الاستطلاع الذي سيخيف الرئيس ترامب؟
تراجع شعبية ترامب بسبب حرب إيران وتحولها من ورقة قوة إلى عبء سياسي يهدد مستقبله وحظوظ الجمهوريين في الانتخابات النصفية.
-
الاستطلاع الذي سيخيف الرئيس ترامب؟
لم يكن استطلاع (رويترز/إبسوس) الأخير مجرّد رقم جديد في سلسلة استطلاعات الرأي التي تقيس شعبية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بل بدأ كأنه أقرب إلى جرس إنذار سياسي في لحظة شديدة الحساسية من ولايته الثانية، فقد أظهر استطلاع للرأي أنّ 33%من الأميركيين يوافقون على أداء ترامب في الحرب على إيران، مقابل 64% لا يوافقون، وهي أدنى نسبة تأييد له خلال ولايته الحالية، في وقت يتزايد فيه القلق الشعبي من استمرار الحرب الأميركية على إيران وكلفتها وغياب أفق واضح لنهايتها حتى الآن.
الأهمّ من هذه الأرقام نفسها أنّ الاستطلاع يأتي بينما يعتقد نحو 80% من الأميركيين أنّ التدخّل العسكري الأميركي في إيران قد يستمرّ لفترة طويلة، فيما لا يرى سوى نحو واحد من كلّ خمسة أنّ الحرب كانت تستحقّ كلفتها، وهذا يعني أنّ الحرب التي أراد ترامب تقديمها باعتبارها دليلاً على قوة الولايات المتحدة وقدرتها على فرض إرادتها بدأت تتحوّل إلى عبء سياسي داخلي يهدّد ليس فقط صورته الشخصية، وإنما أيضاً مستقبل حزبه في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي المقرّرة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
لكنّ السؤال الأهمّ في هذا السياق، ماذا حقّق ترامب فعلياً من الحرب؟
قبل الإجابة عن السؤال، فالاستطلاع بحدّ ذاته بات أقرب إلى حكم سياسي مبكر على حرب أرادها الرئيس ترامب معركة حاسمة، فإذا بها تتحوّل إلى عبء واختبار، وإذا أردنا الإجابة عن السؤال، فأعتقد أنّ الرئيس ترامب لم يحقّق هدفه السياسي الذي ذهب من أجله إلى الحرب، صحيح أنّ الولايات المتحدة نفّذت ضربات عسكرية في إيران، لكنّ هذا التفوّق العسكري لا يسجّل انتصاراً سياسياً، فالهدف من الحرب لم يكن تدمير المنشآت النووية الإيرانية فحسب، كما أعلن بداية الحرب، وإنما كان الهدف الاستراتيجي لها إخضاع طهران وإجبارها على قبول الشروط الأميركية، وهذا الهدف لم يتحقّق بالشكل الذي كان يريده ترامب.
واليوم، وبعد أشهر من الحرب، إيران لم تسقط، ونظامها لم ينهر، وطهران لم تستسلم كما أرادت أميركا وحلفاؤها، وكلّ الضربات العسكرية التي تعرّضت لها أوقفت واشنطن متعثّرة في منتصف الطريق، غير قادرة على فرض شروطها، والأهمّ هنا على الزاوية الأخرى من الصورة أنّ إيران استطاعت أن تمنع واشنطن من تحويل تفوّقها العسكري إلى لحظة استسلام سياسي إيراني، وهنا تكمن المفارقة، أميركا استطاعت ضرب إيران، لكنها لم تستطع أن تفرض عليها النتيجة السياسية التي أرادتها للحرب، وهذا هو الفشل الحقيقي للحرب الأميركية على إيران.
أعتقد في سياق الحرب وموازين القوة أنّ إيران لم تكن بحاجة إلى هزيمة أميركا في مواجهة اعتبرتها تقليدية بامتياز، وهي تعرف أنّ ميزان القوة العسكرية لا يسمح لها بذلك، بل كان الهدف الأكثر واقعية بالنسبة لها هو الصمود والحفاظ على النظام، والاحتفاظ بقدرة الردّ والردع، ورفع فاتورة الحرب إلى مستوى يجعل استمرارها أكثر كلفة على كلّ المستويات.
والمتابع لمجريات الحرب على إيران يصل إلى نتيجة مفادها أنّ إيران تبنّت استراتيجية تقوم على إطالة أمد الضغط واستخدام أوراق لديها كوسيلة ضغط على الولايات المتحدة الأميركية، ومنها ورقة مضيق هرمز، لإجبار واشنطن على تقديم تنازلات سياسية تنهي حالة الحرب عليها باستراتيجية ومعادلات جديدة.
من هذه النقطة بدأت معادلة الردع الجديدة، فالردع الذي استخدمته وتستخدمه طهران مع الولايات المتحدة الأميركية جعلها عاجزة عن استخدام تفوّقها العسكري لتحقيق أهداف سياسية من دون دفع أثمان باهظة.
صحيح أنّ القوة العسكرية التي تمتلكها أميركا جعلتها تصل إلى أهداف داخل إيران وقصفها، لكنها لم تستطع إسقاط النظام الإيراني أو حتى إجبار طهران على الاستسلام أو فرض شروطها عليها.
وهذا يعني، في المحصّلة النهائية، أنّ إيران أوجدت ردعاً من نوع مختلف وجديد في الوقت نفسه، وهذا ما تعمل عليه طهران وتسعى إلى تثبيته قبل الخروج من الحرب، والعنوان الذي يتصدّر المفاوضات هو مضيق هرمز، الذي أصبح جزءاً أساسياً من ترتيبات إنهاء الحرب.
من هنا يمكن فهم طبيعة التحوّل في المشهدية المتعلّقة بالحرب على إيران، الحرب التي بدأها ترامب بهدف فرض شروطها انتهت بالتفاوض على شروط الخروج منها، وهذا بحدّ ذاته فارق استراتيجي كبير، خاصة أنّ أميركا في بداية الحرب هي التي حدّدت الأهداف وفرضت إيقاع الحرب ومستواها، لكنّ المتابع الآن يدرك أنّ إيران تعمل لأن تنتهي الحرب بشروطها وعلى قاعدة مصالحها، وهذا يفسّر في علم التفاوض أنّ إيران أصبحت صاحبة اليد العليا في المشهدية ذاتها المتعلّقة بالحلّ السياسي.
في المقابل، المتعمّق بالمشهد أكثر، يصل إلى نتيجة مفادها أنّ آثار الحرب على الولايات المتحدة قد بدأت تؤتي ثمارها، وثمن الحرب باتت تدفعه من رصيدها، أمام العديد من النتائج السلبية، كارتفاع أسعار الوقود، واضطراب أسواق الطاقة، والهاجس الأهمّ الذي بدأ يتسلل في الشارع الأميركي من حرب مفتوحة لا نهاية لها تكون عواقبها وخيمة على الداخل الأميركي.
كلّ هذه التداعيات والعوامل أصبحت مرتبطة ارتباطاً مباشراً بشعبية الرئيس ترامب، إذا ما تطرّقنا إلى استطلاع سابق أجرته (رويترز/إبسوس)، إذ لم يؤيّد الحرب على إيران سوى ثلث الأميركيين، فيما رأت أغلبية أنّ ترامب لم يشرح أهدافها للشعب الأميركي بوضوح.
هنا تكمن المفارقة السياسية الخطيرة، أنّ ترامب الذي دخل الحرب على إيران لإظهار قوة أميركا، بدأ يدفع ثمنها داخل الولايات المتحدة الأميركية، فالحرب التي كان يفترض، من وجهة نظر أميركية، أن تعزّز صورة الرئيس ترامب كرئيس قوي، تحوّلت إلى عامل من أهمّ عوامل تراجع شعبيته قبل أقلّ من ثلاثة أشهر من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
ثمّة مسألة مهمة قد يغفل عنها البعض، أنّ تأثيرات الحرب السلبية تمسّ شخص الرئيس ترامب، لكنّ المسألة ليست هكذا البتة، فالمشكلة ليست متعلّقة بشخص، وإنما بحزب ينتمي إليه ترامب، وهذه الأزمة بالفعل ستطال الحزب الجمهوري، خاصة أنّ الجمهوريين في أميركا سيخوضون الانتخابات في ظلّ رئيس تبلغ شعبيته 33% وفق أحدث استطلاع للرأي، وحرب لا تحظى بتأييد واسع، وأسعار طاقة مرتفعة، وأصبح الأميركي يعيش حالة قلق اقتصادي متزايد، وقد بدأت مؤشرات التراجع تظهر حتى داخل قاعدة الحزب الجمهوري، وهو ما يزيد المخاوف من خسائر انتخابية محتملة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
ماذا عن مصير الرئيس ترامب؟ سؤال مهم جداً في هذا السياق، فترامب أصبح أمام معادلة شديدة الصعوبة، إذا استمر في الحرب على إيران ارتفعت كلفتها السياسية، وإذا أوقفها من دون نتيجة حاسمة سيواجه مصيراً أصعب بكثير، وسيتهم بالتراجع والاستسلام، أما إيران فتبدو أمام حساب مختلف تماماً، فهي مدركة لشكل نهاية الحرب وتعمل على تثبيت معادلات واضحة بالنسبة لها مع قدرة على الردع وتحمّل أوراق تفاوضية تمنع الولايات المتحدة من فرض شروطها، وهذا هو جوهر استراتيجية إيران من الصمود في الحرب حتى التفاوض.
كلّ طريق أمام الرئيس ترامب سيكون له ثمن، والأخطر من ذلك أنّ الوقت ليس في صالحه، وانتخابات التجديد النصفي للكونغرس تقترب، والجمهوريون لا يستطيعون التعامل مع تراجع شعبية الرئيس ترامب باعتبارها مشكلة شخصية تخصّ ترامب وحده.
يتردّد في الأوساط الأميركية سؤال مهم في أوساط الشباب والنخب، وقد عبّر لي أصدقاء كثر يقيمون في الولايات المتحدة عن هذا التساؤل في أوساط الأميركيين: هل كان من الضروري أن تخوض أميركا الحرب أصلاً؟
وهنا يكمن الخطر السياسي الحقيقي، وقد دخل ترامب الحرب ليثبت للعالم أنّ القوة العسكرية الأميركية قادرة على فرض إرادتها، لكنه وجد نفسه في مأزق وأمام اختبار مختلف تماماً، هل يستطيع هو نفسه أن يفرض نهاية الحرب قبل أن تفرض الحرب شروطها على مستقبله السياسي؟
أعتقد أنه حال استمر النزيف الأميركي الداخلي، فقد تتحوّل إيران من ملف في السياسة الخارجية الأميركية إلى عنوان رئيسي في الانتخابات النصفية المقبلة، وعندها لن يكون السؤال فقط عن مستقبل الحرب، بل عن مستقبل ترامب نفسه وعن قدرة حزبه على الاحتفاظ بالكونغرس.
هناك قاعدة في علوم السياسة تقول إنّ أخطر الحروب على الرئيس عندما يتخذ قرار حرب ليست بالضرورة تلك التي يخسر فيها معركة عسكرية، وإنما تلك التي يربح فيها بعض المعارك على الأرض، ثم يكتشف أنّ ثمنها السياسي في الداخل أكبر من كلّ المكاسب التي حقّقها على الأرض.
وهذا بالضبط ما يجعل استطلاع رويترز/إبسوس جديراً بالتوقّف والاهتمام، فنسبة 33% ليست مجرد نسبة تأييد منخفضة قد يراها البعض، و64% ليست مجرّد نسبة رفض عابرة، إنما إشارة إلى أنّ الحرب بدأت تدخل منطقة شديدة الحساسية سياسياً، وأنّ استمرارها من دون نهاية واضحة قد يجعل ترامب يواجه دولة مثل إيران لا يستطيع تهديدها أو قصفها أو حتى التفاوض معها بعد ذلك، وعندما يتحوّل مزاج الناخب الأميركي إلى تصويت حقيقي في تشرين الثاني/نوفمبر، قد يكتشف الرئيس ترامب أنّ الحرب التي أراد استخدامها لإخضاع إيران وإظهار أميركا كقوة عظمى، أصبحت واحدة من أكبر نقاط الضعف في مستقبله السياسي.