النيجر: من اليورانيوم إلى البترول قراءة في تحوّلات الموارد والتحالفات
النيجر دولة غنية بالموارد تسعى إلى تعزيز سيادتها الاقتصادية وتنويع شراكاتها الدولية عبر تطوير قطاعات الطاقة والتعدين.
-
النيجر: من اليورانيوم إلى البترول قراءة في تحوّلات الموارد والتحالفات
تُعرف النيجر بأنها إحدى أبرز الدول المنتجة لليورانيوم في العالم. وفي مشهد جيوسياسي متغيّر، تسعى الدولة الواقعة في غرب أفريقيا، تحت حكم عسكري جديد يتبنّى خطاباً استقلالياً، إلى إعادة تعريف مكانتها الاقتصادية. فحرّرت ثرواتها المعدنية من قبضة الشركات الفرنسية، وشرعت في بناء شراكات جديدة ضمن إعادة هيكلة علاقاتها الخارجية.
دخلت نيامي بقوة في قطاع النفط والغاز، إنتاجاً وتصديراً، ساعية إلى الارتقاء من مجرّد مصدّر للخام إلى مركز صناعي إقليمي للطاقة. يُعزى هذا التحوّل إلى التوجّهات السياسية الجديدة في نيامي، التي تضع السيادة على الثروات واستقلال القرار الوطني في صدارة أولوياتها.
الانقلاب العسكري وجذور القطيعة مع فرنسا
يجيء التوجّه الاستقلالي في النيجر مع الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال عبد الرحمن تياني، وأطاح بالرئيس محمد بازوم الموالي لفرنسا، في 26 تموز/يوليو 2023. ومنذئذ رفع المجلس العسكري شعارات "الاستقلال الوطني" و"السيادة على الثروات". فأمر بجلاء القوات الفرنسية، وألغى اتفاقيات التعاون مع باريس، واتجه لتعزيز العلاقات مع مالي وبوركينا فاسو، وشكّلت الدول الثلاث تحالفاً عُرف بـ"تحالف دول الساحل". وتعمّقت القطيعة مع فرنسا لتشمل الملف الاقتصادي، وبخاصة اليورانيوم.
معادن النيجر: من يورانيوم "أورانو" إلى تنافس دولي
ظلّت النيجر لاعباً رئيساً في سوق اليورانيوم العالمي، إذ تحتلّ المرتبة السابعة في الإنتاج، وكانت مورداً لربع احتياجات محطات الطاقة النووية الأوروبية حتى عام 2022. كانت شركة "أورانو" الفرنسية تمسك بهذا المورد، وتدير مناجم كبيرة. لكنّ الحكومة الجديدة ألغت تراخيصها عام 2024، وأمّمت فرعها المحلي، وأعلنت في كانون الأول/ديسمبر 2025 طرح مخزون اليورانيوم للبيع في السوق الدولية "باستقلالية تامة". وقد فتح هذا الباب أمام روسيا، التي أبدت رغبتها في تعدين اليورانيوم.
لا تقتصر ثروات النيجر على اليورانيوم؛ فهي تمتلك احتياطيات من الذهب، بلغت صادراتها منه عام 2025 نحو 2.7 مليار دولار. وتعمل على إنشاء مصفاة لتكرير الذهب مع شركة "سوفارنا رويال غولد تريدينغ" ومقرها دبي. كما تمتلك احتياطيات تقدّر بنحو 300-350 ألف طن من الليثيوم، وأكثر من مليار طن من الفوسفات، وفتحت المجال للشركات الروسية لاستكشافها.
إعادة ضبط العلاقة مع الصين
بعد نجاح تجربة الصين في استخراج البترول في السودان، فتحت الخرطوم أبواب الدول الأفريقية جنوب الصحراء أمام بيجين. فدخلت الشركة الوطنية الصينية للنفط (CNPC) النيجر عام 2011، واستثمرت في حقول أغاديم، وتدير مصفاة زيندر وخط الأنابيب الممتد لأكثر من 2000 كيلومتر إلى ميناء بنين.
وفي 2026، أجرت نيامي وبيجين مفاوضات، تمخّضت عن اتفاقيات صنعت توازناً في شراكتهما. وشملت استثمار مليار دولار لرفع الإنتاج إلى 145 ألف برميل يومياً بحلول 2029، وخفض رسوم النقل من 27 إلى 15 دولاراً للبرميل، ورفع حصة النيجر إلى 45% في شركة أنابيب النفط (WAPCO)، وخلق 450 فرصة عمل للنيجريين بحلول 2030.
الشراكة مع أميركا وكندا في التكرير
وقّعت النيجر اتفاقاً بقيمة 1.9 مليار دولار مع تحالف يضمّ شركة زيمار الكندية وهاي تك الأميركية، لإنشاء مصفاة دوسو بطاقة 100 ألف برميل يومياً، أي خمسة أضعاف طاقة مصفاة زيندر الحالية. سيمكّن المشروع نيامي من تلبية الطلب الداخلي وتصدير الفائض لدول الجوار. بيد أنه يظلّ معلّقاً على تأمين التمويل خلال مهلة 12 شهراً.
يُبرز هذا الاتفاق مفارقة لافتة في السياسة النيجرية الجديدة؛ فهي تطرد القوات والشركات الفرنسية، وتلغي اتفاقياتها العسكرية مع واشنطن، وتتخذ مواقف مخالفة لما يطلبه الغرب، وفي الوقت نفسه تستقطب استثمارات أميركية وكندية في قطاع التكرير.
تعكس هذه المفارقة سياسة براغماتية تتعامل مع كلّ ملف على حدة وفقاً لتقديراتها ومصالحها. وبذلك تعيد نيامي تعريف علاقاتها مع الغرب وفق معادلة واضحة: حضور عسكري مرفوض، واستثمارات اقتصادية مرحّب بها، بشرط ألّا تترافق مع شروط أو وصاية سياسية. وكأنها تسعى إلى تنويع الشركاء، على قاعدة صون السيادة ومنع الارتهان لأيّ طرف، مع ضمان هامش مناورة.
الجزائر في العمق الاستراتيجي
تنشئ النيجر مع الجزائر، جارتها الشمالية، محوراً إقليمياً يقوم على الجيولوجيا والجغرافيا المشتركة. تمتدّ الحدود بين البلدين لنحو 950 كيلومتراً. وفي قلب هذه الشراكة مشروع حقل كفرا النفطي، حيث أطلقت الدولتان حفر آبار استكشافية في حقل كافرا الواقع في أغاديز، ضمن شراكة مناصفة بين "سوناطراك" والشركة النيجرية للبترول "سونيديب".
أما المشروع الأكثر طموحاً، فهو أنبوب الغاز العابر للصحراء ((TSGP الذي يربط نيجيريا بالجزائر عبر النيجر، ليصل إلى أسواق أوروبا. ويمنح هذا المشروع نيامي دوراً محورياً كـ"ممر طاقة" بين أفريقيا والعالم، ويعزّز مكانتها كعقدة وصل في شبكة الطاقة الإقليمية. وبالنسبة للجزائر، يشكّل جسراً لنقل صادراتها الغازية إلى أوروبا عبر ممرّ جديد. ويعود المشروع على النيجر بعائدات مالية تعزّز اقتصادها، ويؤكّد دورها الاستراتيجي كدولة عبور.
خطوط نقل البترول والغاز: عروق الطاقة في الصحراء
تمثّل خطوط نقل النفط والغاز البنية التحتية الأكثر حساسية في استراتيجية النيجر الطاقوية، فهي شرايين حياة تربط بين الاستخراج والتصدير، وبين الإنتاج المحلي والأسواق الخارجية. وتعكس هذه الشبكات موقعها الجيوسياسي كدولة حبيسة تعتمد على جيرانها للوصول إلى البحر، ممّا يجعلها عرضة للضغوط الخارجية، وفي الوقت نفسه لاعباً محورياً في مشاريع عبور الطاقة العابرة للقارات. وتتوزّع مشاريع خطوط النقل على ثلاثة مسارات رئيسة:
أولاً: خط أنابيب النيجر ـــــ بنين ، بطول 1980 كيلومتراً، وهو المنفذ الوحيد لصادرات نفط نيامي، ويربط حقول أغاديم بميناء سيميه بودجي. يديره تحالف تقوده CNPC الصينية. واعتماد نيامي الكامل على هذا الممرّ منح بنين نفوذاً، تجسّد في تهديداتها السابقة بإغلاق الخط وسط خلافات سياسية.
ثانياً: مشروع الغاز العابر للصحراء (TSGP)، بطول يتجاوز 4000 كيلومتر، ويربط نيجيريا والنيجر والجزائر، لنقل الغاز النيجيري إلى أوروبا. وقد سبق ذكر فوائده لنيامي.
ثالثاً: خطوط مصفاة دوسو المرتقبة، وستربط المصفاة، بحسب الاتفاق، بالأسواق المحلية والإقليمية، خاصة دول الجوار غير الساحلية مثل مالي وبوركينا فاسو.
النيجر في فضاء متعدّد الأقطاب
ترسم هذه القراءة صورة النيجر كدولة تتحرّك في فضاء جيوسياسي مزدحم: تتفاوض بقوة مع الصين، وتفتح أبوابها لروسيا، وتتعاون مع الجزائر، وتستقطب استثمارات غربية في التكرير. ويتيح كلّ ذلك لنيامي توظيف موقعها الجغرافي وثرواتها المتنوّعة لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، تصون السيادة وتسهم في النهوض، متى أحسنت إدارة الحسابات.
بين إرث الماضي وتحدّيات المستقبل
تثقل كاهل النيجر تحدّيات داخلية: فقر مدقع، واضطراب أمني، وضعف في البنى التحتية، وتلوّث إشعاعي ناتج عن عقود من التعدين الفرنسي. غير أنها أمام فرص توفّرها موارد هائلة، انتفعت بها فرنسا وحدها، وحان وقت توظيفها لصالح النيجر ومواطنيها. لكنها تدرك أنّ ذلك لا يتأتى من دون شروط: قدرة وطنية على صون الاستقلال، ووحدة وطنية جامعة، وشراكات منصفة وآمنة. ويبقى السؤال: هل تنجح النيجر في ذلك؟