ماركو بالزانو في "سأبقى هنا": السرد في مواجهة الطغيان

تُروى القصةُ على لسان الفتاة "ترينا" بوصفها شابة تحلم بالعمل في حقل التعليم، إلّا أنّ أحلامها سرعان ما تتحطّم بمجرّد وصول موسوليني إلى السلطة، وقيامه بإلغاء اللغة الألمانية، ومنع السكان من تداولها.

  • ماركو بالزانو: السرد في مواجهة الفناء
    ماركو بالزانو: السرد في مواجهة الفناء

تبنى الأعمال السردية الخالدة على معاناة الإنسان، وتستمدّ التحف الروائية قوتها من حكايات الألم والخسارة، ذلك أنّ للسرد قدرة على مقاومة العنف، وفضح أنظمة الحكم في محاولاتها تشويه التاريخ وتهميش الذات بأدوات تعمل على حراسة الذاكرة من التطبيع مع النسيان. ومن خلال سياقات الحرب، واللجوء، والاستعمار؛ تصبح الحكاية ميثاقاً للعودة وشهادة حيّة على الحقيقة. 

ولعلّ قصة القرية الإيطالية (كورون) تجسّدُ اختصاراً لمأساة الإنسان في مقاومته للتهميش وفي حربهِ ضدّ السلطة والاستبداد. وهي حكاية تحتفي بالحب، والمأساة، والتفاني، والخسائر الجمّة. ليس فقط لأنّ القرية دُمّرت وأُجبرَ سكانها على الانتقال، بل لأنّ العنف هُنا طُبّق بشكلٍ صامتٍ على أناسٍ بسطاء. وهو الفضاء الذي شكّل مادة رواية "سأبقى هنا" (دار الكرمة) إذ إنّ الكتابة عن تاريخ القرية المعروفة مثّلت هاجساً له، ودفعه للبحث عمّا جرى قبل أن تُدمّر وتُغمَرَ بالمياه. هذه الخلطة السحرية من المعطيات تمنح الرواية صدقها وألقها الذي يتشكّل أمام عيني القارئ كلما توغّل في قراءة النص.  

يقدّم بالزانو عالماً روائياً مكثّفاً يختبر حدود الذكاء والانتماء، إذ تدور أحداث الرواية ـــــ التي نقلتها إلى العربية الدكتورة أماني فوزي حبشي ـــــ في (كورون) الإيطالية والواقعة على الحدود النمساوية السويسرية. وعلى الرغم من انتماء القرية لإيطاليا سياسياً، إلّا أنّ سكانها لا يتحدّثون الإيطالية؛ لأنّ مناطق جنوب تيرول كانت فيما قبل جزءاً من النمسا حتى عام 1919. 

تُروى القصةُ على لسان الفتاة "ترينا" بوصفها شابة تحلم بالعمل في حقل التعليم، إلّا أنّ أحلامها سرعان ما تتحطّم بمجرّد وصول موسوليني إلى السلطة، وقيامه بإلغاء اللغة الألمانية، ومنع السكان من تداولها. بيد أنها تقرّر بناء حياة جديدة، وتقع في الحب، وتؤسّس أسرتها في القرية، لتعمل في تدريس الألمانية لأطفال القرية سرّاً. وتحت وطأة ملاحقة الفاشيين، تضعها السياسة مع باقي أفراد القرية أمام خيارٍ قاسٍ: وهو الانتقال من الإقليم إلى الرايخ ومغادرة إيطاليا. 

تتحوّل القرية هنا إلى نقطة صراعٍ لا مفرّ منه، ويختلف السكان بين من يرغب في الرحيل، ومن يقرّر البقاء، الأمر الذي يؤسّس لعالمٍ من الأسئلة قوامه العلاقة بالمكان والذاكرة. إلّا أنّ ترينا تقرّر مع زوجها وطفليها البقاء، ويواجهون بذلك تهمة الخيانة والجاسوسية، حيث تتجلّى ذروة الصراع بهروب ابنتها مع عمّتها إلى خارج القرية، فيتحوّل السرد هنا من فضاء ناقد للسلطة إلى سردٍ يهتم بالبحث عن الغائب، ومخاطبة ما هو غير موجود. 

يستمرّ النصّ بالظهور على شكل رسائل تكتبها ترينا إلى ابنتها الغائبة، وكأنّها بمخاطبتها للغيابِ، تكرّس فكرة تلاشي الأمان، وإمحاء انتمائها لوطنٍ رفض منحها الراحة طوال حياتها. والفتاة التي ترحل ولا تعود تبقى رغم ذلك حاضرةً كما لو أنها صدى موسيقى خلفيّة لفيلم طويل. 

إذاً هي رواية قوامها الغياب، ويجسّد العنف معاناة أبطالها، حيث تستمرّ المأساةُ خلال الحرب وتتحوّل إلى مغامرات مؤلمة سواء في اللجوء إلى الجبال المتجمّدة، أو الهرب من القوات الفاشية والاحتماء بالكهوف البرية. تستمرّ ترينا وزوجها بمعارضة نظام موسوليني، ومجابهة مشروع السدّ الذي تُقرّر الدولة إنشاءه على أنقاض قريتهم. 

وهنا لا يتردّد بالزانو في تصوير الشروخ التي تنشأ داخل الأسرة الصغيرة ومن ثم بين سكان القرية. فالعنف الذي تمارسه الشركات على الجميع، يتحوّل إلى صراعاتٍ صغيرة، إلّا أنّ اللافت في الرواية هي تلك الحميمية التي يوظّفها الكاتب في نصّهِ، وعلى الرغم من أنّ العنف يشكّل صلبها، إلّا أنّ لغته الشاعرية في وصف القرية وجعل النص يخرج بصورة رسائل تكتبها ترينا للابنة الغائبة، يدفعنا لنحيا معها حالة الصدمة الطويلة. وهي بوصفها أماً مفجوعة تصير مقياساً لكلّ الصراعات اللاحقة. ولكونها نشأت لتكون معلمة، ومن ثمّ فقدانها لتلك المهنة، تعيش الاستياء منذ مطلع الشباب وحتى نهاية القصة. 

أما العمل اللغوي الذي تَكرّس في قراءتها الرسائل لجاراتها الأمّيات، ورصدها كلمات رجالهم القادمة من ساحات المعارك، فدفعها لتكون عوناً لنساء القرية، وتتحوّل بذلك إلى صورة مصغّرة عن إنسانة منهَكَة لم تختبر في حياتها خياراتٍ سوى المقاومة. 

تتميّز الرواية بحبكتها الرصينة، وأحداثها التي تنمو وتتطوّر تدريجياً، إذ لا بطولةَ يرجوها بالزانو من خلال حكاية ترينا في قرية كورون، إنما نلاحظ كشفاً شاعرياً عن سردٍ يهتم بالحديث عن امرأة باسلةٍ خُلقت وسط الأسى، وعاشت في عالمٍ قوامه الذعر وقلّة الحظ. وما سعي الكاتب لسرد قصةٍ منسيةٍ لجماعة من الناس، حيث غرق عالمهم أسفل بحيرةٍ بفعل جشع سياسي، سوى براعة تختصرها تلك المساحة التي منحها للمرأة وسط كمّ مهول من العنف؛ إذ لا تخلو المشاهد، رغم السوداوية المحيطة بالقرية، من قطعة خبزٍ دافئة، أو مدخنة عامرةٍ تشير إلى بيت آمن يشيح بوجهه عن الخراب، أو طبقٍ دافئ وسط رحلة جبلية قاسية. 

وكأنّ الكاتب يريد في كلّ لحظة، وكلّ مشهد، أن يثبت أنّ ثمّة حياة يستحقها كلّ إنسان، وأنّ ثمة أماناً هو حقّ للجميع. هكذا تبدو الرواية وكأنها لسان حال مجموعة من الناس سحقتهم السياسة، وقرية غمرها الماء ولم يبقَ منها سوى برج الكنيسة الذي يسعد السيّاح بمشاهدته والتقاط الصور إلى جانبه من غير أن يُسمَع لأصحاب الأرض صدى لحقّهم الغائب. ليكون السرد بمثابة أداة لمواجهة فنائهم، ليس لخروجه بصورة عمل أدبي، بل لأنه يحمل رسالة تأمّل في طبيعة الوجود الإنساني وسط عالم متناثر. 

هذا الوجود الذي يقابله الفرد بالبقاء، وهو ليس ردّ فعل سلبياً، إنما مقاومةٌ للنسيان تتجلّى في النهاية من خلال سؤالٍ جوهريّ تطرحهُ الرواية: ماذا يعني أن نبقى؟ هل هو التمسّك بالمكان؟ أم بالذاكرة والهوية؟ هل هو الإصرار على الوجود أم أنها الروح التي تتمتع بتحدّي كلّ ما يمنع عنها الحقّ في الحياة؟ لا يقدّم بالزانو إجاباتٍ جاهزة، إنما يفتح باب التأمّل أمام القارئ داعياً إياه للبحث عن إجاباته الخاصة، وعمّا تتركه المعركة بين الذاكرة والهوية، وما يُشكّله فينا نقدُ الروايات الكبرى حيال مفهوم الوطن، واستمرار المرء على خلق المعنى في فضاء يبدو خالياً منه. "الجروحُ التي لا تُشفى إن عاجلاً أو آجلاً تتوقّف عن النزيف. والغضبُ، حتى ذلك الذي سبّبهُ عنفٌ وقع عليك، مصيرهُ مثل أيّ شيءٍ آخر، أن يخفتَ، وأن يفسحَ الطريق لشيءٍ أكبر لا أعرف اسمه. لا بدّ أن نتعلّم أن نسأل الجبال لنعرف هويته". 

اخترنا لك