية هائلة لا تنضب، تخلق عالماً موازياً للذي سُلب؟ إنه المكان الذي يعلّمنا أنّ الغياب قد يهب الأشياء أبعاداً جديدة لا تراها العين، بل يتلمّسها القلب كضرير يقرأ وجه الريح. المكان الذي تلتقي فيه دموع الينابيع بنظرات العاشقين ونظرات الشهداء الأخيرة، لتروي حكاية واحدة أزليّة: أنّ الحياة، برغم رائحة البارود ودوي الانفجارات، تنتصر.

وفي عمق هذا الإدراك الميثولوجي للوجود، تكمن الحقيقة الأكثر سطوعاً: أنّ الجنوبي لا يغادر أرضه حتى حين يرغمه السيف والنار على الرحيل. إنه يظلّ متمسّكاً بترابها كما تتمسّك الجبال بقواعدها في وجه الرياح العاتية، مدافعاً عنها بكلّ ما أوتي من روح ودم وعصب، مهما بلغت التضحيات وفداحة الخسارات. وفي غربته القسرية، يظلّ يحملها في حدقة عينه كقبس من نور لا ينطفئ، ويعود إليها كما يعود الماء إلى جذوره الأولى في باطن التراب، متجاوزاً كلّ السدود والحواجز، لأنّ العودة ليست خياراً لديه، بل هي قدر وجودي وقانون داخلي يحكم إيقاع روحه. والأكثر عجباً من ذلك كلّه، أنه لا يرتضي عنها بديلاً حتى لو كان البديل هو الفردوس ذاته بكلّ ما تعد به النصوص المقدّسة من أنهار عسل ولبن وظلّ ظليل. ذلك أنّ الفردوس في نظره ليس مكاناً مؤجّلاً في غيب السماء، بل هو هذه الأرض بالذات، هذه التربة التي صارت فردوساً مباركاً ليس بالماء والكلأ، بل بدماء الشهداء الذين سقوها أرواحهم راضين، وبـدموع الأمهات اللواتي سكبنها في محاريب الانتظار، وبـعرق الفلاحين والمزارعين والعمال الذين نقشوا سطور حياتهم على جبين الصخر والسهل.

ولعلّ خلاصة هذا العهد تتجسّد في وصيةٍ قالها المزارعُ الجنوبي (ابن الصرفند) الشهيد محمد حربي الذي اغتالته يد الغزو وهو ذاهب للعناية ببستانه: "يجب أن تعتني بأرضك كما تعتني بأطفالك". لم يقل "دافع عنها"، بل قال "اعتنِ بها"، لأنّ العناية فعل حياة دائمة، والدفاع مجرّد لحظة من لحظاتها. هكذا يحوّل الجنوبي فعل المقاومة من طقس استثنائي إلى إيقاع يومي خفيّ، إلى رعاية أبوية لا تنقطع، محوّلاً كلّ قطرة عرق وشهيد إلى شهادة خالدة أنّ هذه الأرض تستحقّ أكثر من الفردوس، تستحقّ أن تكون هي المعنى الذي لا معنى بعده.

‎‏***

هنا،

حيث تمتزج أنفاسُ الأرض بحبر التراب

وتخترق الصخب صلواتُ المنسيين.

تذرفُ الغيومُ دمعاً فراتاً

نحمله في جراحنا نحو موت لا يخون الحياة.

 

نصنع من أضلعنا أعمدة ترفع سقف السماء

نعلّم الصمت أبجدية الرفض

نروي أساطيرنا بماء العيون العذبة

كُلُّ حجر هنا لحنٌ مدفون

وكلّ رماد يُغنّي: لن تكون النار آخر أسفارنا.

 

نحن مَن يمزج التراب بغبار النجوم

لِيَرصف طريقاً لزمنٍ آتٍ على صهوة النشيد

نخبز ظلالنا على مواقد الصبر

ونسكب في الكأس ماضياً يسقي غدنا المُنتظَر

على أرض تشبه وجوهنا السحيقة

لِنعيدَ اختراع الفجر

ونزيّن نهاراتِنا بشموسٍ جديدة.

اخترنا لك