ترامب يدمر دبلوماسية أميركا وثقة العالم بها
من استخدام المفاوضات ذريعة لشن هجمات مفاجئة إلى اختطاف واغتيال رؤساء دول والنكوص بالالتزامات الأميركية – بما فيها التزاماته – سيظل العطب الذي ألحقه ترامب بالدبلوماسية الأميركية واضحًا سنوات مديدة.
-
ترامب يدمر دبلوماسية أميركا وثقة العالم بها
مع ولوج الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران شهرها السادس، يتضح للجميع، باستثناء أكثر الموالين لترامب نفاقًا والمتعاطفين مع "إسرائيل" الميّالين للحرب، أن الحرب مُنيت بفشل مشهود.
حرب عدوانية كان يفترض أن تُشعل ثورة، لكنها بدلاً من ذلك حشدت الدعم الشعبي للحكومة الإيرانية في تحدٍّ لمُضطهدي البلاد، الذين قتلوا آلاف المواطنين ودمروا البنية التحتية المدنية. ويبدو أن حربًا شُنّت لتحييد خصم "إسرائيل" الرئيس ستجعل بالتأكيد هذا الخصم أقوى جيوسياسيًا بكثير من السابق، بينما تدفع الدعم الأميركي لـ"إسرائيل" إلى أدنى مستوياته.
بجانب إهداره أرواح جنود أميركيين في حرب غير دستورية شُنّت بذرائع كاذبة، فقد أدى خطأ ترامب إلى استنزاف الترسانة الأميركية ودفع البلاد لديون أكثر بنحو 100 مليار دولار. في غضون ذلك، كلما طال أمد تأجيل ترامب لإعلان هزيمته الحتمي، ازداد خطر وقوع كارثة اقتصادية لا تجتاح أميركا فحسب، بل العالم أجمع.
يقول الكاتب الأميركي، برايان ماكغلينشي، إذا أمكن تجنب هذا الكابوس، فغالباً سنجد ترامب قد ألحق أطول عطب بأصل قومي بالغ الأهمية لكنه غير ملموس: قدرة الدبلوماسية الأميركية على الاشتباك الإيجابي الفعال مع نظرائها بالعالم.
من استخدام المفاوضات ذريعة لشن هجمات مفاجئة إلى اختطاف واغتيال رؤساء دول والنكوص بالالتزامات الأميركية – بما فيها التزاماته – سيظل العطب الذي ألحقه ترامب بالدبلوماسية الأميركية واضحًا سنوات مديدة. بالطبع، لا يعني هذا أن سمعة السياسة الخارجية الأميركية كانت متألقة قبل وصول ترامب إلى السلطة، بل يعني أنه وفريقه استطاعوا جرّها إلى مستويات متدنية للغاية.
بحسب ماكغلينشي، يُجسد تعاون ترامب مع "إسرائيل" لشنّ حرب غير مبررة على إيران أحد أسوأ قرارات السياسة الخارجية في تاريخ الجمهورية الأميركية. لكن، من المهم إدراك أن ترامب أعدّ لكارثة عام 2026 قبل ثماني سنوات: ففي مايو/أيار 2018، وبتحريض من مستشار الأمن القومي آنذاك جون بولتون، والمتبرعين [الصهاينة] لترامب الذين يُفضّلون "إسرائيل"، انسحب ترامب من الاتفاق النووي الإيراني.
إلغاء الاتفاق النووي والثقة بأميركا
كان الاتفاق النووي الإيراني تتويجًا لعامين من المفاوضات المضنية حول بنود فنية دقيقة، أجراها ممثلون ليس فقط عن الولايات المتحدة وإيران، بل أيضًا عن الصين وفرنسا وألمانيا وروسيا والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.
بموجب الاتفاق النووي، أقرّت إيران قيوداً كبيرة على برنامجها العلمي للطاقة النووية مقابل رفع عقوبات اقتصادية قاسية مفروضة عليها. ومن بين بنود الاتفاق إلزام إيران بالتخلص من اليورانيوم متوسط التخصيب، وخفض 98% من مخزون اليورانيوم منخفض التخصيب، وتثبيت نسبة التخصيب المستقبلي عند 3.67%، والموافقة على مراقبة خارجية إضافية، وتعطيل مفاعل الماء الثقيل.
واستجابةً لرغبات أنصار "إسرائيل" المتحمسين، ولجمهوريين توّاقين لاعتبار أي اتفاق أنجزته إدارة أوباما خيانة عظمى، هاجم ترامب بشراسة الاتفاق النووي الإيراني طوال حملة 2016 الانتخابية، معلناً "أولويته القصوى تفكيك هذا الاتفاق الكارثي مع إيران". بعد تعيينه مستشارًا للأمن القومي في أبريل/نيسان 2018، سارع بولتون – الداعي إلى الحرب على إيران – إلى حث ترامب على الوفاء بوعوده بإلغاء الاتفاق النووي، رغم التزام إيران الكامل به.
آنذاك، قال مارتن مالين، من مركز بيلفر للدراسات: "تُظهر خطوة ترامب أن أميركا لا يُمكن الوثوق بها في الوفاء بوعودها. ستؤدي الخطوة إلى تصعيد التوترات في شرق أوسط متوتر أصلًا، وستُعطي ذريعة للمتشددين والمدافعين عن القنبلة النووية في إيران".
بعد انسحاب ترامب وإعادة العقوبات السابقة، انتظرت إيران عامًا كاملا، قبل البدء بالتراجع عن التزاماتها، بزيادة نسبة تخصيب اليورانيوم كورقة ضغط للوصول إلى اتفاق جديد وتخفيف العقوبات.
بعد إنكار إيران تطوير سلاح نووي – واعتبرته أجهزة الاستخبارات الأميركية صحيحاً مراراً وتكراراً – عادت للتفاوض خلال ولاية ترامب الثانية، مستعدة مرة أخرى للتخلي عن اليورانيوم عالي التخصيب. في الواقع، قبل أقل من 48 ساعة من العدوان الأميركي- الإسرائيلي في 28 فبراير/شباط، قدمت إيران تنازلات شملت تخفيف اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، ووقف التخصيب الجديد لعدة سنوات، وتحديد نسبة التخصيب لاحقاً بنحو 20%، وتوسيع نطاق إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
فوجئ مستشار الأمن القومي البريطاني، جوناثان باول، بقوة العرض الإيراني، باعتباره سببًا للأمل في تجنب الحرب. لكن آماله وآمال غيره كانت على وشك التبدد.
تتعدد جوانب اعتداء إدارة ترامب على الدبلوماسية، لكن لا شيء أفظع من استغلال مفاوضات جارية كوسيلة لشن هجوم مفاجئ على شريك في المفاوضات، وتضمن الهجوم اغتيال رئيس الدولة.
هذا بالضبط ما فعلته إدارة ترامب بإيران في 28 فبراير/شباط 2026. فعقب الجولة الثالثة من المحادثات بجنيف في 26 فبراير/شباط، تَقَرّر أن تُجري الدولتان ما وُصف بمناقشات فنية في الأسبوع التالي. بدل ذلك، وبالتحالف مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، شنّ ترامب حربًا واسعة النطاق على إيران. وبالإضافة إلى مقتل 168 تلميذة في مدرسة ابتدائية، ومئات المدنيين والمجندين، أسفر الهجوم الأول عن استشهاد المرشد الأعلى السيد علي خامنئي، وابنته، وزوج ابنته، وحفيدته الرضيعة.
تحويل المفاوضات إلى "خدعة مُدبّرة"
فاقم روبيو تقويض مصداقية أميركا بمحاولة تصوير الهجوم المفاجئ دفاعيًا. قال روبيو: "كنا نعلم أن إسرائيل ستشنّ عملاً ما، ما سيؤدي إلى هجوم على القوات الأميركية، وكنا نعلم أننا إذا لم نبادر بالهجوم قبل شنّهم تلك الهجمات، فسنتكبد خسائر أكبر". لاحظ مراقبون بسرعة أنه بصرف النظر عن وضع "إسرائيل" كدولة ذات سيادة، فإن اعتمادها على واشنطن يعني أن ترامب يملك فعلياً حق نقض أي ضربة إسرائيلية، ما يجعل بقية تبريرات روبيو واهية.
لم يكن شهر فبراير/شباط أول مرة تخدع فيها دبلوماسية إدارة ترامب غير الصادقة إيران لشن هجوم مفاجئ. ففي يونيو/حزيران 2025، أكملت الإدارة خمس جولات تفاوض مع إيران وحددت موعداً لجولة سادسة في 15 يونيو/حزيران. وفي 13 يونيو/حزيران، شنت "إسرائيل" هجوماً على إيران، لم يكن مفاجئاً لترامب، الذي تبجّح بأن "إسرائيل" أبلغته به مسبقاً. وفي 22 يونيو/حزيران، انضم ترامب إلى الحرب بعملية "مطرقة منتصف الليل"، وقصفت منشآت إيران النووية.
بجانب أن الهجمات المفاجئة جوهرياً غير أخلاقية، يُقوّض اندلاعها أثناء التفاوض مصالح أميركا بالمدى البعيد، إذ يؤجّج انعدام الثقة لدى كل من شهد هذه الخيانة الصارخة. بعد بدء الحرب الشاملة في 28 فبراير/شباط 2026، كتب أستاذ القانون في جامعة واشبورن، علي خان، عن عواقب تحويل المفاوضات إلى "خدعة مُدبّرة":
"إن خرق حسن النية يُنبئ العالم أجمع أن من العبث إبرام أي اتفاق مع من سيفعل العكس بعد خلق توقع أو اعتماد لدى الطرف الآخر. ستتردد للغاية إيران، أو أي دولة، في الوثوق بإدارة ترامب مجدداً في مفاوضات مستقبلية".
يشار إلى أنه يجب عدم افتراض أن انعدام الثقة العالمي سيرتبط ارتباطاً وثيقاً بترامب لدرجة زواله بمجرد مغادرته منصبه. ففي إدارته، هناك على الأقل اثنان من المرشحين المحتملين لخلافته في الرئاسة، ماركو روبيو وجيه دي فانس، فضلاً عن شيوخ ونواب وحكام ولايات هلّلوا لسلوك ترامب الشائن، ويميلون لمحاكاته. ولا تتوهموا للحظة أن الديمقراطيين محصّنون من اتباع سوابق رئاسية ضارة، مهما كانت تعليقاتهم عندما يرسخها رئيس جمهوري.
بانسحابه من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018، نكث ترامب بعهد أبرمه رئيس سابق، كما نكث أيضاً بتعهداته مراراً وتكراراً.