الحرب الاقتصادية على إيران: طريق إلى التفاوض أم بوابة إلى التصعيد؟
الاستراتيجية الأميركية الجديدة القائمة على العقوبات الاقتصادية تواجه صعوبة في دفع إيران إلى تقديم تنازلات سياسية، رغم قدرتها على إلحاق أضرار اقتصادية كبيرة.
-
الحرب الاقتصادية على إيران: طريق إلى التفاوض أم بوابة إلى التصعيد؟
أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانتقال إلى ما وصفته بـ"المرحلة النهائية" من المواجهة مع إيران بالإعلان عن حملة "عقوبات غير مسبوقة"، أطلق عليها ترامب ووزير خزانته سكوت بيسنت تعبير "Economic D-Day"، وهدّدوا بفرض أثمانٍ اقتصادية على كلّ دولة أو شركة أو مؤسسة توفّر لإيران منفّذاً مالياً أو تجارياً.
ويأتي الانتقال إلى هذه الاستراتيجية بعدما ظهر للإدارة الأميركية أنّ الخيار العسكري والتهديد بقصف إيران والبنية التحتية الإيرانية لم يعد قادراً على تحقيق الأهداف المرجوّة. وبالإعلان عن هذه الاستراتيجية الجديدة، تُطرح على بساط البحث مسألة قدرة الولايات المتحدة فعلاً على تطبيق هذه الاستراتيجية، وبعدها إذا كانت هذه الاستراتيجية والضغوط الاقتصادية الأقصى ستؤدّي الى تراجع الإيرانيين عن شروطهم والقبول بما يريده ترامب؟
أولاً: فرص نجاح الاستراتيجية اقتصادياً ومالياً
من الناحية الاقتصادية والمالية، لدى الولايات المتحدة أدوات هائلة للضغط الاقتصادي. تمتلك الولايات المتحدة نفوذاً استثنائياً على النظام المالي العالمي بحكم مركزية الدولار والمؤسسات المالية الأميركية والسيطرة على حركة المدفوعات الدولية. لذلك، حين تعلن الولايات المتحدة عن عقوبات أحادية فإنها تتحوّل "واقعياً" إلى عقوبات دولية، لأنّ الشركات والبنوك تخشى أن تتعرّض لعقوبات ثانوية نتيجة تعاملها مع شركة أو مؤسسة معاقبة أميركياً.
وتكمن قوة هذه السياسة الأميركية في أنّ كثيراً من الشركات الدولية تخشى فقدان الوصول إلى النظام المالي الأميركي، وحتى الدول التي تعارض العقوبات سياسياً، مثل الصين وروسيا، قد تجد شركاتها نفسها مضطرة إلى تقليص تعاملاتها مع إيران إذا أصبحت كلفة العقوبات الأميركية أعلى من العائد الاقتصادي المتوقّع.
لكنّ نجاح العقوبات ليس مضموناً بالكامل، فالصين تمثّل المتنفّس الاقتصادي الرئيسي لإيران. وحتى وإن كانت بعض الشركات الصينية قد تضطر إلى تقليص تعاملاتها مع إيران، فمن غير المرجّح أن ترضخ الصين كدولة لهذه العقوبات، لأنها كانت في وقت سابق تعرّضت لتهديدات مماثلة من قبل إدارة ترامب، وبالتالي من المتوقّع أن تستمر بشراء النفط الإيراني وأن توفّر قنوات تجارية ومالية بديلة.
ثانياً: هل تؤدّي الضغوط الاقتصادية إلى تراجع إيران سياسياً؟
يثبت التاريخ أنّ العقوبات الاقتصادية لا تؤدّي دائماً إلى تغييرات سياسية تتناسب مع حجم الأضرار الاقتصادية، فالعقوبات الدولية الواسعة التي فُرضت على العراق خلال عهد صدام حسين، رغم آثارها الاقتصادية والاجتماعية الهائلة، لم تؤدِّ إلى إسقاط النظام، فيما جاء تغيير النظام لاحقاً نتيجة التدخّل العسكري الأميركي عام 2003. والعقوبات على فنزويلا لم تؤدِ الى إسقاط مادورو، إضافة الى غيرها من الأمثلة التي احتاجت الولايات المتحدة فيها إلى تدخّل عسكري لتحقيق التغيير السياسي الذي تريده.
أما بالنسبة لإيران، فالأمر أكثر صعوبة، لأنها دولة خاضعة لأشكال مختلفة من العقوبات منذ عقود، وطبّق الرئيس ترامب أقسى عقوبات عليها في خلال فترة ولايته الأولى، ولم تؤدِ إلى النتائج التي ينشدها. طوّرت إيران على مدى عقود آليات للتكيّف والالتفاف على العقوبات، ويتعامل الإيرانيون مع العقوبات عبر الاقتصاد المقاوم والصبر الاستراتيجي والصمود.
إضافة إلى ذلك، هناك عامل نفسي وسياسي بالغ الأهمية بالنسبة للإيرانيين: كلما أعلنت الإدارة الأميركية أنّ هدفها من هذه السياسة هو "إسقاط النظام" أو "خنق إيران"، ازداد تماسك الإيرانيين خاصة بعد الحروب التي شنّت على بلادهم والتهديد بـ "إزالة حضارة بأكملها من الوجود".
وانطلاقاً مما سبق، من الصعب الاعتقاد بأنّ الإيرانيين سيتنازلون ويخضعون، وهو ما يعرفه الأميركيون أيضاً. وعليه قد يكون هدف هذه الاستراتيجية الأميركية الجديدة دفع المسار التفاوضي قدماً، إذا اقتنعت القيادة في إيران بأنّ الكلفة الاقتصادية أصبحت كبيرة، وأنّ هناك مخرجاً سياسياً مقبولاً عبر العودة إلى الطاولة.
لكن، يبقى احتمال أن تتخذ إيران مساراً مناقضاً تماماً، أي أن تقوم بالتصعيد في حال اعتبرت أنّ ترامب يحاول إخضاعها أو الدفع نحو تغيير النظام عبر تحفيز ضغوط اقتصادية تؤدّي إلى ثورة داخلية. ويبقى هذه الاحتمال وارداً، خاصة أنّ ايران انتقلت من مربّع ردّ الفعل والصبر والدفاع عن النفس إلى مربّع الفعل والهجوم والاستباق بعد الحرب الأخيرة.
في المحصّلة، إنّ نجاح استراتيجية ترامب الجديدة سيُقاس ليس بحجم الخسائر الاقتصادية التي ستتكبّدها إيران، بل بقدرة الإدارة على تسييل هذه الاستراتيجية في مكاسب سياسية ملموسة. وهذه هي المهمّة الأصعب، والأقلّ ضماناً، في أيّ حرب اقتصادية (بحسب التجارب).