عادل عبد المهدي يكتب للميادين نت: تعدّد زوجات أم خيانات زوجية؟ "اتفاق مكة": السعودية - تركيا - باكستان
اتفاق مكة تحالف دفاعي ثلاثي ناشئ وتحوّل إقليمي محتمل في موازين القوى وتداخل متعدد للمصالح السعودية والتركية والباكستانية وغموض في الأهداف والتموضع وارتباط وثيق بمستقبل القضية الفلسطينية والملف اليمني ومستوى الحضور الأميركي في المنطقة.
-
تعدّد زوجات أم خيانات زوجية.."اتفاق مكة": السعودية - تركيا - باكستان
وقّعت السعودية وتركيا وباكستان، في 7 آب/أغسطس 2026 في مكة المكرمة، "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، والتي تنص على أن أي هجوم مسلح على أي دولة من الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً. وقيل في الإعلان عن التحالف إنه تم توقيع الاتفاق بهدف تعزيز الردع الإقليمي، وتطوير التعاون الدفاعي والاقتصادي وسط توترات متصاعدة في الشرق الأوسط. وقد تم التوقيع بحضور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف.
لقد قسمتُ البحث إلى 3 أقسام:
1. توصيف الوقائع وعرضها.
2. الماضي والحاضر: التوافقات والتضادات.
3. استنتاجات وتصورات: ميزان القوى الراهن.
وأنا أعلم أن المواضيع متداخلة ومعقدة؛ لذلك قسمتُ البحث إلى ثلاثة أقسام مستقلة/مترابطة، وعززتها بجداول تسهل الرؤية.
القسم الأول: توصيف الوقائع وعرضها
1. تساؤلات ومواقف أولية
ليس تحالفاً ضد الكيان الصهيوني: هذا ليس تحالفاً بالضد من الكيان الصهيوني، رغم أنه قد يتحول لاحقاً إلى قوة مباشرة أو غير مباشرة ضد مشروع "إسرائيل الكبرى"؛ فجميع هذه الدول ترتبط بعلاقات وثيقة بالولايات المتحدة، وبعضها يعترف بـ"إسرائيل". رغم ذلك، جاء رد الفعل الأولي لـ "إسرائيل" مشككاً، كما أن "إسرائيل" سبق أن هاجمت في خطابات العديد من مسؤوليها كلاً من تركيا وباكستان.
ليس تحالفاً ضد إيران: هذا ليس تحالفاً ضد إيران كما صرح وزير الخارجية التركي "هاكان فيدان" في 8 من الشهر الجاري، رغم أن التصريح يأتي بعد قصف متكرر من إيران لقواعد ومقار في المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج والأردن، وقصف سعودي/أميركي لمقار الحشد الشعبي في العراق.
وفي الاتجاه ذاته، صرح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية "بقائي"، في العاشر من الشهر الجاري، بأنه لا يوجد مبرر لاعتبار الاتفاقية موجهة ضد إيران.
هل هو تحالف ضد حكومة صنعاء؟ إذ ترافق مع حادثة الطائرة الإيرانية لنقل الوفد اليمني لتشييع المرشد الأعلى الشهيد خامنئي في تموز/يوليو 2026، واندلاع العمليات الحربية بما في ذلك قصف حكومة صنعاء للداخل السعودي، إضافة إلى هجمات واسعة ضد تجمعات القوات المدعومة سعودياً داخل اليمن.
ورقية الاتفاق أم ترتيبات لقوة جديدة؟ فهل يمثل ذلك دليلاً على ورقية الاتفاق أم أنه يمثل ترتيبات أولية لقوة جديدة في المنطقة ستتموضع في مكانها تدريجياً؟ فتركيا وباكستان لم تتدخلا بعد بشكل واضح وصريح في الملف اليمني كما ينص الاتفاق؛ ما يتركنا أمام استنتاج أولي أن السعودية تمتلك المال الذي تحتاجه كل من تركيا وباكستان، وتركيا تمتلك القوة العسكرية كثاني قوة في "الناتو"، وباكستان دولة نووية.
وتتمتع الدول الثلاث بعلاقات جيدة عموماً في المنطقة ومع الغرب والولايات المتحدة. وإن الاتفاق هو إعلان نوايا أكثر منه خارطة واضحة للتموضع في الأوضاع الجديدة التي أفرزتها عمليات "طوفان الأقصى" وحروب الإسناد والحرب العدوانية التي شنتها "إسرائيل" والولايات المتحدة على إيران، وانكشاف حدود عوامل الضعف في قوة الردع الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.
2. الدول الثلاث والكيان الصهيوني والولايات المتحدة والغرب
ترتبط الدول الثلاث بعلاقات جيدة بالولايات المتحدة والغرب عموماً:
تركيا: عضو في حلف الأطلسي (الناتو)، وخاضت معه سلسلة من الحروب بعد انضمامها إلى الحلف عام 1952، وأبرزها: حرب البوسنة، وكوسوفو (1998. 1999)، وأفغانستان (2002 وما بعد).
كما خاضت الحرب الكورية (1950) تحت علم الأمم المتحدة. ولها قوات مع قوات "الناتو" في العراق، وتشارك بقوات ضمن قوة المساعدة الأمنية الدولية (إيساف) التي قادها "الناتو"، وتولت قيادة القوة في كابول لفترات عدة، واستمرت في مهام دعم غير قتالية.
كما شاركت في تأمين الجناح الجنوبي لـ"الناتو" وعمليات المراقبة في مناطق مختلفة بالبلقان وشرق المتوسط.
بالمقابل، رفضت الانخراط في غزو العراق ودخول الجيوش الأميركية وما سمّي بالتحالف الدولي عبر الأراضي التركية عام 2003.
باكستان: بسبب العلاقة الوثيقة بين الولايات المتحدة و"الناتو" من جهة وباكستان من جهة أخرى، فقد مُنحت باكستان صفة "حليف رئيسي خارج الناتو" (MNNA) عام 2004.
وأبرز المحطات هي: الحرب السوفياتية في أفغانستان (1979. 1989)، وحرب الخليج الثانية (1991) حيث أرسلت باكستان أكثر من 11 ألف جندي إلى المملكة العربية السعودية للمشاركة في الحملة ضمن التحالف الدولي، والحرب في أفغانستان (2001. 2021)؛ حيث كان التعاون بين باكستان والولايات المتحدة في الحربين على أشده. كما تشارك القوات الباكستانية بانتظام بجانب القوات الأميركية تحت مظلة الأمم المتحدة، مثل التدخل في الصومال (1992. 1995) وحرب البوسنة.
السعودية: تمتد العلاقة العسكرية بين السعودية والولايات المتحدة لعقود طويلة؛ إذ بدأت منذ لقاء الملك عبد العزيز والرئيس روزفلت عام 1945، وصُنّفت السعودية لاحقاً كـ "حليف رئيسي من خارج حلف الناتو" (MNNA).
ويرتبط البلدان بعلاقات اقتصادية وأمنية متميزة، وخاضا معاً حرب الخليج الثانية (1990. 1991) ضد القوات العراقية في الكويت، والتحالف الدولي ضد "داعش" في العراق وسوريا منذ 2014، والعمليات والتحالفات الإقليمية والبحرية المختلفة طوال السنوات الماضية وإلى يومنا هذا، بما في ذلك العدوان الأميركي. الإسرائيلي الأخير ضد الجمهورية الإسلامية.
3. علاقة الدول الثلاث بالقضية الفلسطينية وبالكيان الصهيوني
تتحد مواقف البلدان الثلاثة في ما يخص القضية الفلسطينية، سواء في المحافل الدولية أو في المطالبة بقيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس. بالمقابل، هناك تباين في المواقف؛ ففي الوقت الذي تستضيف فيه تركيا قيادات وكوادر من حركة "حماس"، فإن السعودية تضايق "حماس" خصوصاً في السنوات الأخيرة، وتتبنى السلطة الفلسطينية متمثلة بالسيد محمود عباس.
وفي الوقت الذي تعترف فيه أنقرة بالكيان الصهيوني وتقيم معه علاقات تجارية واقتصادية، فإن السعودية لا تعترف بالكيان وليس لها علاقات علنية معه، والأمر نفسه أكثر وضوحاً بالنسبة إلى باكستان التي ترفض أي علاقة أو اعتراف بالكيان الصهيوني.
بالمقابل، تنظر "إسرائيل" إلى الأطراف الثلاثة نظرة الشك والريبة؛ فنظرة "إسرائيل" الثابتة تتمثل في رفض أي تفوق لأي دولة عربية أو إسلامية على قدراتها الردعية في المنطقة. لهذا، عارضت حصول تركيا على طائرات F. 35، ورفضت قيام الولايات المتحدة ببناء قدرات نووية في السعودية؛ ما أرغم ترامب على التراجع واشتراط تنفيذ وعده النووي للسعودية بأن تنضم الأخيرة إلى "اتفاقات إبراهيم".
فـ"إسرائيل" تسعى بكل وسيلة للتطبيع مع السعودية، لكنها تتهم تركيا وباكستان بأنهما تشكلان خطراً على مشاريعها في المنطقة، وعبّرت مؤخراً عن أنها أنهت تهديد "الإسلام الشيعي" وهي تستعد لمواجهة خطر "الإسلام السني"، كما ترفض أي وجود لتركيا في غزة في إطار خطط "مجلس السلام" المقترح من قبل الرئيس ترامب.
-
تعدّد زوجات أم خيانات زوجية. . "اتفاق مكة": السعودية . تركيا . باكستان
مواقف رسمية أو شبه رسمية لدول لها علاقة مباشرة بالاتفاق
أ. موقف واشنطن: تريده واشنطن موجهاً ضد إيران، انطلاقاً من فكرة أن الأطراف الثلاثة تربطها بها علاقات جيدة. وصدرت عن واشنطن تعليقات تتكلم عن "توزيع الأعباء"، شريطة ألا يتحول الاتفاق لاحقاً إلى أطر غير فاعلة أو يتخذ طابعاً معادياً للولايات المتحدة و"إسرائيل" وحلفائهما المقربين في المنطقة؛ خصوصاً أنه كان للسعودية في الآونة الأخيرة بعض المواقف التي لم ترق لواشنطن، كموقفها من "البترودولار"، و"أوبك بلس"، وتعاملاتها مع الصين بالعملات الوطنية، والموقف المتذبذب من الحرب الإسرائيلية/الأميركية على إيران.
ب. موقف طهران: شككت بعض الأصوات في طهران بالاتفاق واعتبرته محاولة لخلق منظومة ردع إقليمية تقلص من نفوذ محور المقاومة وتطوق استثماره لنتائج فشل العدوان الأميركي. الإسرائيلي على إيران. لكن وزير الخارجية عباس عراقتشي دعا في تعليقه على الاتفاق إلى وحدة المسلمين في وجه المشاريع الخارجية، بل ذهبت بعض التعليقات الإيرانية الأخرى إلى الدعوة لتوسيع الاتفاق وانضمام إيران إليه كبديل للاعتماد على المظلة الأمنية الخارجية.
وصرح ممثل الإمام مجتبى خامنئي في مجلس الأمن القومي اللواء محسن رضائي، يوم 12 من الشهر الجاري "تتحمل إيران وباكستان وتركيا والسعودية ومصر وإندونيسيا مسؤولية اتخاذ خطوات نحو تحقيق وحدة العالم الإسلامي".
ج. موقف "تل أبيب": اتسم الموقف الإسرائيلي الرسمي والإعلامي من التحالف الثلاثي بحالة من القلق الحذر والترقب، وسط تقديرات بأن هذا التكتل يعيد رسم موازين القوى في المنطقة ويخلق مظلة ردع جديدة قد تقيد الحركة الاستراتيجية لـ "إسرائيل" في المنطقة.
وأشارت وسائل الإعلام العبرية (قناة 12 مثلاً) إلى أن التحالف يمثل تكتلاً إقليمياً وازناً يجمع بين المال السعودي والقدرات العسكرية التركية والردع النووي الباكستاني؛ ما قد يقلص النفوذ الإسرائيلي المنفرد. كما تنظر المؤسسة الأمنية في "إسرائيل" إلى تركيا كتحدٍ إقليمي متصاعد، بينما تثير باكستان هواجس إضافية لعدم وجود علاقات دبلوماسية معها، إضافة إلى مخاوف من أن توفير إسلام آباد لمظلة ردع نووية قد يغير قواعد اللعبة بالمنطقة.
وقد تتعامل "إسرائيل" تكتيكياً مع التحالف؛ فهي تدرك أن الاتفاق أُعلن كإطار دفاعي ولم يُوجَّه صراحة ضدها، ولذلك قد تلجأ ظاهرياً لغض الطرف أو الاكتفاء بمراقبة التفاصيل التنفيذية للاتفاق بانتظار اتضاح ملامحه العملية على الأرض.
د. موقف صنعاء: هاجمت صنعاء الاتفاق ووصفته بـ "التخبط" وأنه محكوم عليه بالفشل، معتبرة أن أقصى ما ستحصل عليه الرياض هو التقاط الصور التذكارية. واعتبرت وزارة الخارجية في صنعاء الاتفاق دليلاً على مأزق وتخبط السعودية، وطالبت الرياض بإنهاء الحصار على اليمن ووقف الأنشطة العدائية ضدها بدلاً من عقد التحالفات.
كما وجهت صنعاء الدعوة إلى الرياض لعقد تحالفات تخدم القضية الفلسطينية وحماية المسجد الأقصى بدلاً من البحث عن مظلات أمنية إقليمية أو دولية.
-
تعدّد زوجات أم خيانات زوجية. . "اتفاق مكة": السعودية . تركيا . باكستان
5. نظرة أولية لما يمثله الاتفاق
أ. الفاعلية العملية ومخاطر الانزلاق: إن كشفت الأيام القادمة عن فاعلية جدية للاتفاق، وانتقلت الأمور من الاتفاقات الورقية الكثيرة (خصوصاً في الآونة الأخيرة) إلى الفاعلية العملية، فمن حقنا أن نسأل عن مآلات غرق باكستان وتركيا في حرب عمرها في اليمن 12 عاماً ولم تنتهِ؟ خصوصاً وأن الفقرة الواردة في "ميثاق مكة" والتي تنص على أن "أي هجوم مسلح على أي دولة من الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً" هي مشابهة في المبدأ . وليس مطابقة قانونياً. للمادة الخامسة من ميثاق "الناتو".
ب. بداية لخرائط جديدة مع تراجع المظلة الأميركية: أم أن الاتفاق يمثل بداية الخرائط الجديدة في منطقة غرب آسيا؟ فهناك أمر يزداد وضوحاً، وهو تراجع المظلة الأمنية/الاقتصادية الأميركية.
وتُعد مذكرة التفاهم الموقعة بين الرئيسين بزشكيان وترامب في 17 حزيران/يونيو 2026 الحجة الدامغة لتبني هذه الرؤية؛ فمعظم . إن لم نقل جميع. بنود المذكرة البالغة 14 بنداً اُعتبرت تنازلاً من الولايات المتحدة وكسباً كبيراً لإيران.
ج. ملء الفراغ السياسي والأمني: أمام كل هذه الحقائق المتضادة، هل من حقنا الاستنتاج مسبقاً بأن الاتفاق قد يكون خطوة لملء فراغ بدأ يظهر واضحاً اقتصادياً وأمنياً في المنطقة بسبب تراجع قوة الردع الأميركية والإسرائيلية والغربية عموماً؟ وأن ما سيمنحه الحياة أو .
على العكس. يبقيه حبراً على ورق، ليس النوايا الآنية والمباشرة للأطراف الموقعة، بل الحقائق التي ستفرض نفسها على الأرض والمواقف العملية للأطراف الثلاثة من الأحداث المستقبلية من جهة، وبقية الأطراف الداخلية والخارجية الفاعلة في المنطقة من جهة أخرى.
-
تعدّد زوجات أم خيانات زوجية. . "اتفاق مكة": السعودية . تركيا . باكستان
القسم الثاني: الماضي والحاضر، التوافقات والتضادات
1. تفكيك المواقف وإعادة تركيبها
بسبب تداخل مواقف الدول الثلاث الموقعة على "وثيقة مكة" فيما بينها، ومع مختلف قوى المنطقة والخارج، فإنه يصعب فهم أو تقييم مآلات "اتفاق مكة" دون تفكيك عمق وتاريخ مواقف مختلف القوى الفاعلة في المنطقة وإعادة تركيبها؛ لنكون أقرب إلى فهمها والبناء بموجبها:
فهناك مواقف متقاربة بين قوى التحالف نفسها، ومواقف متناقضة. وهناك مواقف متقاربة أو متضاربة بين كل قوة من القوى الثلاث والقوى الإقليمية أو الدولية.
أ. طبيعة العلاقات بين الدول الثلاث لـ "اتفاق مكة"
تركيا والسعودية: انتقلت العلاقات السعودية/التركية، منذ عهد الدولة السعودية الأولى وحتى اليوم، من الصدام التاريخي والتنافس الإقليمي إلى التقارب مؤخراً:
المحطات التاريخية: اندلعت معارك واسعة في أوائل القرن التاسع عشر بعد أن رأت الدولة العثمانية في توسع الدولة السعودية الأولى خروجاً عن طاعة الخليفة وتهديداً لنفوذها في الحجاز؛ ما دفع الوالي العثماني في مصر "محمد علي باشا" لتسيير حملات عسكرية إلى الدرعية.
وفي عام 1916 اندلعت الثورة العربية الكبرى ومثلت محطة فاصلة لإنهاء الحكم العثماني في المشرق العربي. وبعد تأسيس المملكة، عُقدت معاهدة الصداقة والاعتراف (1929).
ثم مرت العلاقات في التسعينيات بفترة برود، أعقبتها فترة توتر خلال "الربيع العربي" (2011) وتأييد تركيا لحكم الإخوان في مصر، ثم الوقوف بجانب قطر عند محاولة تطويقها وغزوها من قبل السعودية والإمارات وغيرهما (2017)، وصولاً إلى مقتل جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في تركيا (2018)، لتعقب ذلك كله مرحلة تهدئة وتحسن كبير في العلاقات.
التنافس على الزعامة التقليدية: شهدت الفترة بين 2017 و2020 تجاذبات حادة وملفات متضاربة في ليبيا، سوريا، وبعض دول القرن الأفريقي.
الانفراج والتعاون الاستراتيجي الحالي: شهدت الفترة الأخيرة طياً لصفحة الخلافات وبدء مرحلة جديدة من التنسيق الاقتصادي والدفاعي، تُوِّجت بإعلان "اتفاقية مكة".
أولويات تركيا وتباينها عن أولويات السعودية: تتبنى تركيا عقيدة "الوطن الأزرق" والأمن القومي المتكامل لحماية حقوق التنقيب عن الطاقة في مساحات بحرية شاسعة.
وتُعتبر تركيا مشاكل الشرق الأوسط (خاصة سوريا والأمن الكردي) أولوية دفاعية ملحة وعاجلة لمنع أي تهديد على حدودها المباشرة. بينما يُعد الصراع مع اليونان وقبرص حول الحدود البحرية والطاقة أولوية استراتيجية ومستقبلية تتعلق بثروات الأجيال والسيادة الإقليمية.
وتنظر بحذر إلى اقتراب مصر والأردن من هذا المحور كمحاولة لعزلها وحرمانها من حقوقها البحرية المشروعة. وتعتبر تركيا الساحتين مترابطتين؛ فالاستقرار أو النفوذ في الشرق الأوسط (ليبيا، سوريا، والمنطقة) يمنحها أوراق قوة تفاوضية وجيوسياسية تؤثر طردياً لصالحها.
الأمن الحدودي ومكافحة الإرهاب: تعتبر أنقرة التهديدات القادمة من شمال سوريا والعراق خطاً أحمر متعلقاً بوحدة أراضيها.
الفرص والتحولات الميدانية: مكنت التطورات الأخيرة في سوريا تركيا من تعزيز حضورها ومحاولة هندسة بيئتها المجاورة بما يخدم استقرارها الداخلي.
الورقة الاقتصادية والسياسية: تستخدم تركيا ملفات اللاجئين والتعاون الإقليمي مع دول الخليج والعراق لتحقيق مكاسب اقتصادية وتخفيف الضغوط الدبلوماسية.
الانتماء للناتو والموقف من إيران: أعلنت تركيا أن انتماءها لهذا الحلف لا يضر بكونها عضواً في الناتو (رغم الخلاف مع اليونان وقبرص)، كما أعلن وزير خارجيتها في 8 آب/أغسطس الجاري أن التحالف غير موجّه ضد إيران.
باكستان والسعودية:
احتفظت باكستان دائماً بعلاقات جيدة مع السعودية، كما احتفظت بعلاقات جيدة بالولايات المتحدة. يتولى الحكم في باكستان اليوم ائتلاف يقوده رئيس الوزراء شهباز شريف والرئيس آصف زرداري، وعصب القوة فيه بالجيش بقيادة المشير عاصم منير (اللاعب الأقوى وصاحب النفوذ الفعلي في إدارة المشهد السياسي والأمني بالبلاد)، وهو الذي سمح بالإطاحة بحكومة "عمران خان" المناوئة للولايات المتحدة في نيسان/أبريل 2022.
باكستان هي من أعلنت في حرب الـ 12 يوماً في صيف 2025 أنها تقف مع إيران ضد العدوان الإسرائيلي. وباكستان النووية تعلن مراراً وتكراراً وقوفها مع فلسطين وضد أي عملية تطبيع مع "إسرائيل"؛ عين باكستان موجهة استراتيجياً نحو الهند، ولديها اليوم مشاكل مع أفغانستان، ولها علاقات استراتيجية وثيقة بالصين المنافسة أيضاً للهند. وهذا كله يجب أن يُؤخذ في الحسبان عند تشخيص دورها في "ميثاق مكة".
بالمقابل، تتمتع السعودية بعلاقات جيدة مع الهند. وفي إطار اتفاقات إبراهيم والتطبيع وطروحات "إسرائيل الكبرى"، تم طرح الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، والذي أُعلن عنه رسمياً في أيلول/سبتمبر 2023 خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي، بمذكرة تفاهم دعت لها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وضمت الهند والسعودية والإمارات وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، وأثارت يومها في الإعلام ضجة كبيرة كأحد المشاريع التي ستغير وجه الشرق الأوسط وموازين القوى فيه.
ب. طبيعة علاقات الدول الثلاث ببقية الدول الفاعلة في المنطقة
الدول الثلاث وإيران ومحور المقاومة:
تركيا: تتذبذب العلاقات بين إيران وتركيا ما بين التعاون الاستراتيجي والتنافس الجيوسياسي؛ فالدولتان تشتركان في الجغرافيا والمصالح الاقتصادية ومواجهة الحركات التي تسعى للانفصال أو الاستقلال في المنطقة، بينما تتصارعان بحدة حول النفوذ الإقليمي في سوريا والعراق وجنوب القوقاز.
فالبلدان يخشيان الكيانات الكردية المسلحة (مثل: حزب العمال الكردستاني PKK، والحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني HDKA، والكوملة، وحزب الحرية الكردستاني PAK، وحزب الحياة الحرة الكردستاني PJAK، ومنظمة النضال الكردستاني الإيراني خبات)، وهي أحزاب يراها البلدان مهددة لوحدتهما الترابية؛ ما يخلق تنسيقاً أمنياً بينهما. وفي فترات سابقة، مثلت اجتماعات أستانة نقطة لقاء مهمة بين البلدين وروسيا في الملف السوري، وضعت خططاً للخروج بسوريا من أوضاعها السابقة، لكن دعم تركيا لعملية التغيير في سوريا أوجد هواجس تُزعزع الثقة بين الطرفين. رغم ذلك، تستمر العلاقات التجارية بين الطرفين؛ ولديهما تبادل تجاري واسع النطاق وفي مجال الطاقة.
كما للبلدين مواقف مشتركة في ما يخص القضية الفلسطينية، وكذلك مصالح اقتصادية وأمنية في العراق وبلدان القوقاز. تسعى كل دولة لبسط نفوذها السياسي والاقتصادي والأمني في الساحة العراقية؛ حيث يبلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا والعراق نحو 14. 16 مليار دولار سنوياً، بينما يبلغ 9. 12 مليار دولار بين إيران والعراق، ما يجعل البلدين أكبر الشركاء التجاريين والاقتصاديين لبغداد.
وتشير تقارير مراكز الأبحاث والدراسات الميدانية إلى وجود نحو 80.64 موقعاً وقاعدة عسكرية تركية في شمال العراق وإقليم كردستان، متوغّلة بعمق يصل إلى 40 كم داخل العراق؛ حيث المعسكرات ومهابط الطائرات وآلاف الجنود، ما يشكّل أزمة مستمرة مع بغداد في هذا المجال.
بالمقابل، لإيران نفوذ كبير على الكثير من الفصائل العراقية التي قاتلت مع إيران في حربها ضد صدام حسين، والتي اشتركت أيضاً في التصدّي لـ"داعش" قبل 2014 وبعدها، والتي تقف معها في محور المقاومة اليوم. وتثير العلاقات التركية/الأذربيجانية هواجس وقلقاً إيرانياً حيال تقليص نفوذ طهران ووجود إسرائيلي بالقرب من حدودها؛ فأذربيجان الشيعية مذهبياً والتركية قومياً تشكّل نقطة تجاذب مهمة بين البلدين.
باكستان: تشترك إيران وباكستان في حدود برية بطول نحو 909 كيلومترات، وعلاقات تاريخية وإسلامية طويلة وعميقة، يتخللها بعض التوترات الأمنية الحدودية بشأن الجماعات الانفصالية البلوشية، وتحديات اقتصادية مشتركة، إلى جانب تقارب استراتيجي ومصالح مشتركة تجاه ملفات إقليمية كالصين وأفغانستان وفلسطين والأمن والاقتصاد... إلخ.
فيرتبط الطرفان بعلاقات وثيقة مع بيجين (مثل مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني والتعاون الاستراتيجي مع طهران)، إضافة إلى الدور الذي أدّته وتؤدّيه باكستان في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، وتوقيع مذكرة التفاهم في 17 حزيران/يونيو 2026.
السعودية: تتركز القضايا المشتركة والخلافية بين إيران والسعودية حول ملفات النفوذ الإقليمي كأمن الطاقة والتعاون الدبلوماسي؛ حيث تتأرجح العلاقات بين مساعي التهدئة والخلافات الجيوسياسية. ويمكن القول إن طابع الخلاف هو الأعم من دون أن ينفي ذلك رغبة مستمرة بتطبيع العلاقات والوصول إلى تفاهمات مستدامة.
إذ حصلت تهدئة بعد اتفاق سعودي. إيراني بوساطة عراقية/عُمانية بدأت في أيلول/سبتمبر 2019، وحققت إعلان اتفاق تعاون برعاية صينية عام 2023. ويشترك البلدان في منظمة التعاون الإسلامي وفي "أوبك بلس" وغيرهما، رغم الملفات المعقدة بينهما، والتي من أبرزها الخلاف حول سلسلة القضايا في وجود القواعد العسكرية في المنطقة، والمواقف من العراق وسوريا ولبنان واليمن، وقضايا التطبيع مع الكيان الصهيوني، وكذلك من الملف النووي والحرب الأخيرة التي شُنت على إيران.
وموقف السعودية الذي رأت فيه إيران التفافاً على مذكرة التفاهم الموقعة بينها وبين الولايات المتحدة في 17 حزيران/يونيو 2026، ودور السعودية الريادي في إصدار بيان مجلس وزراء دول مجلس التعاون الخليجي في المنامة، بحضور وزير الخارجية الأميركي "ماركو روبيو" في 25 حزيران/يونيو 2026.
-
تعدّد زوجات أم خيانات زوجية. . "اتفاق مكة": السعودية . تركيا . باكستان
الدول الثلاث والملف اليمني:
العلاقات التركية اليمنية: شهد التاريخ حروباً طويلة بين الخلافة العثمانية واليمن عُرفت بالحروب اليمنية العثمانية، وهي سلسلة طويلة من النزاعات والمعارك المستمرة بين الدولة العثمانية والإمامة الزيدية في اليمن، والتي امتدت متقطعة منذ عام 1538 وحتى توقيع اتفاقية دعان في 9 تشرين الأول/أكتوبر 1911.
العلاقات السعودية اليمنية: حُكِم اليمن من قبل الأئمة الزيدية، وذلك مع تأسيس الإمام الهادي يحيى بن الحسين "للدولة الهادوية" في صعدة عام 897م، والتي انتهت بسقوط الحكم الإمامي إثر الحركة العسكرية في 26 أيلول/سبتمبر 1962 بقيادة المشير عبد الله السلال وإعلان الجمهورية. وهي فترة تمتد نحو 1065 عاماً تخللتها انقطاعات وسيطرة لدول وسلطات يمنية أخرى.
وأعقب الحركة مواجهات داخلية استمرت ثماني سنوات (1962. 1970) بين أنصار الجمهورية بدعم مصري، وأنصار الملكية بدعم سعودي، انتهت بسيطرة المعسكر الجمهوري دون أن تترك تداعياتها التي ما زالت فاعلة إلى يومنا هذا.
حكومتا صنعاء وعدن: لفهم الوضع اليمني لا بد من العودة إلى أحداث صعدة وبروز قيادة السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله تعالى عليه) في أواخر القرن الماضي وبدايات الألفية الثانية.
أسس الشهيد حسين بدر الدين الحوثي تنظيم "الشباب المؤمن" كحركة فكرية وثقافية في محافظة صعدة متأثرة بالثورة الإيرانية ونهج حزب الله في لبنان.
ومع أحداث الغزو الأمريكي للعراق والأحداث في فلسطين والمنطقة، اتخذت الحركة خطاباً مناهضاً للسياسة الأمريكية والغربية، ورفعت شعار "الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام" في المساجد والمسيرات وخلال المعارك.
ومع انتشار الحركة، أصدرت الحكومة في حزيران/يونيو 2004 أمراً باقتحام واعتقال الشهيد حسين الحوثي الذي تحصن مع أنصاره في جبال مران بمحافظة صعدة. واندلعت اشتباكات عنيفة بين الجيش اليمني آنذاك (المدعوم من السعودية) وأنصار السيد الحوثي استمرت شهوراً، واستخدمت فيها القوات الحكومية الأسلحة الثقيلة للسيطرة على معقله في جبل مران. وفي 10 أيلول/سبتمبر 2004 استُشهد السيد حسين بدر الدين الحوثي في منطقة "جرف سلمان" (ومن يزور المنطقة سيرى آثار تلك المعارك التي ما زالت واضحة إلى يومنا هذا).
لم تنتهِ الحركة باستشهاد مؤسسها، بل تحولت إلى سلسلة من الحروب المتعاقبة بين الحكومة والحوثيين بين عامي 2004 و2010، وانتقلت القيادة الروحية والعسكرية تدريجياً إلى أخيه السيد عبد الملك الحوثي الذي وسع من نطاق سيطرة الحركة على أجزاء واسعة من اليمن.
بدأت الصدامات الداخلية التي ما زالت جارية في اليمن مع أحداث "الربيع العربي" في 2011 وأحداث صعدة، ثم سيطرة "أنصار الله" (المتحالفين مع إيران) على العاصمة صنعاء والتي أطاحت بالرئيس علي عبد الله صالح.
تلت ذلك مرحلة انتقال سياسي تعثرت مخرجاته؛ لينتهي الأمر باجتياح أنصار الله لصنعاء ومدن أخرى في خريف 2014، وتصاعدت ببدء عمليات "عاصفة الحزم" بقيادة التحالف العربي (السعودية والإمارات أساساً، ومن خلفهما الولايات المتحدة والغرب) في 2015.
القسم الثالث
استنتاجات وتصوّرات
ميزان القوى الراهن
لا شكّ أنّ الملف اليمني، والقضية الفلسطينية والحرب على إيران ونتائجها وما قد ترتّب عنها من فراغ أمني هي الموضوعات الغائبة الحاضرة في "اتفاق مكة". لهذا سنخصص هذا القسم لملامسة حقائق تتعلق بهذه القضايا الأساسية.
1. ميزان القوى الراهن في اليمن: بعد هدنة 2 نيسان/أبريل 2022 برعاية الأمم المتحدة لمدة شهرين قابلين للتمديد بين الرياض وصنعاء تضمّنت، أو من نتائجها وقف العمليات العسكرية ووقف التصعيد، وتعيين ضباط اتصال، والسماح لمفاوضات مباشرة وقنوات اتصال مستمرة، ودخول المشتقات النفطية وفنح الطرق وتسهيل حركة المدنيين، وبدء رحلات جوية محدودة من وإلى مطار صنعاء، إلخ. وهي الحالة التي استمرت بين تصعيد وتهدئة إلى يومنا هذا.
ومع بدء "طوفان الأقصى" وحرب الإبادة على غزة، انخرطت صنعاء بشكل موسّع في عمليات الإسناد وتأكيد مفهوم "وحدة الساحات" وإعلان الانتماء لمحور المقاومة. فأغلقت البحر الأحمر أمام السفن الإسرائيلية أو المتجهة نحو الموانىء الإسرائيلية. ودأبت على إطلاق المسيّرات والصواريخ على ميناء "إيلات" (أم الرشاش) في خليج العقبة وغيره من الأراضي الفلسطينية المحتلة، مما قاد إلى إغلاق الحركة في الميناء بشكل تامّ تقريباً. وتعرّضت صنعاء ومحافظات اليمن الأخرى لقصف إسرائيلي/أميركي/بريطاني عنيف.
ودخلت صنعاء في معارك ضارية مع الأسطول الأميركي الذي أرسل بالتناوب حاملات الطائرات "ترومان" و "أيزنهاور" و"لينكولن". والتي ابتعد بعضها عن مسرح العمليات تجنّباً للهجمات الصاروخية اليمنية. أو حتى الانسحاب نهائياً بعد خسارة عدد من الطائرات الحربية وتحقّق إصابات مباشرة عليها.
مما قاد إلى عسكرة البحر الأحمر واستقطاب عسكري غير مسبوق في مضيق باب المندب. وظهور تحالفات دولية مثل "حارس الازدهار" بقيادة واشنطن وعملية "أسبيدس" الأوروبية لتأمين الملاحة، والتي فشلت جميعها في تحقيق أهدافها. وهو ما قاد إلى تخوّف الشركات الكبرى من التطوّرات التي كانت صنعاء تدخلها.
ومنها إدخال الغوّاصات والزوارق المسيّرة. وهو ما دفع حركة الشحن البحري العالمي والناقلات النفطية إلى تجنّب قناة السويس والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، مما تسبّب في رفع تكاليف الشحن والتأمين عالمياً.
2. مدى سيطرة صنعاء على الميدان اليمني: يبلغ عدد سكان اليمن 43.30 مليون نسمة. وسبب الفارق هو عدم وجود تعداد سكاني منذ 2004. فتعتمد البيانات على تقديرات أعداد السكان الحالية على الإسقاطات والتقديرات الرياضية للنمو السكاني. بينما تبلغ مساحة اليمن 555.528 ألف كم مربع.
والأرقام أدناه حول عدد السكان، في حدها الأدنى والأعلى، تعتمد على بيانات الجهاز المركزي للإحصاء اليمني، والتوقّعات المعتمدة من منظمات الأمم المتحدة، والموقع الدولي للإحصاء السكاني CityPopulation وWorldmeter.
3. لحكومة صنعاء غلبة واضحة في عدد السكان بحدود 80.60% منهم. ولحكومة عدن غلبة واضحة في المساحة التي تحت تصرّفها، بحدود 40.35% منها. علماً أنّ عدد محافظات اليمن هي 22 محافظة بما فيها محافظة أرخبيل سقطرى التي أضيفت في 2013. ويوضح الجدول الخامس هذا الواقع.
-
تعدّد زوجات أم خيانات زوجية. . "اتفاق مكة": السعودية . تركيا . باكستان
1. أهمية فهم الواقع الديموغرافي والجغرافي لليمن: من دون هذا التقييم سنسقط تحت تأثيرات اللاواقعية. فالكلام عن "الشرعية الدولية" مثلاً، والتي هي عموماً متبنيات تعتمدها واشنطن والغرب لشيطنة أطراف تعاديها، ومحاباة أطراف أخرى تواليها. فالواقع الميداني يبرهن أنّ الحوثين، أو أنصار الله ليسوا مجرّد ميليشيات أو جماعات، أو أذرع لإيران، كما يصوّرون. فهناك تاريخ كامل وقضايا وطنية لا علاقة لإيران بها. فهم اليوم جزء أساسي في المعادلة اليمنية.
لهذا فشلت كل المحاولات الحربية لمعالجة موضوع اليمن من دونهم. وإنّ "ميثاق مكة" سيفشل يقيناً إن كان أحد أهدافه الأساسية الانتصار لوجهة نظر أحادية. ولا يأخذ بالاعتبار الواقع اليمني الحقيقي. فحكومة صنعاء ليست هي من يمتلك الأموال والأسلحة والتحالفات مع الدول الغربية وواشنطن والأنظمة الإقليمية.
وإنّ سعة سيطرتهم ديموغرافياً وجغرافياً تمثّل دليلاً مؤكداً على أهميتهم الفائقة، وعلى موازين القوى في البلاد. وهو ما يجب أخذه في الاعتبار عند رسم السياسات الوطنية المطلوبة.
-
تعدّد زوجات أم خيانات زوجية. . "اتفاق مكة": السعودية . تركيا . باكستان
1. الدول الثلاث وبقية القوى الفاعلة في المنطقة وفي العالم:
يقدّم الجدول السادس نبذة عن مواقف بقية الدول الفاعلة من أطراف "ميثاق مكة".
-
تعدّد زوجات أم خيانات زوجية. . "اتفاق مكة": السعودية . تركيا . باكستان
1. حقائق لا بدّ من ذكرها قد تكون في خلفية اللقاءات
أ. تهافت مشروع وضع السنة ضد الشيعة، أو العكس: عملت وتعمل الأوساط الأجنبية والمريضة في المنطقة على اعتماد سياسة "فرّق تسد". ولعل أبرز الأوراق المستخدمة منذ أمد بعيد هو الورقة الطائفية والمذهبية. وهي ورقة ناجحة أدت أغراضها في مراحل متعددة. لكنها ورقة أيلة إلى السقوط والتهاوي.
فلا السنة ضعفاء ليتم اعتداء الشيعة عليهم، ولا الشيعة ضعفاء ليتم اعتداء السنة عليهم. والحقيقة أن مشاريع الوحدة قد انتصرت دائماً على مشاريع الحروب الطائفية. لذلك نشهد أنّ الصراعات وسياسات "فرّق تسد" هي أكثر في الوسط الواحد، عما هي عليه بين الفرقاء المختلفين في المذهب والطائفة.
لا نريد أن نتناول الموضوع بسذاجة أو بساطة أو حتى حسن نية. بل نعتقد أن هناك حقائق موضوعية تقف حاجزاً أمام مثل هذه المشاريع لتقبرها بعد فترة من ولادتها. وسنقدّم هنا مثالين سريعين، وهناك أمثلة أخرى.
ب. دور فلسطين ومحاربة الاستعمار وقضايا الأمة المشتركة: مهما كانت الخلافات الفقهية أو السياسية لكنّ المشتركات الوحدوية أكبر بكثير من الخلافات والاختلافات المرحلية.
فاتخذ الطرفان مواقف مشتركة في قضايا الأمة الكبرى. ودافع شيعة العراق عن الدولة العثمانية رغم تعرّضهم للاضطهاد من قبلها في مواجهة الإنزال البريطاني في الشعيبة عام في 6 تشرين الثاني/نوفمبر 1914. ووقف الجميع في ثورة العشرين ضد البريطانيين بقيادة العلماء الشيعة في النجف الأشرف.
بالمقابل تحالفت "الأنظمة السنية" القريبة من الاستعمار في المنطقة العربية والإسلامية مع النظام الشاهنشاهي واستنجدت بالقوات الإيرانية لمواجهة الحركات التحررية في الخليج والمنطقة. ولم تتم إثارة الموضوع الشيعي أو الخوف من إيران. واشتركت تركيا وباكستان والعراق وإيران مع بريطانيا في حلف بغداد العسكري في شباط/فبراير 1955.
وذلك كلّه خلاف ما حصل بعد الثورة الإسلامية. إذ تصدّت الأنظمة ذاتها التي كانت تتعاون مع إيران في فترة الشاه، لتتماهى مع الحملة العالمية التي قادتها الولايات المتحدة و"إسرائيل" لشيطنة إيران وإثارة النعرة الطائفية والحرب عليها. رغم أنّ عقيدة البلاد بقيت هي نفسها في المرحلتين.
بل أنّ الفتاوى التي يعتمد عليها المتطرفون لتكفير الشيعة والتي تعتمد على فتاوى ابن تيمية الواردة في "مجموع الفتاوى" وكتبه كـ"منهاج السنة" تضمّنت اتهامات منها موالاة الكفّار والمشركين واليهود والنصارى ضد أهل السنة.
معتبراً ذلك من صفات النفاق والخيانة للأمة. هذه كانت تبريراته لتكفير الشيعة. فلو طبّقنا هذا المعيار في ظروفنا الراهنة، لوجدنا أنّ الملتزمين بفتاويه والمروّجين لها هم من يوالون اليوم الكفّار والمشركين، وأنّ الشيعة يقفون تماماً بالضد من ذلك.
ج. فلسطين مفتاح القضايا: تؤدّي فلسطين دوراً مركزياً في توحيد قوى الأمة بعيداً عن النعرات المذهبية والطائفية. بل إنّ الموقف من فلسطين ومواجهة الكيان العنصري الاستيطاني الصهيوني هو المعيار الأساس الذي يميّز بين الحقّ والباطل، والسياسات التي لها مستقرّات ثابتة في الأرض، والأخرى المستوحاة من مصالح الخارج والتي ستؤول يقيناً إلى الفشل.
فها هي إيران الشيعية تدفع الثمن الغالي لدفاعها عن "حماس" و"الجهاد الإسلامي" المنظمتين السنيتين. وكذلك اليمن وموقف حزب الله وفصائل المقاومة في العراق تقف بكل صلابة مع فلسطين. مثلما وقفت كل الجماهير السنية في مختلف البلدان ضد العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران. ولم تنطلِ عليها اللعبة الطائفية والمذهبية.
ت. قوة الشيعة والسنة صمام أمان للوحدة: يخطىء من يعتقد أنّ الشيعة يمثّلون أقلية في منطقة غرب آسيا. إذ غالباً ما تسعى الدعاية المعادية الى تبيان الشيعة كأقلية. لترتّب عليها قناعات وسرديات سياسية تهيّئ في الأذهان لمن يجب أن يقود أو يحكم. ومن يجب أن يخضع أو يقبل بوضع المواطن من الدرجة الثانية.
ويمثّل فهم التوازن السكاني –بغضّ النظر عن النيّات. صمام أمان مهم للحفاظ على العلاقات الإيجابية ووحدة الأمة.
إضافة إلى أنه ضروري لتفسير ظواهر يصعب تفسيرها من دون تقديم تشريح سياسي للخارطة المذهبية. وهذا جدول لا يُختلف على أرقامه بحسب المصادر الدولية. لكنه يختلف في الطريقة التي تتبعها بعض المصادر كـ Pew مثلاً (مركز أبحاث أميركي، يهتم بمختلف الاستبيانات والإحصاءات).
فهذا المركز عندما يتكلم عن فريق لا يميّز بين الأشاعرة وأنوع الصوفية أو السلفية والوهابية. بل يعتبرهم كتلة واحدة. وعندما يأتي إلى الشيعة فإنه يفصل اختلافاتهم أو انشقاقاتهم عنهم (كالعلويين والنصيرية والدروز وغيرهما).
ولأنّ الموضوع أخذ أبعاداً سياسية، فإنه لا بدّ أن نذكّر ما يعتبر أساساً أو جذراً من دون مركباته وانقساماته، أو أن تُحسب الفروع والانشقاقات مع أساساتها وجذرها عند الطرفين. مع إدراكنا أنّ الخلافات –وحتى الصراعات. داخل المذهب وفروعه، قد تكون أكبر من الخلافات بين الشيعة الإمامية، والسنة الأشاعرة مثلاً. وقس على ذلك.
ولأنّ للموضوع أبعاداً سياسية. فيجب توحيد المعايير. وفي هذا الجدول تمّت إضافة التفرّعات والانقسامات كافة إلى التيارين الرئيسيين.
-
تعدّد زوجات أم خيانات زوجية. . "اتفاق مكة": السعودية . تركيا . باكستان
ملاحظة: تمّ أعلاه اعتماد أعداد المواطنين، واستبعاد المقيمين والوافدين. إذ يتم الكلام عن 63 مليون نسمة لمجموع دول مجلس التعاون الخليجي، بينما يبلغ عدد حملة الجنسية من مختلف الأديان والطوائف 26.86.000 من مجموع السكان، أي 42.63% من السكان. ويمثّل الوافدون والمقيمون 57.37%.
فنسب المواطنين هي: 54% ، 10%، 54% 30%، 11%، و44% في كلّ من السعودية، الإمارات، عُمان، الكويت، قطر، البحرين على التوالي. والباقي هم من المقيمين والوافدين.
وبهذا يكون إجمالي المسلمين في منطقة غرب آسيا هو 324. 915. 500، وإجمالي أهل السنة والجماعة: 178.766.295% بنسبة 55. 2% واجمالي الشيعية بمكوّناتها المدمجة هو 146.149.205% بنسبة تقارب 44.98%.
يضاف إلى ذلك أنه في الفقه الإسلامي والتاريخ الديموغرافي فإنّ الصوفية مثلاً ليست مذهباً فقهياً مستقلاً (كالسنة والشيعة)، بل هي مسلك تعبّدي وروحي ينتمي أغلب سالكيه إلى أحد مذاهب الأشاعرة.
لكن هناك طرق صوفية "فلسفية وعرفانية" كـ"البكتاشية" مثلاً (تأسست عام 1282م)، تدمج بين التصوّف والتشيّع العلوي. ومعلوم أنّ "البكتاشية" كانت عقيدة الجيش العثماني الانكشاري (1363م. 1826م).
فغرست "البكتاشية" في وجدان "الإنكشارية" حباً خاصاً لآل البيت عليهم السلام. وحملت خصوصاً في العقيدة والأوردة ميولاً ومظاهر تتعلّق بذكر الإمام علي والأئمة الاثني عشر عليهم السلام.
ويمكن الذهاب أبعد في هذا النقاش لأولئك الذين يريدون استغلال المواضيع المذهبية والطائفية لإغراض سياسية من منطق الأغلبية والأقلية، سواء أكانوا من الشيعة أو السنة.
فرغم أنّ التكفيريين يقودون معارك ضارية ضد الشيعة وبقية السكان، لكنّ المعارك التي تدور في أفغانستان وباكستان وسوريا والسودان وليبيا والجزائر والصومال والعديد من البلدان الأفريقية هي أساساً بين التكفيريين والسنة وبقية السكان أيضاً.
لذلك يجب الحذر من ركوب الموجة الطائفية. فالبناءات والحسابات الخاطئة قد تغري البعض للانخراط فيها، لكنّ الغرق في مستنقعاتها يقود عادة لكوارث مؤلمة.
استنتاجات ونتائج
-
تعدّد زوجات أم خيانات زوجية. . "اتفاق مكة": السعودية . تركيا . باكستان
1. لا نعتقد أنّ "اتفاق مكة" سيصنع . على الأقل في المدى المباشر. ترتيبات تغيّر كثيراً من واقع الأمور في المنطقة. فكلّ دولة تجد أولوياتها في مصالحها المنغمسة فيها أصلاً، قبل أن تجدها في واقع جديد شبيه بحلف شمال الأطلسي، كما يقولون. ففي "الناتو" كان هناك قائد صاعد قوي صمّم على مواجهة النفوذ السوفياتي آنذاك (1949) وهو الولايات المتحدة. وفي "ميثاق مكة" نفتقد مفهوم القيادة. والكلام عن حلف دفاعي اقتصادي وأمني يزيد الأمر غموضاً.
ففي "الناتو" كان هناك هدف واضح وهو فرض الستار الحديدي على الاتحاد السوفياتي. الذي قام بدوره برعاية "حلف وارسو" في 1955 والدخول في حرب باردة ومواجهات بالوكالة استمرت لأكثر من 5 عقود.
فتشبيه النفوذ الإيراني بالنفوذ الروسي بعد الحرب العالمية الثانية وصعوده، هو مقاربة خاطئة تماماً. من حيث التوقيت، والحالة الصاعدة أو الهابطة التي يتمتع بها كل طرف.
بل على العكس قد يتمخّض "اتفاق مكة" ـــــ إذا لم يستبطن مشروعاً للمواجهة بين قوى المنطقة أو حرباً على اليمن ـــــ ستؤسس لسد فراغ متوقّع أو يحصل فعلاً. بسبب صمود إيران ومحورها، وفشل "إسرائيل" والولايات المتحدة والغرب عموماً في تحقيق أهدافهم لكبح موجة المقاومة الصاعدة. وهذا النجاح من جهة والفشل من جهة أخرى لا يتأتى من أخطاء فنية، أو نواقص شكلية.
بل من حالة تراجع تاريخية يعيشها الغرب والولايات المتحدة، وصعود قوى جديدة تسجّل في كل يوم تقدّماً عليه اقتصادياً وأمنياً وأخلاقياً وقانونياً ومؤسساتياً. فهناك شيخوخة من القوى الاستعمارية السابقة، أمام نهضة من القوى المستعمَرة السابقة. فنحن أمام حقيقة بنيانية ووجودية.
وأنّ الأزمة الحالية التي يعيشها الغرب هي ليست حلقة في دورة تراجع وانكماش ستليها مرحلة تقدّم وازدهار. فعوامل الازدهار القديمة التي كانت توفّرها المستعمرات تتلاشى الواحدة تلو الأخرى. وأنّ حصة الغرب والولايات المتحدة في الكعكة العالمية تتراجع. لذلك يتراجع نفوذها.
وسيتراجع معه حتماً نفوذ الكيان الصهيوني الذي بني من أساسه على الدعم والتبنّي الخارجي. فما يتعزّز اليوم من تصاعد قوى المقاومة في القواعد الشعبية بات ينعكس تدريجياً على البنى الفوقية من أنظمة وحكومات، وإنّ "ميثاق مكة" سيبقى حبراً على ورق إن هو أراد لنفسه أن يكون جزءاً من النظام القديم، وعلى عكس ذلك قد يكون خطوة شجاعة إن وضع نفسه في سياقات الصعود التاريخي لنهضة الشعوب والأمم.
2. اخترنا عنواناً للبحث هو: "تعدّد زوجات، أم خيانة زوجية. اتفاق مكة: السعودية، تركيا وباكستان" للتعبير عن حدث يستبطن علاقات متعدّدة ومتداخلة ومتغيّرة. بعضها متوافق وبعضها متضادّ. بعضها حلال وبعضها حرام. بعضها مطمئن وبعضها مقلق. بعضها واضحة المعالم، وبعضها غامضة ومدغمة.
بعضها انتهت أو ينتهي أجلها، وبعضها بدأت أو تبدأ للتو. فالعالم الجديد يبني نفسه. فتنهار قلاع وترتفع مكانها قلاع أخرى. وأحداث الحرب الأخيرة منذ "طوفان الأقصى"، وليومنا هذا قلبت كلّ المعادلات والموازين السابقة. ومنطقتنا تغيّر العالم وتتغيّر معه.