الإيكونوميست: ماذا سيحدث عندما ينفد مخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الغرب؟

تُعدّ محنة أوكرانيا أبرز دليل على نقص صواريخ الاعتراض لدى الغرب. كما يُفسّر تراجع ترسانة أميركا المُستنزفة تراجع ترامب المتكرر عن تهديداته بالعودة إلى الحرب على إيران.

  • تم نشر أنظمة صواريخ
    نشر أنظمة صواريخ "باتريوت" العسكرية التايوانية في حديقة محلية خلال مناورات هان كوانغ العسكرية السنوية في مدينة تايبيه الجديدة - 6 آب/أغسطس 2026 (أ ف ب)

 صحيفة "الإيكونوميست" تنشر مقالاً تؤكد فيه تراجع مخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة الأميركية، وتتساءل: كيف سمح قادة الدول بوصول الأمور إلى هذا الحد؟

فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:

يعود سكان كييف للنوم مجدداً في محطات المترو المكتظة أو في سياراتهم في مواقف السيارات تحت الأرض. وفي الأعلى، تتحول الحرب الجوية إلى فوضى عارمة. تقصف روسيا المدينة بصواريخ باليستية وصواريخ فرط صوتية متزايدة القوة. أما أوكرانيا، التي كانت قد أحبطت معظم هذه الهجمات سابقاً ببطاريات باتريوت المضادة للصواريخ، فقد باتت تعاني من نقص حاد في الذخيرة.

تُعدّ محنة أوكرانيا أبرز دليل على نقص صواريخ الاعتراض لدى الغرب. كما يُفسّر تراجع ترسانة أميركا المُستنزفة تراجع الرئيس دونالد ترامب المتكرر عن تهديداته بالعودة إلى الحرب مع إيران. ويشعر حلفاء أميركا بالقلق.

تتوقع سويسرا تأخير طلبيتها من صواريخ باتريوت لمدة تصل إلى 7 سنوات. وتخشى تايوان عدم وصول 102 صاروخ طلبتها قبل سنوات هذا العام في الموعد المحدد. وتقول شركة لوكهيد مارتن، التي تصنع النسخة الأكثر تطوراً، وهي PAC -3 MSE، إنها لا تستطيع ضمان مواعيد التسليم لأي عميل أجنبي، نظراً إلى قدرة البنتاغون على تحويل مسارها.

يُعدّ نقص الذخائر أمراً شائعاً في أوقات الحرب، لا سيما في الحروب الكبيرة والاستنزافية. ومع ذلك، تعاني أميركا من نقص حاد في الذخائر بعد حرب قصيرة ضد دولة متوسطة الحجم. ماذا لو اضطرت لمواجهة الصين القوية؟ ستستنفد صواريخها الاعتراضية في غضون أيام، ولن تتمكن من استخدام قواعدها في اليابان وغوام، وفقاً لدراسة حديثة أجرتها مؤسسة التراث، وهي مركز أبحاث في واشنطن.

ماذا لو اضطرت الولايات المتحدة لمواجهة الصين القوية؟ ستستنفد صواريخها الاعتراضية في غضون أيام، ولن تتمكن من استخدام قواعدها في اليابان وغوام

السبب المباشر للأزمة هو الاستخدام المكثف للصواريخ الاعتراضية من قبل الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط خلال حرب ترامب ضد إيران هذا العام. ويرى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ( CSIS )أن البنتاغون أطلق ما يقرب من ثلثي مخزونه من صواريخ باتريوت التي كانت بحوزته قبل الحرب، بالإضافة إلى حصص كبيرة من صواريخ اعتراضية أخرى.

لكن الحرب لم تفعل سوى تسريع عملية حسابية كانت تتشكل على مدى عقود. على جانبي المحيط الأطلسي، تعمل الصناعات الدفاعية بوتيرة سلمية، رغم أن طبول الحرب تدق بوتيرة أسرع. وقد تفاقم هذا الخطأ بسبب الانتشار العالمي للصواريخ، وميل الجنرالات إلى إنفاق مبالغ طائلة على الأسلحة البراقة أكثر من إنفاقهم على الذخائر التي يستهلكونها، واختلال نظام الميزانية الأميركية، والتهاون بشأن التفوق العسكري الأميركي في الجو.

يتوقع مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أن يستغرق الأمر حتى عام 2029 لإعادة بناء مخزونات صواريخ باتريوت إلى مستويات ما قبل الحرب. هذا بافتراض موافقة الكونغرس على طلب الرئيس ترامب الضخم لميزانية الدفاع البالغة 1.5 تريليون دولار (زيادة بنسبة 50% عن الإنفاق الحالي)، وهو أمر مستبعد. مع ذلك، أصبحت صواريخ باتريوت النظام الرئيسي للدفاع النقطي - أي لحماية هدف محدد كقاعدة جوية - في 19 دولة. يوضح جاستن برونك من المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI)، وهو مركز أبحاث بريطاني: "باتريوت حلٌّ مؤقت: لا تحتاجه كثيرًا، ولكن عندما تحتاجه، لن تجد بديلًا يُذكر".

تكمن المشكلة في أن الصواريخ الباليستية أرخص عمومًا من الصواريخ الاعتراضية التي تحاول إسقاطها. أما طائرات شاهد الإيرانية المسيّرة أو غيرها من المركبات الجوية غير المأهولة، فهي أرخص بكثير. وقد أوضح العقيد صباح الصباح، وهو ضابط كويتي، في فعالية حديثة لمعهد (RUSI): "إذا كان بإمكان خصمك نشر طائرة مسيّرة هجومية أحادية الاتجاه بسعر سيارة مستعملة، وكان ردك صاروخ أرض-جو يكلف ما يعادل إيجار شقة صغيرة هنا في لندن، فأنت تخسر المعركة رغم أنك تفوز في كل مواجهة". علاوة على ذلك، يطلق المدافعون عادةً صاروخين اعتراضيين على الأقل على الصاروخ القادم لزيادة فرص نجاح إسقاطه.

يتوقع مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن يستغرق الأمر حتى عام 2029 لإعادة بناء مخزونات صواريخ باتريوت إلى مستويات ما قبل الحرب

ابتكرت أوكرانيا نظام دفاع متعدد الطبقات. تمتلك شبكة عالمية المستوى لمواجهة أسراب الطائرات الروسية المسيّرة. كما أنها قادرة على إسقاط معظم صواريخ كروز الكبيرة، بفضل أنظمة الدفاع الجوي الأوروبية جزئيًا، لكن صواريخ باتريوت هي الوحيدة القادرة على التصدي لصواريخ إسكندر- إم وكينغال الباليستية الروسية.

في آذار/مارس، تفاخرت أوكرانيا باعتراضها نحو 70% من الصواريخ الباليستية. وفي تموز/يوليو، انخفضت النسبة إلى 20%. وفي آب/أغسطس، ستكون النسبة أسوأ. في ليلة واحدة - 5 آب/أغسطس - لم تُسجّل أي عمليات اعتراض. توقف سلاح الجو عن إصدار تحديثات دورية. روسيا، التي تنتبه لهذا الوضع، تُكثّف إنتاجها من الصواريخ.

مع اقتراب فصل الشتاء، طلبت أوكرانيا ما لا يقل عن 300 صاروخ باتريوت اعتراضي. لا تزال بعض الدول تمتلك أعدادًا معقولة منها، بما في ذلك ألمانيا واليونان وبولندا وإسبانيا، لكنها تبدي ترددًا متزايدًا في التخلي عنها.

يتمثل حل آخر في تسريع وتيرة إنتاجها. وقد اتفق المصنّعون هذا العام على زيادة إنتاج نظام PAC -3 من 600 وحدة سنويًا إلى نحو 2000 وحدة بحلول مطلع العقد الثالث من القرن الحالي. ومنذ ذلك الحين، طلب البنتاغون أفكارًا لزيادة هذه السرعة، لكن توم كاراكو من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) يشير إلى أنه لم يتم توقيع عقود فعلية بعد لزيادة الإنتاج.

يمكن للقدرات الصناعية للحلفاء أن تُسهم في هذا الجهد. تُنتج اليابان نحو 30 صاروخًا اعتراضيًا من طراز PAC -3 سنويًا بموجب ترخيص، معظمها لاستخدامها الخاص. وتستعد شركة MBDA الأوروبية لبدء إنتاج طرازات PAC -2 الأقدم في ألمانيا.

وفي قمة "الناتو" في تموز/يوليو، صرّح الرئيس ترامب بأنه سيُسمح لأوكرانيا أيضًا بتصنيع صواريخ باتريوت الاعتراضية بموجب ترخيص، لكنه شكّك في الفكرة لاحقًا. وتشير التقارير إلى أن مُصنّعيها، لوكهيد مارتن وRTX، يخشون فقدان خبراتهم التقنية أو أن تتفوق عليهم النسخ الأوكرانية الأرخص سعرًا.

نظراً إلى افتقار الشركات الأوروبية إلى الخبرة القتالية نفسها، فإنها تسارع إلى تصنيع أسلحتها الخاصة. يُفترض أن نظام SAMP - T الفرنسي الإيطالي قادر على إصابة الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة المدى، لكن مصادر عسكرية أوكرانية تُشير إلى أنه أقل كفاءة من صواريخ باتريوت PAC -2، ناهيك بـPAC -3. ستتلقى أوكرانيا بطاريات SAMP-T مُحسّنة مزودة بصواريخ اعتراضية مُطوّرة على مراحل بدءاً من العام المقبل. ومع ذلك، يتم إنتاجها بأعداد أقل من صواريخ باتريوت.

يأمل البعض أن تُحسّن أسلحة الليزر، التي طال انتظار تطويرها، من معادلة الدفاع الجوي الصعبة. لكن الأسلحة الأميركية والإسرائيلية التجريبية لم تُحقق نجاحاً يُذكر حتى الآن إلا ضد الطائرات المسيّرة.

أي حرب جوية مستقبلية ضد الصين، على سبيل المثال بسبب تايوان، ستكون مهمة بالغة الصعوبة. فالصواريخ الصينية قادرة على الوصول إلى قواعد بعيدة مثل ألاسكا وهاواي، فضلاً عن سفن حربية في وسط المحيط الهادئ. وللدفاع ضد جيش التحرير الشعبي الصيني، تُقدّر مؤسسة التراث أن أميركا ستحتاج إلى أكثر من 19 ألف صاروخ اعتراضي من طراز باتريوت، أي أكثر من 20 ضعفًا لتقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية للمخزون الحالي.

أي حرب جوية مستقبلية ضد الصين ستكون مهمة بالغة الصعوبة؛ فالصواريخ الصينية قادرة على الوصول إلى قواعد بعيدة مثل ألاسكا وهاواي

قد يكون استهداف رماة جيش التحرير الشعبي الصيني خيارًا مغريًا، لكنه يطرح مشكلتين رئيسيتين تتجاوزان مجرد اختراق الدفاعات الجوية الصينية.

أولًا، سيتعين على الولايات المتحدة توجيه ضربة إلى البر الرئيسي الصيني، ما قد يستدعي ردًا انتقاميًا من جانب بكين.

ثانيًا، لا تقتصر مسؤولية قوة الصواريخ التابعة لجيش التحرير الشعبي على الصواريخ التقليدية فحسب، بل تشمل أيضًا الصواريخ النووية الأرضية. لذا، فإن أي هجوم عليها قد يُنظر إليه على أنه محاولة لتدمير القوات النووية الصينية، مما يُنذر بتصعيد نووي.

بدلاً من ذلك، تتدرب القوات الأميركية على كيفية البقاء داخل "منطقة الاشتباك بالأسلحة" الصينية من خلال أشكال مختلفة من الانتشار. في عالم ينتشر فيه عدد كبير من الطائرات المسيرة والصواريخ الرخيصة، يُعد تحصين الأهداف العسكرية ونشرها وإخفاؤها - وإعادة بنائها بسرعة في حال تدميرها - مهارات أساسية.

رغم أن أسلحة الضربات العميقة ليست حلاً سحرياً، فإنها تُسهم في ردع الهجمات، وهذا ما يفسر سعي حلفاء أميركا الحثيث لإيجاد وسائل لاستهداف مواقع بعيدة. وتأمل أوكرانيا، التي تتعرض لهجمات متواصلة، أن يُلحق نقل الحرب إلى روسيا ضرراً كافياً يدفع فلاديمير بوتين إلى إعادة النظر في الصراع الذي لا نهاية له.

جميع الحلول الممكنة لنقص الصواريخ الاعتراضية، حتى لو تم تسريعها وتكثيفها، ستستغرق وقتاً. في أوكرانيا، لا يزال المدنيون مضطرين إلى الاحتماء تحت الأرض. وبينما يستعدون لشتاء قارس آخر مليء بالمخاطر، سيتساءل الكثيرون كيف سمح قادتهم بوصول الأمور إلى هذا الحد. على الحكومات الأخرى أن تتعظ.

نقله إلى العربية: الميادين نت