الصراع التركي الإسرائيلي وترامب بينهما

تركيا و"إسرائيل" في مواجهة نفوذية متصاعدة في سوريا، وسط تنافس على النفوذ الإقليمي والترتيبات الأمنية وتوازن القوى في المنطقة.

0:00
  • الصراع التركي الإسرائيلي وترامب بينهما
    الصراع التركي الإسرائيلي وترامب بينهما

هل ستتواجه "إسرائيل" وتركيا في سوريا؟ أم أنها رسائل تحذيرية مباشرة حملتها الغارة الإسرائيلية في ريف إدلب إلى تركيا. الغارة استهدفت مطار أبو الظهور العسكري، الضربات حصلت بعد ساعات قليلة من زيارة وفد عسكري تركي للمطار لمعاينته وبدء خطوات أولية لإعادة تأهيل مدرجه. لكنّ الموضوع الأساسي ليس المطار بل النفوذ التركي الذي يتمدّد من سوريا الى لبنان والمنطقة.

تعكس الغارات غضباً إسرائيلياً من التعاون المتنامي بين حكومة أحمد الشرع وأنقرة في مجالات التدريب والدفاع وإعادة بناء سلاح الجو السوري الجديد. تهدف "إسرائيل" إلى منع تحويل المطارات القريبة من الحدود التركية إلى منصات للمسيّرات أو الطائرات، لضمان استمرار تفوّقها الجوي وحرية حركتها في سماء سوريا، فهي تخشى أن يفرض الوجود التركي قيوداً مستقبلية على تحرّكاتها. 

سلسلة مواقف أطلقها إردوغان أزعجت "إسرائيل"، فهو حمّلها المسؤولية الأولى عن إشعال الحروب في المنطقة حيث دفعت الدول أثماناً باهظة. أكّد عدم ترك غزة ولبنان بمفردهما في مواجهة الاعتداءات؛ وأشار إلى أنه بحث ضرورة وقف الحرب على لبنان مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال زيارته الأخيرة لأنقرة.

 جدّد التزام بلاده بدعم الاستقرار في ليبيا وأكّد العلاقة الجيدة مع رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، وشدّد على أنّ اتفاقية الدفاع المشترك التي وُقّعت مؤخّراً في مكة بين (تركيا، السعودية، وباكستان) تعتمد مبدأ الدفاع الجماعي الشبيه بـ"المادة الخامسة" في حلف الناتو؛ حيث يُعتبر أيّ اعتداء على أيّ دولة منها اعتداءً على الجميع. وأكّد أنّ الأبواب مفتوحة أمام دول أخرى، مشيراً إلى أنّ انضمام مصر للاتفاقية مستقبلاً أمر ممكن ومرحّب به.

وقال إنّ بلاده تسعى للسلام، لكنها لن تتردّد مطلقاً في خوض الحرب والدفاع عن نفسها إذا تعرّضت لأيّ هجوم خارجي. وأكّد الحرص على العلاقات مع الإدارة السورية الجديدة مع الالتزام بتقديم كلّ الدعم لاستقرار سوريا، وأشار إلى أنّ الكرد هناك سينالون نصيبهم من السلام والأمان مع الحفاظ على وحدة البلاد، وبعد تراجع قوة حزب الله، تحاول أنقرة تعزيز حضورها السياسي والاقتصادي لدعم المكوّنات المحلية هناك.

"إسرائيل" وما تخشاه من تنامي نفوذ تركيا 

لم تلتزم "إسرائيل" بأيّ اتفاق مع سوريا، فهي تخشى أن يؤدّي الإشراف التركي على المطارات والقواعد السورية إلى نقل تكنولوجيات عسكرية متطوّرة إلى دمشق، مما يهدّد التفوّق النوعي الإسرائيلي في المنطقة. وهي تنظر بحذر إلى "اتفاقية مكة" للدفاع المشترك التي جمعت تركيا والسعودية وباكستان. 

تسعى عبر رسائلها الخشنة إلى توضيح أنّ مفاعيل هذه الاتفاقية ومبدأ الردع الجماعي فيها يجب أن يقتصرا على حماية الخليج ومواجهة تداعيات الحرب مع إيران، ولن يُسمح بتمديد مظلّتها الأمنية لتشمل سوريا ولبنان لتصبح في مواجهة مباشرة مع "إسرائيل". 

تريد "إسرائيل" إفهام تركيا أنّ لبنان يقع ضمن دائرة الترتيبات الأمنية اللصيقة بها وبالتنسيق مع القوى الغربية فقط، ولا مكان فيه لأيّ دور عسكري أو استخباراتي تركي مباشر. ما يزعج "إسرائيل" هو تحرّك أنقرة وفق استراتيجية دقيقة تضمن عدم الانجرار إلى الصراع الإقليمي المباشر، مع السعي لملء الفراغ الجيوسياسي الناتج عن إضعاف النفوذ الإيراني. 

عارضت أنقرة منذ البداية الحملة العسكرية الأميركية الإسرائيلية ضدّ إيران، واعتبر الرئيس رجب طيب إردوغان الضربات انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي. ووظّفت تركيا ثقلها الدبلوماسي لتأدية دور الوسيط الناقل للرسائل بين طهران وواشنطن بهدف الحفاظ على وقف إطلاق النار وتشجيع المفاوضات. تنسّق أنقرة حالياً مع طهران وسلطنة عُمان لحثّ الإدارة الأميركية على إعادة فتح مضيق هرمز وضمان حركة الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة.

تخشى تركيا بشدّة من أيّ سيناريو يؤدّي إلى انهيار كامل للدولة الإيرانية؛ لأنّ تفتّتها قد ينعكس تنشيطاً للحركات الانفصالية الكردية العابرة للحدود، وهو ما يمسّ أمنها القومي المباشر. كما تفضّل أنقرة تراجع النفوذ الإقليمي الإيراني وانكفاء طهران داخل حدودها، مما يمنح تركيا مساحة أكبر لتعزيز طموحاتها الإقليمية في بلاد الشام والعراق من دون اصطدام مباشر.

بينما تصرّ "إسرائيل" على توجيه رسائل تحذيرية حازمة لتركيا لردعها عن ملء الفراغ الجيوسياسي الناجم عن انهيار النفوذ الإيراني في الشام، مدفوعة بـمخاوف أمنية واستراتيجية تتعلّق بحدود أمنها القومي والتوازن العسكري الجديد.

فهي تخشى أن يتحوّل النفوذ التركي المتصاعد إلى جبهة مواجهة جديدة ذات طابع عقائدي أو قومي، لتعوّض غياب "المحور الشيعي" الذي أضعفته الحرب الأخيرة. تنظر الأوساط الاستخباراتية الإسرائيلية بقلق إلى طموحات أنقرة الإقليمية، وترى في تمدّدها العسكري محاولة لإعادة إحياء نفوذ جيوسياسي واسع يمتدّ من حدودها الجنوبية وصولاً إلى البحر المتوسط.

الموقف الأميركي وأنقرة

أثناء قمّة الناتو في أنقرة مدح ترامب إردوغان، وأشاد بقرار تركيا عدم دخول الحرب إلى جانب إيران، رغم قدرتها على ذلك. وفي الأيام التالية، تبيّن أنّ تركيا وقفت ضدّ خطة "إسرائيل" لتعبئة الجماعات الكردية المسلحة وجرّ الولايات المتحدة إلى حرب برية في إيران، وأدّت دوراً في إيقافها، لكنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي يسرائيل كاتس هدّدا تركيا بأنها ستكون التالية بعد إيران.

في أنقرة، التقييم هو أنّ حكومة نتنياهو ستصعّد هجماتها على الفلسطينيين في محاولة لعدم خسارة الانتخابات العامّة التي ستجرى في 27 تشرين الأول/أكتوبر التي ستسبق الانتخابات الأميركية بأسبوع واحد فقط أي في الـ 3 من تشرين الثاني/نوفمبر، والتي تعدّ ذات أهمية حيوية لترامب. يريد ترامب إنهاء الحرب مع إيران في أقرب وقت ممكن، لكن مع مطالب "إسرائيل" المستمرة، يبدو التوصّل إلى اتفاق مع إيران مستحيلاً بشكل متزايد.

ترامب، الذي تبع نتنياهو في حرب إيران، عالق الآن بين احتياجاته الخاصة قبل الانتخابات الأميركية واحتياجات اللوبي الصهيوني قبل الانتخابات الإسرائيلية. لهذا السبب لفت إردوغان انتباه ترامب إلى زيادة العنف إلاسرائيلي بعبارات بسيطة، فقوله له "أوقفوا إسرائيل" هو تعبير معتدل إلى حدّ ما. واحتمالية اتخاذ ترامب خطوات فعّالة ضدّ مطالب نتنياهو ليست مرتفعة بشكل خاصّ بسبب اللوبي الإسرائيلي القوي في واشنطBottom of Formن.

يتسم الموقف الأميركي الحالي تجاه التحرّكات والتحذيرات الإسرائيلية لتركيا بـالرفض الواضح للتصعيد العسكري والوقوف إلى جانب التهدئة، مع تقديم دعم صريح للمساعي التركية والتنسيق المشترك لإعادة الاستقرار للشام. ظهر هذا التباين غير المألوف بين واشنطن و"تل أبيب" بوضوح عقب الغارات الأخيرة على مطار أبو الظهور العسكري.

ترى إدارة ترامب أنّ تركيا شريك أساسي في إدارة الملف السوري بعد سقوط النظام السابق وضمان عدم حدوث فوضى؛ لذا، فإنها لا تقبل بالتحذيرات أو الضربات الإسرائيلية التي تستهدف تحجيم تركيا، وتضغط على "تل أبيب" لضبط النفس والاعتماد على المسارات الدبلوماسية التي ترعاها واشنطن.