من الردع إلى المبادأة: أبعاد التحوّل الهجومي في الاستراتيجية الإيرانية
تحوّل إيران من استراتيجية الدفاع والردع إلى المبادرة الهجومية بهدف فرض معادلات جديدة في المنطقة، وتوسيع الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها، وتقليص الوجود العسكري الأميركي، مستفيدةً من موقعها الاستراتيجي في مضيق هرمز.
-
من الردع إلى المبادأة: أبعاد التحوّل الهجومي في الاستراتيجية الإيرانية
أثار إعلان مسؤول إيراني مؤخراً عزمَ طهران على تحويل سياستها "من دفاعية إلى هجومية بالكامل"، اهتمام العديد من وسائل الإعلام حول العالم، وهو أمر منطقي بالنظر إلى حساسية الوضع الاقتصادي العالمي، في ضوء تداعيات الحرب الأميركية-الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز.
من المؤكّد أنّ الانتقال من عقيدة "الدفاع والردع" إلى "المبادأة" يمثّل تحوّلاً جوهرياً في استراتيجية إيران الإقليمية والدولية. ويُقرأ هذا التغيّر على أنه خروج صريح من دائرة "استيعاب الضربات ثمّ الردّ بالمثل" إلى الإمساك الكامل بزمام المبادرة الميدانية والسياسية.
وبهذا تكون إيران قد وسّعت مفهوم الردع من الردّ الانتقامي إلى الردع النشط/الهجومي؛ أي أنها أصبحت مستعدّة لاستباق مصادر الضغط، وتوسيع ساحة المعركة، وضرب مصالح وقواعد الخصم ورفع تكلفة استمرار الحرب.
مدلول التحوّل من الدفاع إلى الهجوم، وأبعاده التكتيكية والجيوسياسية
يتلخّص المعنى الرئيسي لهذا الإعلان في إنهاء لعبة "إدارة الصراع" والانتقال إلى مرحلة "فرض واقع جديد". فقد أصبح لدى طهران يقين أنّ واشنطن تراهن على المماطلة وتسييل الوقت عبر الوسطاء والتسويف في تنفيذ مذكّرات التفاهم، بما يسمح لها بالإبقاء على الحصار البحري والميداني حيّاً، ومواصلة تضييق الخناق على الجبهة الداخلية الإيرانية.
ولذلك، فإنّ التحوّل نحو الهجوم لا يمثّل مجرّد تغيير في قواعد الاشتباك، وإنما يعكس محاولة لإعادة صياغة المبادرة الاستراتيجية بما يتجاوز حدود الردّ على الضربات إلى فرض تكاليف مباشرة على الخصم وإعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بإيران.
ويتجاوز هذا التحوّل، في حال ترجمته ميدانياً، درجات التصعيد التقليدية ليمسّ مباشرةً قواعد اللعبة الجيوسياسية في المنطقة. فلم يعد الهدف الإيراني مقتصراً على توجيه رسائل أو امتصاص ضربات الخصم، وإنما يمتدّ إلى إعادة رسم خرائط النفوذ والتوازن العسكري عبر عدة أبعاد رئيسية.
في مقدّمة هذه الأبعاد، تعتمد الاستراتيجية الهجومية الجديدة على توسيع بنك الأهداف ليشمل مختلف الأصول والعناصر العسكرية التابعة للخصم، بحيث لا تقتصر المواجهة على خطوط التماس، بل تمتدّ إلى العمق اللوجستي والقواعد والمنشآت ذات القيمة العملياتية. ومن شأن ذلك، أن يؤدّي إلى تقليص ميزة الأمان الجغرافي التي تزعم القوات الأميركية أنها تتمتّع بها.
أما البعد الثاني، فيتمثّل في إعادة تعريف وظيفة مضيق هرمز وممرات الملاحة البحرية. فلم يعد التحكّم بهذه الممرات مجرّد ورقة تهديد دفاعية يمكن اللجوء إليها عند الضرورة، وإنما يتحوّل إلى أداة ضغط هجومية واستباقية يمكن استخدامها لفرض تكاليف مرتفعة على حركة التجارة والطاقة العالمية. ويستهدف هذا الضغط، في جوهره، خلق تداعيات اقتصادية دولية تدفع القوى المتضرّرة إلى ممارسة أقصى درجات الضغط على واشنطن لإنهاء الحظر والضغوط الميدانية، بدلاً من ترك إيران تتحمّل وحدها كلفة استمرار المواجهة.
ويتمثّل البعد الثالث في فرض زمام المبادرة وإرساء معادلة إقليمية جديدة، تقوم على أنّ الاستقرار في الشرق الأوسط لا ينبغي أن يستند إلى مظلة حماية عسكرية أجنبية. وبدلاً من ذلك، تسعى طهران إلى فرض واقع أمني جديد يقوم على تقليص الهيمنة البحرية والعسكرية الخارجية، وإجبار القوى الإقليمية والدولية على التعامل معها باعتبارها قوة حاسمة لا يمكن تجاوزها أو احتواؤها.
وبذلك، فإنّ الانتقال من الدفاع إلى الهجوم لا يعكس مجرّد تغيير في طبيعة العمليات العسكرية، بل يمثّل محاولة لنقل الصراع من إدارة الأضرار واحتواء الضغوط إلى إعادة إنتاج قواعد الاشتباك نفسها. فبدلاً من انتظار العدوان الأميركي والإسرائيلي والردّ عليه، تسعى طهران إلى جعل استمرار الضغط عليها مرتبطاً بتكاليف مباشرة يتحمّلها الخصم وحلفاؤه والاقتصاد العالمي، بما يمنحها قدرة أكبر على التحكّم في إيقاع التصعيد ومساره.
إيران.. و"تطهير المنطقة" من القواعد الأميركية
بحسب تصريحات العسكريين والدبلوماسيين الإيرانيين، فإنّ الهدف الحالي لطهران لم يعد تحسين شروط التفاوض، بل استغلال لحظة انكشاف الردع الأميركي لفرض واقع جديد في منطقة غرب آسيا والشرق الأوسط.
ويفهم ذلك من إعلان القائد العام للجيش الإيراني، اللواء أمير حاتمي بدء تنفيذ قرار طرد القوات الأميركية من الخليج وبحر عُمان ومضيق هرمز، قائلاً "إنّ بلاده لن تسمح بعودة القواعد الأميركية إلى وضعها السابق"، وهذا القول يشير إلى أنّ طهران باتت تعتبر الوجود العسكري الأميركي مجرّد هدف متاح ومتراجع القوة، وليس "بعبعاً ردعياً".
وقد جاءت تصريحات حاتمي، رداً على إعلان الرئيس الأميركي رغبته في "اعتبار مضيق هرمز جزءاً من الأراضي الأميركية".
هذا التحوّل يعني أنّ إيران لا تعتبر تقليص الوجود الأميركي هدفاً سياسياً مرحلياً بل شرطاً أمنياً وجودياً، وأنّ المبادرة أصبحت بأيديها لإنهاء التفوّق الاستراتيجي الغربي في المياه الإقليمية.
نموذجان تاريخيان للتحوّل إلى الهجوم
الجبهة المصرية والملاحة البحرية (1973):
تُمثّل حرب أكتوبر 1973 أحد أبرز النماذج العربية للانتقال من استراتيجية احتواء التفوّق العسكري للخصم إلى المبادرة الهجومية. فبعد حرب يونيو 1967، لم تكن الاستراتيجية المصرية قائمة على الدفاع السلبي وحده، وإنما مرّت بمرحلة طويلة من إعادة بناء القوات المسلحة وحرب الاستنزاف، هدفت إلى استعادة القدرة على إلحاق خسائر بـ "الجيش" الإسرائيلي وحرمانه من الاطمئنان إلى ثبات خطوطه الدفاعية على الضفة الشرقية لقناة السويس.
ومع اكتمال قدر أكبر من الاستعداد العسكري والسياسي، انتقلت القاهرة إلى مرحلة مختلفة، وهي استخدام القوة الهجومية لتحقيق هدف استراتيجي وطني، بدلاً من انتظار تغيّر ميزان القوى من تلقاء نفسه.
صحيح أنّ القيادة السياسية المصرية حينها، لم تكن على مستوى الأحلام القومية، فلم تستهدف السيطرة على كامل سيناء دفعة واحدة، لكن في النهاية أدّت العملية العسكرية الناجحة إلى كسر خط بارليف، وإنشاء رؤوس جسور شرق القناة، مما أعاد الصراع إلى مسار تستطيع مصر من خلاله تغيير المعادلة السياسية والعسكرية التي نشأت بعد 1967.
ولم يقتصر التحوّل على الجبهة البرية؛ إذ استخدمت مصر أيضاً أدوات القوة البحرية والجغرافية لإيصال الحرب إلى مساحات أبعد من ميدان المواجهة المباشر. فقد أدى إغلاق باب المندب أمام الملاحة المتجهة إلى ميناء "إيلات" إلى الضغط على أحد طرق الإمداد البحرية الإسرائيلية، بما أظهر كيف يمكن لدولة لا تتمتع بتفوّق بحري شامل أن تستخدم موقعها الجغرافي وقدراتها بصورة غير متماثلة لتعطيل مصالح الخصم.
- الاتحاد السوفياتي (1942–1944): من امتصاص الصدمة إلى استعادة المبادرة والهجوم الاستراتيجي
يُقدّم مسار الحرب السوفياتية-الألمانية نموذجاً أكثر تعقيداً للانتقال من الدفاع إلى الهجوم. فعندما تعرّض الاتحاد السوفياتي للغزو الألماني في حزيران/يونيو 1941، وجد نفسه أمام قوة هجومية تتمتّع بمبادرة ميدانية واسعة، واضطر الجيش الأحمر إلى خوض معارك دفاعية ضخمة هدفت في المقام الأول إلى منع انهيار الجبهة الداخلية والحفاظ على المراكز الصناعية والسكانية الأساسية.
إلا أنّ هذا الوضع لم يستمرّ على حاله. فقد أدّى استنزاف القوات الألمانية، إلى جانب إعادة بناء القدرات السوفياتية وتحسّن التنظيم والتسليح والخبرة العملياتية، إلى تغيّر تدريجي في ميزان المبادرة. وكانت معركة ستالينغراد نقطة تحوّل رئيسية؛ إذ انتقل الجيش الأحمر من مجرّد صدّ الهجوم الألماني إلى تنفيذ عمليات تطويق وهجوم مضاد واسعة النطاق.
ثم جاءت معركة كورسك في صيف 1943 لتؤكّد التحوّل؛ فبعد إحباط الهجوم الألماني، انتقلت القوات السوفياتية إلى سلسلة من العمليات الهجومية التي دفعت القوات الألمانية تدريجياً إلى الغرب.
ومنذ النصف الثاني من عام 1943، لم يعد السؤال الأساسي بالنسبة للقيادة السوفياتية هو كيفيّة منع ألمانيا من تحقيق أهدافها داخل الأراضي السوفياتية، وإنما كيفية استثمار التفوّق المتزايد لاستعادة الأراضي المحتلة ثمّ نقل المعركة إلى خارج حدود الاتحاد السوفياتي. وتتابعت عمليات دنيبر، وباغراتيون عام 1944، ثم العمليات التي دفعت القوات الألمانية إلى بولندا ورومانيا ودول أوروبا الشرقية، وصولاً إلى برلين.
وهنا تظهر نقطة مهمة في المقاربة مع الحالة الإيرانية، فالتحوّل السوفياتي كان تحوّلاً تدريجياً في ميزان المبادرة؛ فحين أصبحت القوات الدفاعية قادرة على استنزاف الخصم، تحوّلت الموارد المتراكمة والخبرة العملياتية إلى قدرة هجومية أعادت رسم الجبهة بأكملها.