العقل الاستراتيجي الأميركي: من "كش ملك" بريجنسكي إلى كارثة هرمز
الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران مأزقٌ جيوسياسيٌّ انتهى بتعزيز التحالف الإيراني الروسي الصيني وتراجع الهيبة الأميركية.
-
العقل الاستراتيجي الأميركي: من "كش ملك" بريجنسكي إلى كارثة هرمز
كانت الميزة في هذه الحرب المستمرة بأشكال مختلفة، مفاجآت سلوك العقل السياسي الأميركي، الذي لم يتقيّد بما وضعه زبيغنيو بريجينسكي من قواعد التخطيط الاستراتيجي للسياسة الأميركية، والسير بها، على الرغم من استمرار هيمنة ظلّه على طرائق التفكير للباحثين الأميركيين، ذوي الأثر الأكبر في رسم السياسات الخارجية، لدوام الهيمنة القطبية، إلا أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب أطاح بكلّ نظريات السياسة الدولية، ليبتدع نظرية جديدة من واقع طرائق تفكيره الاحتيالية.
في كتابه "رقعة الشطرنج الكبرى" (1997)، رسم زبيغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأسبق، خريطة للهيمنة الأميركية في القرن الحادي والعشرين. كان جوهر رؤيته بسيطاً: أوراسيا هي رقعة الشطرنج التي تُحسم عليها صراعات القوة العالمية، والولايات المتحدة هي اللاعب الأكبر الذي يجب أن يمنع ظهور أيّ قوة منافسة أو تحالف قوى يستطيع السيطرة على هذه الرقعة. وحدّد "المحاور الجيوسياسية" – دولاً مثل إيران وتركيا – التي تستمدّ أهميتها من موقعها الجغرافي وليس من قوتها الذاتية.
لكنّ بريجنسكي، رغم عبقريته، أدرك أنّ إيران ليست مجرّد "محور جيوسياسي"، بل هي "لاعب جيوسياسي" قادر على إعادة تشكيل التوازنات في منطقة تمتدّ من الخليج إلى آسيا الوسطى والقوقاز. وحذّر من أنّ المواجهة العسكرية المباشرة مع قوى بهذا الحجم تحوّلها من حالة التوازن القابل للإدارة إلى حالة انفلات غير محسوب. وكان تحذيره الأكثر صراحة: "السيناريو الأكثر خطورة هو تحالف كبير بين الصين وروسيا وربما إيران، تحالف 'مناهض للهيمنة' لا تجمعه أيديولوجيا بقدر ما تجمعه مظالم متكاملة". تحذيرٌ تجاهلته واشنطن، فكان أن تحقّق السيناريو ذاته الذي حذّر منه.
إيران في عقل بريجنسكي: المحور الذي لا يُحتوى
لم ينظر بريجنسكي إلى إيران بوصفها مجرّد خصم أيديولوجي للولايات المتحدة، بل باعتبارها دولة محورية "تقع عند تقاطع الخليج وآسيا الوسطى والقوقاز، وتمتلك من المقوّمات الجغرافية والديموغرافية والسياسية ما يجعل تجاهلها أو محاولة استبعادها من الترتيبات الإقليمية أمراً غير واقعي". هو لم يدعُ إلى إسقاطها، بل إلى احتوائها أو إدماجها إقليمياً.
وجاء تحذيره الأكثر صراحة في عام 2012، عندما قال لـCNN: "إذا استطعنا ردع الاتحاد السوفياتي... فلماذا لا نستطيع ردع إيران؟". كان السؤال يحمل في طيّاته إجابة ضمنية: الردع ممكن، لكنّ الحرب الشاملة ليست الحلّ. واشنطن اليوم تدفع ثمن تجاهل هذه النصائح.
من الشطرنج إلى الغولف: عندما يلعب ترامب بلعبة مختلفة
لكنّ إدارة ترامب لم تلعب الشطرنج. لقد لعبت لعبة مختلفة تماماً. كما يصف المحللون، تحوّلت الاستراتيجية الأميركية من "شطرنج" بريجنسكي إلى "غولف" ترامب – هوس بضربة واحدة من نقطة الانطلاق إلى الحفرة. الاتفاقيات تُنقض بحركات مسرحية، والعقوبات تُستخدم كأدوات حادّة، والعمليات العسكرية تُصوّر كضربات حاسمة يجب أن تعيد تشكيل مناطق بأكملها بضربة واحدة. النية هي الهيمنة، لكنّ النتيجة هي "وهم السيطرة".
ففي السنوات التي كانت واشنطن "تتأرجح" (كلاعب غولف)، كانت إيران "تتمركز" (كحائك للسجاد ينسج دوره على رقعة الشطرنج في غرب آسيا الأوراسية بهدوء وصبر وتانٍّ). استثمرت طهران عقوداً في التعليم والرعاية الصحية والتنمية العلمية، لتُشكّل نسيجاً اجتماعياً صامداً ومختبراً بالحروب. وعندما جاءت اللحظة، كان ردّها محسوباً، غير متماثل، ومتجذّراً في القدرة على التحمّل.
مأزق "كش ملك": عندما يصطدم الشطرنج بالسجّاد
المشكلة الجوهرية في الاستراتيجية الأميركية هي أنها تعاملت مع إيران كـ"ملك" في لعبة شطرنج يمكن إسقاطه بضربة قاضية. لكنّ إيران لم تكن ملكاً ينتظر الإسقاط؛ كانت حائك سجّاد، رسم لوحة بدقّة لليوم التالي. الرئيس الأميركي لم يلعب مع لاعب شطرنج يتحرّك ضمن مربّعات محدّدة، بل مع خصم يعيد تعريف اللعبة نفسها.
استراتيجية بريجنسكي كانت تقوم على فرضيّة أنّ السيطرة على أوكرانيا تكسر روسيا، وأنّ عزل إيران يعزل الصين. لكنّ الواقع أثبت عكس ذلك: أوكرانيا أصبحت "ستالينغراد روسيا"، والعقوبات عكست مسارها، محفّزةً اتحاداً أوراسياً مدعوماً برأس المال الصيني والنفط الإيراني. وبحلول 2025، ارتفع الروبل الروسي 30% مقابل الدولار رغم الضغوط الغربية. أما المرحلة الرابعة – "سحق إيران" – فأشعلت النار التي كانت تهدف إلى إخمادها.
إيران لم تكن قطعة دومينو، بل كانت حجر الزاوية (keystone). تدميرها كان يهدف إلى قطع شريان مبادرة الحزام والطريق الصيني، وشلّ شبكة تهريب النفط الروسية، وقطع رأس "محور المقاومة". لكنّ النتيجة كانت عكسية: بدلاً من تفكيك المحور، عزّزته. بدلاً من عزل الصين، قرّبتها من إيران وروسيا. بدلاً من قطع طرق الإمداد، جعلتها أكثر أهمية وأكثر تحصيناً.
لحظة السويس الأميركية: نهاية الإمبراطورية التي لم تتعلّم
ما يحدث اليوم هو "لحظة السويس" الأميركية. فكما أنّ بريطانيا عام 1956 بدت منتصرة عسكرياً لكنها خرجت مهزومة سياسياً، تخرج أميركا اليوم من حرب هرمز وقد تحطّمت هيبتها الردعية أكثر من بريطانيا، فهي لم تربح عسكرياً كما بريطانيا، ولا وجود لدول عظمى هدّدتها بإيقاف الحرب والانسحاب من سيناء كما فعل الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة بعد اتفاقهما على إخراج قوى العالم القديم من منطقة غرب آسيا، ما ينتج تداعيات أوسع وأعمق في بنية النظام الإقليمي والدولي الحاليين. فالجنرال ويسلي كلارك يحذّر من أنّ هذه الحرب "وصلت إلى مرحلة إذا لم تنتصر فيها الولايات المتحدة فسوف تمثّل فشلاً كاملاً وهزيمة استراتيجية كبرى"، وأنّ وقفاً من جانب واحد "سيترك الولايات المتحدة كخاسر، غير قادرة على تحقيق أهدافها. وهذا من شأنه أن يقوّض الردع الأميركي في آسيا وأوروبا".
وما زاد الطين بلّة أنّ الحرب تحوّلت من "خاطفة" إلى "استنزاف"، وأصبحت واشنطن عالقة في دوامة لا تستطيع الخروج منها. ومع فشل تغيير النظام، وتحقيق معظم الأهداف الاستراتيجية، ومع تآكل مخزون الأسلحة الأميركية، ومع تزايد تردّد الحلفاء الأوروبيين والإقليميين أصبحت الهزيمة الاستراتيجية حقيقة واقعة.
الخلاصة: درس لم يتعلّمه الأميركيون
بريجنسكي حذّر من أنّ التعامل مع قوى بحجم إيران يكون أكثر فاعلية عبر الاحتواء أو الإدماج الإقليمي منه عبر المواجهة العسكرية المباشرة. كما حذّر من السيناريو الأكثر خطورة: تحالف الصين وروسيا وإيران. لكن إدارة ترامب، المدفوعة بضغوط نتنياهو التي أعادت تشكيل Terms النقاش في واشنطن تجاهلت هذه التحذيرات. والنتيجة: تحقّق السيناريو ذاته الذي حذّر منه بريجنسكي، وتحطّم مشروع "إسرائيل الكبرى"، واهتزّت الهيبة الردعية الأميركية إلى الأبد.
في لعبة الشطرنج، "كش ملك" تعني نهاية اللعبة. لكنّ إيران لم تكن ملكاً. كانت حائك سجّاد يعيد رسم اللوحة بينما خصومه منشغلون بحركاتهم الشطرنجية. واليوم، تقف الولايات المتحدة أمام حقيقة مرّة: أنها لم تلعب الشطرنج بل لعبت الغولف، وضربت الكرة في الرمال. والآن، بعد أن انتهى "كش ملك" الأميركي، يبدأ فصل جديد من التاريخ، تكتبه إمبراطوريات آسيا العائدة.