حصار ترامب لإيران... ورقة خاسرة أخرى!

الاعتقاد السائد لدى معظم المحللين والسياسيين أنّ واشنطن لن تفرض حصاراً بحرياً شاملاً وحازماً كما تروّج له في الإعلام، وإنما حصاراً يحفظ لها ماء وجهها.

0:00
  • مضيق هرمز.. حصار بالاسم!
    مضيق هرمز.. حصار بالاسم!

مرةً أخرى يخطئ الرئيس الأميركي في حساباته وتقديراته، ويتسبّب لبلاده وللعالم بمزيد من الخسائر والنكبات الاقتصادية. فبعد فشل حربه، بالتعاون مع نتنياهو، على إيران، وما جرّته من ويلات تضخّمية على الاقتصاد العالمي، أعلن ترامب أنّ بحرية بلاده سوف تمنع عبور السفن عبر مضيق هرمز، وتحديداً تلك المقبلة أو المتجهة نحو الموانئ الإيرانية.

وباعتقاد ترامب، فإنّ مثل هذا الإجراء يمكن أن يشكّل ورقة ضغط كبرى على طهران للقبول بشروطه أو للتنازل عن بعض مواقفها الرئيسية في المفاوضات. فمثل هذا الإجراء –برأيه– يمكن أن يحرم الأخيرة من بيع نفطها ووصول صادراتها إلى أسواق شركائها التجاريين، ويعرقل عملية تأمين احتياجات البلاد من المستوردات. وباختصار، إنّ ترامب يكرّر ما دأبت الإدارات الأميركية على فعله عندما تفشل سياسياً وعسكرياً في الهيمنة على مقدّرات الشعوب وسيادتها، فتلجأ إلى الحصار الاقتصادي بدرجاته المختلفة.

وما يرمي إليه ترامب قد يتحقّق في جانب ما، غير أنه غاب عن ذهنه مجدّداً ردّة الفعل الإيرانية على مثل هذا الحصار، وهي ردّة فعل أكّدت الحرب أنها فاقت توقّعات الإدارة الأميركية، وذلك باستهدافها المباشر لجميع المصالح الأميركية والإسرائيلية في كلّ مكان. وهذا يعني أنّ اقتصاديات جميع الدول سوف تتأثّر بشكل مباشر أو غير مباشر بهذا الحصار المزعوم، كما حدث مع بداية الحرب.

ردود فعل متوقّعة

ليس هناك أدنى شك في أنّ ترامب يدرك خطورة وتداعيات مثل هذه الخطوة على الأسواق العالمية، من حيث تراجع معدّلات الإنتاج واستمرار ارتفاع معدّلات التضخّم، إلا أنه يجد نفسه مضطراً، بعد فشل الجولة الأولى من المفاوضات مع طهران، إلى اتخاذ إجراء "عقابي" يحاول من خلاله تصوير نفسه على أنه لا يزال اللاعب الأول في هذه الحرب، وأنه لا يمكن أن يخرج خاسراً بالمفهوم الشعبي والعلني.

وأياً كان حجم هذا الحصار وشدّته وحدود تطبيقه، فإنّ الإجراءات الإيرانية المضادّة تبدو متعدّدة، أبرزها:

- العمل على إغلاق تامّ لمضيق هرمز، مانعةً بذلك عبور جميع السفن على اختلاف جنسياتها وجهاتها وحمولاتها، وعندئذ يصبح الحصار الأميركي مدخلاً لتعطيل اقتصادي كبير تمتد آثاره لتشمل مختلف الاقتصاديات والأسواق العالمية. وإذا كانت أسعار النفط قد بقيت دون 110 دولارات خلال الفترة الماضية، فإنها، في ظلّ مثل هذه الظروف، قد تصل بسهولة إلى عتبة 200 دولار، خاصة إذا ما ترافق ذلك مع إغلاق مضيق باب المندب أو الحدّ من النشاط الملاحي فيه. 

- الخيار الثاني يتمثّل في استهداف السفن المرتبطة بالولايات المتحدة الأميركية وحلفائها، وفقاً لمبدأ المعاملة بالمثل. وإذا كان ترامب يقلل من أهمية مضيق هرمز بالنسبة للولايات المتحدة، بالنظر إلى كفاية إنتاجها النفطي والغازي، فإنّ ذلك لا يلغي وجود مصالح لشركات أميركية كثيرة سوف تتضرّر، وهي ليست بالقليلة، شركات تجارية واستثمارية وخدمية وغيرها.

فضلاً عن التأثّر الطبيعي بتقلّبات أسعار السلع والمواد العالمية، حتى لو كانت منتجة محلياً. فعلى سبيل المثال، شهد البنزين المنتج محلياً في الولايات المتحدة ارتفاعاً ملحوظاً في أسعاره للمستهلك خلال الفترة الماضية، تأثّراً بالأسعار العالمية، وهكذا. 

-الخيار الثالث، وهو الأخطر كونه ينذر بتجدّد الحرب، ويتمثّل في استهداف القوات الإيرانية للقطع البحرية العسكرية الأميركية التي تفرض حصاراً على الموانئ الإيرانية. ومثل هذا الحدث الخطير ليس مستبعداً في ظلّ أيّ عمل عدواني تقوم به هذه القطع ضدّ السفن والمصالح الإيرانية في منطقة الخليج أو خارجها، وقد سبق أن وجّهت إيران ضربات مؤلمة لعدد من هذه القطع، الأمر الذي جعلها ترسو بعيداً. 

حصار بالاسم!

الاعتقاد السائد لدى معظم المحلّلين والسياسيين أنّ واشنطن لن تفرض حصاراً بحرياً شاملاً وحازماً كما تروّج له في الإعلام، وإنما حصاراً يحفظ لها ماء وجهها، بدليل ما أعلنته وسائل إعلام إيرانية مؤخّراً عن تمكّن سفن نفطية إيرانية من عبور مضيق هرمز من دون التعرّض لأيّ حادث، رغم ادّعاءات البحرية الأميركية بمنع عدة سفن إيرانية من العبور.

وهذا الاعتقاد له سببان:

- السبب الأول أنّ حصار الموانئ الإيرانية لن يلحق الضرر فقط بمصالح طهران الاقتصادية، وإنما كذلك بمصالح شركائها التجاريين الرئيسيين كالصين والهند واليابان وغيرها. وواشنطن ليست بوارد الدخول حالياً في مرحلة جديدة من التصعيد الاقتصادي ضدّ هذه الدول بعد ملف الرسوم الجمركية، واختطاف الرئيس الفنزويلي، والسيطرة على نفط البلاد، إلا إذا كان ترامب قد فقد صوابه بالكامل. 

- والسبب الثاني مفاده مسعى الولايات المتحدة الهادف إلى تأمين خروج مشرّف من هذه الحرب، التي كانت "كارثية" على إدارة ترامب وعلى سمعة بلاده الدولية. ولذلك، فإنّ واشنطن لن تقدم على أيّ خطوة من شأنها تفجير المفاوضات الجارية عبر الوسيط الباكستاني، فهي تعلم جيداً كلفة حدوث مثل ذلك، وإن كانت، في المقابل، تريد ممارسة أقصى الضغوط للوصول إلى مبتغاها، ولكن بحذر شديد. 

ومع ذلك، فإنه يجب توقّع حدوث كلّ شيء، أو توقّع الأسوأ، مع استمرار وجود ترامب في البيت الأبيض؛ لأنه ببساطة لا يقيم وزناً لمصالح بلاده على المدى القريب أو البعيد، ولا يُخضع أفكاره وسلوكيّاته لمنطق العقل والعلم.

فهو، في مجمل مشاريعه ومواقفه وسياساته، أقرب إلى صفة المغامر منه إلى صفة رجل الدولة الحريص على مصالح شعبه وأمّته. وحتى صفة رجل الأعمال، التي حاول البعض من خلالها تبرير سياساته، لا تنطبق عليه، إذ إنّ ما ترتّب على سياساته من خسائر كان أكبر بكثير من المكاسب والأرباح التي حقّقتها لبلاده، إلا إذا كان المقياس هو مصالحه ومكاسبه الشخصية، فذلك أمر آخر تماماً.