رواية أنفاسها حامضية.. وأفكارها عنصرية!
هذه الرواية عنصرية برؤيتها تجاه البلاد الفلسطينية، والشعب الفلسطيني معاً، ومساندة للرؤى السياسية الغربية التي شاعت في مستهل القرن العشرين، والأكثر غرابة هو أن مترجمها د. طه، لم يشر إلى عنصريتها في المقدمة التي كتبها للرواية.
-
رواية أنفاسها حامضية.. وأفكارها عنصرية!
بلى، لا بد لنا من أن نقرأ الآداب الغربية بعقولنا، وما تراه فيها، لا أن نقرأها نقلاً عمّا قاله نقاد الغرب الذين رأوا فيها ما يناسبهم من قول ورؤيا، وأن نكف عن سلوك دروب "النقل"، والمضي في دروب "العقل" والأخذ بأنواره؛ لهذا أقف هنا عند رواية "عوليس" للكاتب الإيرلندي جيمس جويس (1882-1941) التي لم تنشغل الأوساط الأدبية والثقافية برواية ذات إشكالية، مثلما انشغلت بها، بدءاً من عنوانها "عوليس" المستل من اسم بطل "الأوذيسة" المنسوبة إلى الكاتب الإغريقي "هوميروس"، وانتهاء بما أرادت قوله، وطرحه من تقنيات فنية، فالجذر اللغوي للاسمين واحد، والتحوير في عنوان رواية "جيمس جويس" يأتي من أجل التمييز ليس إلا، لا بل إن الأمر تجاوز التسمية حين سعى "جيمس جويس" إلى خلق بطل عصري جديد له قدرات خارقة كتلك القدرات التي اتصف بها "يوليسيس" بطل "الأوذيسة" الهوميرية، وسبب انشغال هذه الأوساط بالرواية يعود إلى أمور كثيرة، لعل في طالعها: كثرة الدعاية لها، والأحاديث الجانبية التي دارت بين المثقفين والأدباء وأصحاب دور النشر حولها، فقد رُفضت طباعة الرواية في غير دار للنشر، وفي بلدان غربية عدة طوال اثنتي عشرة سنة، بعد الانتهاء من كتابتها، وكانت لكل دار نشر أسبابها الداعية إلى الرفض، ولكنها جميعاً أجمعت على أن الرواية مختلفة عن الروايات المعروفة من حيث الاهتمام، والصياغة، والأسلوب، وتعددية وجوه اللغة، وسطوة الغموض، وكثرة الانقطاعات والفجوات التي تعاني منها الفصول والأحداث والمشاهد معاً، والسيلان اللفظي، والتراكم اللغوي، والوصف المندفع الذي لا يؤسس لفكرة أو قضية أو حادثة، والانتقال السريع من أمر إلى أمر، ومن زمن إلى زمن، ومن مجهول إلى آخر، ومن عاطفة إلى أخرى، ومن مخاوف إلى مخاوف، ومن أحلام إلى أحلام أخرى، وبعض الأسباب التي ذكرت حول إشكالية الرواية يتمثل في غموضها، وعدم وضوحها، ووعورة متابعتها لأنها كتبت بلغة إنكليزية قديمة، ماشت تطور اللغة الإنكليزية من قديم قديمها إلى وقت كتابة الرواية (1904)، وهذا ما جعل ضبابية أحداثها تعلق على مشجب الغموض، وتقصّد اللعب بمفردات اللغة، والأخذ بأساليب كتابية، وتعابير لغوية باتت مهجورة في اللغة الإنكليزية، ومن هذه الأسباب أيضاً ما قيل عن التصوير المكشوف، ووصف الحياة الإيرلندية ليلاً بأنها ملأى بقباحات الابتذال، وتسليع الجسد البشري، وامتهان سلوكيات المرأة والرجل في آن، ومن الأسباب أيضاً اهتمامها المقصود بالموضوعة اليهودية، فقد جعل "جيمس جويس" معظم أبطالها من اليهود، وجعل أحداثها تدور حول الزوجين "ليبولد بلوم"، وزوجته "مولي بلوم" وهما يهوديان يتصرفان تصرفات غريبة، فالزوج فخور بشهرة زوجته لأنها "بنت ليل" تمتهن كل المهن المؤدية إلى جلب المال، ومنها بيع الجسد، والغناء ليلاً، ومعاشرة الشذاذ، وممتلكي المال، والزوج فرح بأسلوب حياتها المشين. ومن الأسباب أيضاً، أن بعض أصحاب دور النشر رأى بأن الرواية تسيء للحياة الإيرلندية، لا بل تشوهها، وهم لا يريدون المشاركة في الترويج لمثل هذا الفعل القبيح الذي يسيء لقيم الشعب الإيرلندي. ومن الأسباب أيضاً، قول قراء المخطوطة الأولى للرواية أنها تقليد مقيت، وعاجز، ومريض لسيرة البطل الأسطوري ("يوليسيس" لأن السيرة مختلفة، والغايات مختلفة، والتضاد والتناقض هما ما يجمع ويفرق ما بين سيرة (بلوم) في رواية جيمس جويس "عوليس" وسيرة "يوليسيس" في "الأوذيسة".
وأياً كانت الحال والأسباب، فإن هذه الرواية "عوليس" لجيمس جويس كتبت بعد ديوان شعر عنوانه "موسيقى الحجرة" لم يلاقِ الترحاب المرجو منه حين نشره، وبعد مسرحية خائبة لم تعرف التمثيل على مسرح من المسارح إلا بوساطة من الشاعر الأميركي "عزرا باوند"، فمثلت لليلة واحدة فوق أحد مسارح سويسرا، ولاقت إخفاقاً رهيباً، مثلما لاقت قدحاً نقدياً رهيباً أيضاً، كما أنها جاءت بعد كتابته لقصص "أهالي دبلن" التي رفضت دور النشر تبنيها لأن أصحابها وصفوها بانها خالية من العناصر الإيجابية، والروح الأدبية غائبة، فهي مجرد أخبار وأوصاف وثرثرة وأحداث باهتة لا قيمة لها، لكنها وتحت الإلحاح نشرت، ولم تلاقِ أي ترحيب، ولم تبع بعض نسخها إلا على نحو خجول جداً.
بدأ جيمس جويس كتابة روايته "عوليس" سنة 1904 في مدينة باريس، حيث كان يعمل على تدريس اللغة الإنكليزية لطالبيها في المدينة الفرنسية، واستمر في كتابتها عشر سنوات (1914)، وقد عرضها على دور نشر عديدة، لكنها رفضت، فقام بالدعاية لها عن طريق نشر فصولها الأولى في عدد من المجلات، وطلب من أصدقائه النقاد أن يساندوه في الحديث الطيب عنها. وهكذا كان، الأمر الذي لفت نظر سيدة فرنسية، عقيدتها يهودية، هي ابنة طبيب فرنسي يعمل في الريف، تمتلك داراً للنشر، ولديها ثروة مالية كبيرة، فتبنت نشر الرواية بعد أن اجتمعت ب "جيمس جويس" مرات عدة طالبة منه أن يحدثها عن الرواية، وما فيها، وما الذي تهدف إليه، لأنها ببساطة شديدة، لم تفهم الكثير مما قاله محررو الرواية وقراؤها! بعد أن استمعت السيدة لـ "جيمس جويس" وعدت بطباعتها، على الرغم من ضخامة حجمها (حوالي سبعمئة صفحة)، ولكنها لم تنشر الرواية، بل نشرت فصولها الأولى في مجلة تمتلكها، كي تعرف صدى ما يقوله القراء والنقاد عن قيمتها، وقد نشرت الرواية "عوليس" كاملة بعد سنوات في أميركا. وقيل إنها نُشرت لما فيها من تبشير ودعاوى تخص اليهود، وليس لما فيها من إبداع وجمال، وأحداث، أي إن الرواية تبشر بـ "يوليسيس" يهودي جديد هو "بلوم" الذي عانى من صعوبة الحياة وعقباتها نفياً وتشريداً وطرداً مثلما عانى "يوليسيس" البطل الأسطوري في "الأوذيسة" من صعوبات وعقبات واجهته في طريق عودته إلى مملكته "إيثاكا" قاصداً زوجته "بينلوبي" وابنه، والتبشير قائم على فكرة "العودة الميمونة" إلى الدار الأولى، أو الأرض الأولى، أو كما قال النقاد إلى "أرض الميعاد"، وذلك لأنهم رأوا في ذكر أسماء المدن الفلسطينية مثل (حيفا، ويافا، وعكا، وطبريا) داخل الرواية إشارة إلى فكرة المناداة بـ "أرض الميعاد" التي يتحدث عنها اليهود.
والعجيب، هو أن جيمس جويس المولود سنة (1882) في مدينة دبلن الإيرلندية لم يكن مهتماً بالحديث عن اليهود، وما يثار حولهم من قضايا في أوروبا، بل لم يكن مهتماً أصلاً بالأديان والعقائد ، لأن سيرته تؤكد بأنه غيّر دين طفولته حين شبّ وترعرع، وأن أمه رجته، وهي في النزع الأخير، أن يعود إليها، ويركع ويصلي لأجلها، فرفض رفضاً قاطعاً، وكتّاب سيرته يؤكدون أن تعرّفه إلى زوجته "نورا بارنكيل"، وهي عاملة في أحد الفنادق، بعد أن لفتت انتباهه بجمالها، وطولها الفارع، وهي يهودية العقيدة، هو من كان وراء تغيير معتقدات "جيمس جويس"، وأفكاره، وقد تعزز هذا التغيير حين تعرف إلى ناشرة الفصول الأولى من روايته "عوليس" التي كانت على علاقة مع "نورا بارنكيل" وقد قامت بالدعاية للرواية في الوسطين الثقافيين الإنكليزي والأميركي، أما الوسط الثقافي الفرنسي فقد تكفل به نقاد الأدب وأهل الصحافة في فرنسا لقاء أموال دفعتها إليهم، وقد قوبلت الرواية برفض نشرها في بريطانيا، وحين نُشرت في أميركا، أُقيمت ضدها دعاوى، فدخلت إلى المحاكم، وصارت حدثاً ثقافياً وسياسياً وأخلاقياً بسبب وصفها بالإباحية، وصارت حدثا دينياً بسبب حديثها عن المعتقدات اليهودية، وصارت حدثاً يسيء للأخلاق بسبب سلوك "مولي" زوجة "بلوم"، ثم خرجت من المحاكم منتصرة بعد أن أُعيد الاعتبار إليها، وتخلّصت من كل التهم التي وُجهت إليها، وهذا ما زاد في شهرتها، فسعى القراء إلى اقتنائها، وبذلك عرف "جيمس جويس" شهرة كبيرة وواسعة في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، كما عرف الثراء مع هذه الرواية التي طبعت مرات، فعادت عليه بربح وفير.
وأياً كانت الحال، فإن رواية "عوليس" مكتوبة على غير أساليب الروايات التي عرفها القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين، فقد تبنت أسلوباً عُرف في أوروبا مع النظريات الأدبية والفنية الجديدة المهتمة بـ "السريالية" و"الشيئة" والداعية إلى مغادرة عالم "الكلاسيكية" والبحث عن أساليب فنية وأدبية حديثة، ومنها أسلوب "تيار الوعي" الذي اقترن باسم "جيمس جويس"، وصُبغ بصبغته! والرواية ("عوليس" تدور زمنياً خلال يوم واحد، فهي تسجل حياة "ليبولد بلوم" خلال يوم كامل، هو اليوم الذي تعرف فيه إلى "نورا بارنكيل"، أما مكانها فهو مدينة دبلن بحاراتها وشوارعها ومحللاتها وحاناتها وساحاتها ومقاهيها وملاهيها الليلية وحدائقها، وهي قائمة على أسلوب يحرك الأبطال والأمكنة والأزمنة من حيز إلى حيز، ومن حال إلى حال، ومن حدث إلى حدث، وهو أسلوب متشابك، وقادر على قطع الأحداث، والعمل على التداخل فيما بينها، ثم العودة إليها، وتشارك جميع شخوصها في حال من الهذيان المتشظي حول قضية واحدة، أو حول قضايا عدة مشتركة أيضاً، "ليبولد بلوم"، بطل الرواية، يعمل في الإعلانات، فيروّج لزوجته "مولي" المغنية، ويروّج لها كامرأة جميلة أمام أصدقائه ومعارفه، وقد بدا سعيداً ، طوال زمن الرواية، عندما سمع بأن علاقة عاطفية ربطت زوجته مولي بصديقه "ديدالوس" ، لأن تلك العلاقة وفّرت استقراراً اجتماعياً وعاطفياً لزوجته.
وفي ظني أن الرابط من جهة، والتشابه ما بين الاسمين "يوليسيس" و"عوليس" من جهة أخرى، جعلا الرواية تحوز شهرة كبيرة في بلاد الغرب، أما أن تكون مشهورة في بلادنا العربية، فهذا أمر باعث على الحيرة حقاً، فالرواية، ورغم ما فيها من غموض وتعمية، هي واضحة جداً في قصديتها ومهدوفيتها أيضاً حين تتحدث عن فكرة "أرض الميعاد" التي تبنّاها اليهود وروّجوها، وهذا تجلّى بذكرها لأسماء البلدات والمدن الفلسطينية، وضرورة شراء الأراضي هناك، وهذا يكفي لتكون هذه الرواية عنصرية برؤيتها تجاه البلاد الفلسطينية، والشعب الفلسطيني معاً، ومساندة للرؤى السياسية الغربية التي شاعت في مستهل القرن العشرين، والأكثر غرابة هو أن مترجمها د.طه محمود طه، لم يشر إلى عنصريتها في المقدمة التي كتبها للرواية، ولم يقل شيئاً عن هذا الأمر أيضاً في الحوارات التي أُجريت معه! وبذلك ظلت الرواية نهباً لكل وجوه الدعاية السامة، وظل النقاد العرب يتحدثون عنها، وما زالوا، بوصفها نقلة نوعية في تاريخ الرواية العالمية، تماماً كما تحدث عنها نقاد الغرب! لأنهم اعتمدوا على ما يقوله "النقل" لا على ما يستند إليه "العقل"، وبهذا ظلت رواية "عوليس" لـِجيمس جويس بلا قراءة نقدية جادة في بلادنا العربية، وهذا أمر مهول، وفيه الكثير من الرضى الكذوب، والنقل الأعمى، والتقفّي المجنون لما يقوله الآخرون من دون قراءة نقدية رصينة، ومن دون حذر أو تمحيص، وهي ملأى بالأنفاس الحامضية.