اللوبي الإسرائيلي في أميركا: من الرصيد السياسي إلى العبء الانتخابي

تحوّل دعم "إيباك" و"إسرائيل" في الولايات المتحدة من رصيد سياسي وانتخابي إلى عبءٍ انتخابي، بالتزامن مع تراجع التأييد الشعبي وتزايد الجرأة الأكاديمية والسياسية في نقد نفوذ اللوبي الإسرائيلي والسياسة الإسرائيلية.

  • اللوبي الإسرائيلي في أميركا: من الرصيد السياسي إلى العبء الانتخابي
    اللوبي الإسرائيلي في أميركا: من الرصيد السياسي إلى العبء الانتخابي

ثمة تحولات كبرى تحصل في الولايات المتحدة الأميركية في ما يتعلق بالنظرة إلى "إسرائيل".

مؤشرات عديدة تتراكم لتؤكد هذا الأمر، ولعل أبرزها ما يحصل على مستوى الانتخابات، وكذلك على المستويين الفكري والأكاديمي.

فبعد عقود من اعتبار دعم "إيباك" رصيداً للمرشحين والراغبين في الوصول إلى مواقع القرار أو تبوؤ المناصب المهنية الرفيعة، أصبح هذا الدعم اليوم، في حالات عديدة، عبئاً انتخابياً وسياسياً.

وبعد سنوات من الصمت تجاه تأثير اللوبي الإسرائيلي في السياسة الأميركية، إلى حد اعتباره "تابو"، نشهد كسراً متزايداً لهذا المحرّم.

كتاب "اللوبي الإسرائيلي: أميركا في قبضة قوة أجنبية"، للصحفي إيلي كليفتون وأستاذ العلوم السياسية إيان لوستيك، الذي صدر في الولايات المتحدة في الشهر الحالي، يشكل أحد أبرز الأدلة وأكثرها قوة على الأمرين معاً.

ليست المسألة مجرد صدور كتاب جديد، حتى لو كان يتناول مسألة تهمنا، وفي توقيت فرضته تطورات منطقتنا وأدت إلى تحولات كبرى.

صدور الكتاب يعكس حصول قفزة نوعية على المستوى الأكاديمي والفكري في التعاطي الأميركي مع "إسرائيل"، ويطرح في الوقت نفسه قضية تراجع تأثير "إيباك" في الانتخابات الأميركية.

يتضمن الكتاب محاولة جادة لتتبع المال السياسي وتأثيره في الانتخابات، وقدرة اللوبي الإسرائيلي على مكافأة السياسيين أو معاقبتهم.

كما يعرض لتطور نفوذ "إيباك"، من الضغط على أعضاء الكونغرس إلى استخدام المال الانتخابي للتأثير في من يصل إلى الكونغرس أصلاً.

واللافت أن الكتاب صدر قبل الانتخابات التمهيدية الأخيرة في ولاية ميشيغان، التي جاءت نتائجها لتؤكد، في أحد جوانبها، ما أورده. ففي واقعة غير مسبوقة في تاريخ منظمة الضغط الأشهر في واشنطن، أنفقت "إيباك" نحو 31.7 مليون دولار ضد مرشح الحزب الديمقراطي عبد الرحمن السيد، ومع ذلك فاز بالانتخابات التمهيدية.

وبعد أن كان دعم "إيباك" مصدر فخر، ومسألة يتسابق المرشحون للحصول عليها باعتبارها أحد مفاتيح الفوز، انقلبت الصورة.

أصبحت مواجهة "إيباك" من جانب بعض المرشحين، وإنفاق ملايين الدولارات في مواجهتهم، وسيلة للتعبير عن المظلومية التي يتبناها المرشح، وتحولت إلى عنصر يمكن أن يستقطب أصوات الناخبين الأميركيين.

هكذا تحولت "إيباك"، في بعض السباقات الانتخابية، من رصيد سياسي إلى عبء ونقطة ضعف انتخابية.

أما الأكثر إثارة في المشهد الانتخابي الحالي، فهو أن مرشح الجمهوريين في الانتخابات العامة في ولاية ميشيغان، مايك روجرز، أصبح يخشى من الارتباط العلني بـ"إيباك".

وقد كشف موقع "أكسيوس" أن حملة روجرز طلبت من "إيباك" عدم دعمه علناً، خشية أن تصبح علاقة المرشح بها عبئاً انتخابياً، في ظل تغير المزاج الشعبي بسبب الإبادة التي مارستها "إسرائيل" في غزة.

لم تبقَ المسألة حكراً على ولاية ميشيغان، فقد شهدت ولايات أخرى سلوكاً انتخابياً ونتائج تؤكد حصول هذا التحول النوعي.

وترافقت نتائج الانتخابات مع استطلاعات رأي لا تقل دلالة.

ففي نيسان 2026، أظهر استطلاع رأي لمركز "بيو" أن 80% من الديمقراطيين يقولون إن لديهم نظرة غير إيجابية إلى "إسرائيل"، مقارنة بـ69% في عام 2025 و53% في عام 2022.

أما في شباط 2026، فقد أظهر استطلاع لمؤسسة "غالوب" أن الديمقراطيين أصبحوا يميلون إلى تفضيل الفلسطينيين على الإسرائيليين من حيث التعاطف، فيما انخفضت، حتى بين الجمهوريين، النظرة الإيجابية إلى "إسرائيل" بصورة ملحوظة.

هذه الظواهر، سواء على مستوى الانتخابات أو استطلاعات الرأي، ليست وحدها ما يظهر حجم التحول. فالولايات المتحدة الأميركية تشهد جرأة مستجدة في طرح أسئلة كانت، حتى وقت قريب، تُعد نوعاً من "التابو".

عندما صدر كتاب "من يجرؤ على الكلام: الشعب والمؤسسات في مواجهة اللوبي الإسرائيلي" في العام 1985، لبول فندلي، الذي كان نائباً في الكونغرس، ساهم في كسر حاجز الصمت تجاه القضية، لكن تأثيره بقي محدوداً. تحدث فندلي عن تجربته الشخصية ودور "إيباك" في خسارته الانتخابية في انتخابات عام 1982، بسبب مواقفه من السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط.

كما جمع الكاتب حالات وأمثلة وأسماء من داخل الكونغرس والإدارة والإعلام والجامعات، محاولاً إظهار الطرق التي تُمارَس بها الضغوط السياسية على من ينتقد السياسات الإسرائيلية أو يدعو إلى موقف أميركي أكثر توازناً.

إلا أن تأثير الكتاب كان محدوداً، خاصة لدى الرأي العام الأميركي.

أما في العام 2007، فشهدت واشنطن صدمة بعد صدور كتاب "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية" لجون ميرشايمر وستيفن والت.

وذلك لسببين: الأول، أن شخصيتين من الوزن الأكاديمي الكبير جداً، ومن قلب المؤسسة الأكاديمية الأميركية، تناولتا القضية الشائكة التي تردد أكاديميون كثر في الاقتراب منها، خشية أي خسارة شخصية أو مهنية يمكن أن تنتج عن ذلك.

والثاني، والأهم، أن الكاتبين لم يتحدثا عن مال سياسي يُستخدم، أو خسارة أشخاص وفوز آخرين، وإنما طرحا إشكالية أن اللوبي الإسرائيلي قد يدفع إلى سياسات لا تتطابق مع المصلحة الأميركية.

وهنا وقع الانفجار السياسي والفكري، أو ما أسماه أحد مراكز الدراسات التابعة لهارفارد بعاصفة من "صيحات الغضب" و"هتافات التأييد".

وبعد نحو عشرين عاماً، وبعد تنفيذ الجيش الإسرائيلي للإبادة في غزة، يصدر كتاب كليفتون ولوستيك، "اللوبي الإسرائيلي: أميركا في قبضة قوة أجنبية"، ليؤكد أن ما كان محظوراً أصبح متاحاً، وأن كثيرين في الولايات المتحدة الأميركية تحرروا من الخوف من تكلفة اجتماعية وسياسية ومهنية مرتفعة نسبياً لإثارة الموضوع.

وقد وصفت مجلات متخصصة بالكتب في واشنطن الكتاب بأنه "تاريخ سياسي شديد الجدل للعلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة و"إسرائيل"، واعتبرته "إنذاراً جدياً" بشأن تأثير اللوبي المؤيد لـ"إسرائيل" على السياسة الخارجية.

جمع الكتاب بين تأثير "إيباك" على السياسة الخارجية والداخلية الأميركية على السواء، والأخطر، وفق الكتاب، أن هذا التأثير قد يؤدي إلى ما يتعارض مع المصالح الأميركية.

ويعرض الكتاب لتأثير اللوبي في الرؤساء الأميركيين، الذين منعهم نفوذه المتعاظم من ممارسة ضغط على "إسرائيل"، وإلا فإنهم سيصطدمون بتكلفة سياسية كبيرة.

ويتحدث الكتاب عن تجارب نيكسون وكارتر وجورج بوش الأب وكلينتون، وصولاً إلى أوباما، الذي وقّع الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، وكيف قاد اللوبي الإسرائيلي حملة إنفاق كبيرة لمعارضته.

ويتحدث الكاتبان عن نجاح اللوبي في جعل انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية مكلفاً سياسياً وأكاديمياً وإعلامياً.

ويصل الكتاب إلى المرحلة الحالية، ما بعد 7 أكتوبر، ويعتبر كليفتون ولوستيك أن الإبادة التي مارسها الإسرائيليون في غزة أصبحت نقطة تحوّل في النقاش الأميركي حول العلاقة مع "إسرائيل".

ويرى المؤلفان أن استمرار الدعم الأميركي لـ"إسرائيل"، رغم الكلفة السياسية والأمنية والإنسانية، يمثل دليلاً على خلل في دوائر القرار الأميركي.

يؤكد الكتاب الجديد أن "إسرائيل" أصبحت موضوعاً خلافياً داخل السياسة الأميركية، وليس مجرد قضية تحظى بإجماع نسبي بين الحزبين كما كان الحال في الماضي.

وأنها تواجه اليوم بيئة شعبية وسياسية تطرح الأسئلة التي كانت ممنوعة سابقاً، ارتباطاً باللحظة السياسية الحالية التي تسمح بتحويل قضية "إيباك"، وما يستتبعها من عناوين مثل صورة "إسرائيل" في الولايات المتحدة الأميركية، إلى قضية سياسية وانتخابية وجماهيرية.