التشويش والخداع… عقيدة ردع جديدة في زمن الحروب الهجينة

خلال الحروب تتزايد مركزية التكنولوجيا، فلم يعد التفوّق العسكري مرهوناً بامتلاك السلاح، بل بقدرة التحكّم بالفضاء الرقمي . هنا، تبرز الحرب الإلكترونية كعامل حاسم يعيد تشكيل موازين القوة، ويفتح الباب أمام استراتيجيات قادرة على تحويل الدفة إلى نقطة ضعف قاتلة.

  • التشويش والخداع… عقيدة ردع جديدة في زمن الحروب الهجينة
     التحوّل من التعطيل إلى التضليل يمثل نقلة نوعية (الصورة: today.line)

في العقود الأخيرة، بُنيّ التفوّق العسكري الغربي على افتراض مركزي: السيطرة الكاملة على الفضاء المعلوماتي، وعلى رأسه أنظمة الملاحة بالأقمار الاصطناعية، وعلى وجه الخصوص نظام تحديد المواقع العالمي (GPS). غير أنّ هذا الافتراض، الذي بدا صلباً لعقود، يتعرّض اليوم لاختبار قاسٍ في بيئة الشرق الأوسط، حيث شهد لإيران العمل على تفكيكه عبر أدوات منخفضة الكلفة نسبياً وعالية التأثير.

ما نشهده ليس فقط استخداماً تكتيكياً للتشويش، بل إعادة تعريف لمفهوم السيطرة نفسه: من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على "الإحداثيات".

في هذا السياق، تتحوّل الحرب الإلكترونية من أداة مساندة إلى ركيزة استراتيجية قادرة على تعطيل، تضليل، بل وحتى شلّ منظومات كاملة تعتمد على الدقة الرقمية.

من التشويش إلى الخداع – تطوّر عقيدة التعطيل

تعتمد الاستراتيجية الإيرانية على مستويين متكاملين من الحرب الإلكترونية:

·      التشويش (Jamming): يقوم على إغراق التردّدات الخاصة بـGPS بضوضاء إلكترونية كثيفة، ما يؤدّي إلى فقدان المستقبل قدرته على التقاط الإشارة. النتيجة هنا "عمى كامل"؛ حيث تفقد السفن والطائرات القدرة على تحديد مواقعها.

·      الخداع (Spoofing): وهو الأكثر تطوّراً وخطورة، إذ يتمّ إرسال إشارات مزيّفة تحاكي إشارات الأقمار الاصطناعية  الأصلية. في هذه الحالة، لا يفقد النظام قدرته على الملاحة، بل يستمر بالعمل على بيانات خاطئة، ما يعني "الانحراف من دون إدراك".

هذا التحوّل من التعطيل إلى التضليل يمثّل نقلة نوعية. فبدلاً من إيقاف النظام، يتمّ استخدامه ضدّ نفسه. وقد رُصدت حالات ظهرت فيها سفن في الخليج  وكأنها داخل منشآت حسّاسة مثل مفاعل بوشهر، أو حتى على اليابسة، وهو ما يكشف مستوى متقدّماً من التحكّم بالإدراك الملاحي.

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by الميادين | Al Mayadeen (@almayadeen.tv)

الإشباع المعلوماتي – حين تتحوّل الكثرة إلى سلاح

لا تعمل هذه التقنيات بمعزل عن أدوات أخرى، بل تُدمج ضمن ما يمكن تسميته "الإشباع المعلوماتي". في هذا النموذج، تستخدم إيران أعداداً كبيرة من المسيّرات منخفضة التكلفة، مثل طائرات "شاهد"، بالتزامن مع هجمات إلكترونية.

الهدف ليس فقط اختراق الدفاعات، بل إرهاقها. إذ تجد أنظمة الرادار والدفاع الجوي نفسها أمام مئات الأهداف المحتملة، بعضها حقيقي وبعضها وهمي. في هذه البيئة، يصبح اتخاذ القرار أكثر تعقيداً، وتزداد احتمالات الخطأ.

النتيجة هي خلق "مناطق عمياء" عملياتياً، حيث تفقد الأنظمة القدرة على التمييز بين التهديدات الفعلية والافتراضية، وهو ما يعادل شلّاً جزئياً—even من دون تدمير فعلي.

الوقائع الميدانية – أرقام تعكس تحوّلاً نوعياً

تُظهر البيانات الميدانية بين عامي 2025 و2026 تصاعداً حاداً في استخدام هذه التكتيكات:  

·      في شباط/ فبراير 2026، تأثرت أنظمة الملاحة لأكثر من 1100 سفينة خلال 24 ساعة فقط في الخليج كما ارتفع عدد حوادث التداخل اليومية من 350 حادثة في بداية العدوان إلى 672 حادثة بحلول آذار/مارس 2026. تم تسجيل 38 منطقة تعرضت لتشويش إشارات التعريف الآلي (AIS) خلال أول 48 ساعة من التصعيد. 

·      أما في قطاع الطيران، فأُلغي نحو 23000 رحلة جوية نتيجة إغلاق المجالات الجوية والتشويش المكثّف ما عكس خسائر كبيرة تتجاوز الـ 50 مليار دولار من القيمة السوقية لشركات الطيران في المنطقة. هذه الأرقام لا تعكس فقط نشاطاً تكتيكياً، بل تشير إلى "بيئة تشويش مستمرة" تتحوّل فيها المنطقة إلى فضاء غير مستقر رقمياً.

  • الصورة: (hansa.news)
    الصورة: (hansa.news)

 

الخداع المكاني: عندما تصبح الخريطة كاذبة

واحدة من أخطر تجليات هذه الحرب هي ما يمكن تسميته "الخداع المكاني". هنا، لا يتم فقط تعطيل الملاحة، بل إعادة كتابة الواقع الجغرافي رقمياً. 

·      سفن تظهر داخل منشآت نووية أو مطارات.

·      انحرافات بمئات الكيلومترات عن الموقع الحقيقي.

·      حوادث تصادم، مثل حادثة ناقلتي النفط قبالة سواحل الإمارات في حزيران/يونيو 2025، نتيجة تضليل الإحداثيات.

هذا النوع من العمليات يقوّض الثقة في الأنظمة الرقمية نفسها. فإذا لم تعد الخريطة موثوقة، فإنّ كل ما يُبنى عليها—من قرارات عسكرية إلى حركة التجارة—يصبح عرضة للخطأ.

السيطرة على المسيّرات – من الدفاع إلى الاستحواذ

تاريخياً، شكّلت السيطرة على الطائرة الأميركية من دون طيار من طراز RQ-170 Sentinel  في إيران عام 2011 نقطة تحوّل. إذ أظهرت أنّ تقنيات الخداع يمكن أن تتجاوز الدفاع إلى "الاستحواذ".

هذا النموذج يُعاد تطبيقه اليوم بشكلٍ أوسع، حيث يمكن تضليل المسيّرات المعتمدة على GPS، وإعادة توجيهها أو تعطيلها. في بيئة تعتمد بشكل متزايد على الأنظمة غير المأهولة، تصبح هذه القدرة عاملاً حاسماً في موازين القوة. غير أنّ التطوّر الذي شهده عام 2026 يكشف أنّ الأمر لم يعد يقتصر على "التأثير" في سلوك هذه المسيّرات، بل انتقل إلى مستوى "التحكّم العملياتي" بها.

فوفقاً لبيانات تتبّع الحرب الإلكترونية خلال الفترة الممتدة من شباط/فبراير إلى منتصف نيسان/أبريل 2026، تشير بيانات تتبّع الحرب الإلكترونية إلى تسجيل نحو أكثر من  185 حالة إسقاط عبر الخداع (Spoofing)، حيث جرى تضليل إحداثيات المسيّرات ودفعها إلى التحليق ضمن مسارات وهمية حتى نفاد الوقود أو إجبارها على الهبوط داخل مناطق خاضعة للسيطرة .

وهذا النمط من العمليات لا يدمّر الهدف مباشرة، بل "يستنزفه ذاتياً"، وهو ما يعكس كفاءة عالية في استثمار خصائص الأنظمة الذكية نفسها.

في المقابل، تمّ توثيق أكثر من 420 حالة تعطيل كلي (Jamming)، فقدت خلالها المسيّرات الاتصال بشكلٍ كامل، ما أدى إلى سقوطها في البحر أو الصحراء نتيجة ما يمكن وصفه بـ"العمى الإلكتروني الشامل". هذا الرقم يعكس قدرة على خلق بيئات تشغيل معادية بالكامل، حيث تصبح أي منصة تعتمد على الإشارة الفضائية فاقدة للوظيفة.

لكن المؤشر الأخطر يتمثل بتسجيل أكثر من 18 حالة مؤكدة لإعادة التوجيه (Hijacking)، شملت مسيّرات متطورة من فئات المراقبة، جرى اختراق بروتوكولات التحكّم الخاصة بها وإجبارها على الهبوط السليم داخل قواعد إيرانية. هنا لا نتحدّث عن تعطيل أو تضليل فحسب، بل عن "استحواذ تكنولوجي" يتيح فحص المنظومات المعادية واستخلاص بيانات استخباراتية منها.

  • الرسم (geotab)
    الرسم (geotab)

وتتجلى فعّالية هذه القدرات في حوادث نوعية، أبرزها واقعة "خليج عُمان" في شباط/فبراير 2026، حيث تم تضليل سرب مكوّن من 18 مسيّرة انتحارية عبر تعديل إحداثياتها، ما أدى إلى انحرافها عن أهدافها وانفجارها في عرض البحر. هذه الحادثة تُظهر أنّ الخداع لا يعمل على مستوى الفرد، بل يمكن تطبيقه على تشكيلات كاملة بشكل متزامن.

كما نجحت منظومات التشويش في آذار/مارس 2026 في تحييد 65 مسيّرة صغيرة فوق طهران وأصفهان، عبر إنشاء ما يشبه "فقاعة إلكترونية" تعزل المستقبلات عن إشارات الأقمار الاصظناعية. هذا النموذج يعكس انتقال العمليات من ردّ الفعل إلى "التحكّم بالمجال الكهرومغناطيسي" كبيئة سيادية.

تقنياً، تعتمد هذه العمليات على جيل جديد من الأنظمة مثل "نجم 802"، التي تستخدم بروتوكولات متقدّمة، من بينها "الموقع الكاذب"، حيث يتمّ بثّ إشارة أقوى من الإشارة الأصلية لإقناع المسيّرة بأنها تسلك مساراً آمناً، بينما يتمّ توجيهها فعلياً إلى نقطة محدّدة.

كما يُستخدم أسلوب "قطع الرابط" (Data Link Break)، الذي يعزل المسيّرة عن مشغّلها، ويدفعها لتفعيل بروتوكول "العودة إلى المنزل"، ليتمّ حينها تزويدها بإحداثيات مزيّفة تقودها إلى الوقوع في الأسر.

هذه التطورات فرضت تحولاً تكتيكياً واضحاً لدى الخصوم بحلول نيسان/أبريل 2026، حيث بدأ الاعتماد بشكل متزايد على أنظمة الملاحة بالقصور الذاتي، إضافة إلى تقنيات الرؤية الحاسوبية والتعرّف إلى التضاريس، في محاولة لتقليل الاعتماد على الإشارات الفضائية.

إلا أن هذه البدائل، رغم فعاليتها النسبية، تظل محدودة الدقة على المدى الطويل، ما يعني أن معركة "الإحداثيات" لم تُحسم بعد، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيداً تقوم على التكيف المتبادل بين الخداع والحماية.

في هذا السياق، لم تعد المسيّرات مجرد أدوات هجومية أو استطلاعية، بل تحولت إلى "نقاط ضعف متحركة" يمكن اختراقها، تضليلها، أو حتى إعادة توظيفها. وهذا التحول يعيد رسم معادلة القوة: من يمتلك القدرة على التحكم بالإشارة، يمتلك القدرة على التحكم بالمنصة نفسها.

استراتيجية "البديل": الاستقلال عن البنية الغربية

إحدى أبرز نقاط القوة في المقاربة الإيرانية هي إدراكها لضرورة العمل ضمن بيئة مشوشة—حتى على نفسها. لذلك، تعمل على تطوير بدائل تقلل الاعتماد على الأنظمة الغربية:

·      التحول إلى نظام BeiDou الصيني، الذي يوفر بديلاً استراتيجياً لـGPS.

·      تطوير أنظمة محلية  مثل "ناصر 1"، بما يعزز الاستقلالية.

·      دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في الصواريخ والمسيّرات لتقليل الحاجة للاتصال المستمر بالأقمار الاصطناعية.

هذه الاستراتيجية تعكس فهماً عميقاً: لا يمكنك تعطيل النظام العالمي من دون أن تمتلك بديلاً يعمل في بيئة معطلة.

الحرب الرقمية الشاملة: ما وراء الإحداثيات

لا تقتصر العمليات على الملاحة، بل تمتد إلى البنية الرقمية الأوسع. في شباط/فبراير 2026، تزامنت موجة تشويش واسعة مع انخفاض الاتصال بالإنترنت داخل إيران إلى 4% فقط.

هذا الترابط بين التشويش والهجمات السيبرانية يشير إلى نموذج "الحرب الرقمية الشاملة"، حيث يتم استهداف البنية التحتية للمعلومات ككل: الاتصالات، الإنترنت، وأنظمة التحكم.

لا تقتصر تداعيات هذه الحرب على المجال العسكري:

·      خسرت شركات الطيران في المنطقة أكثر من 50 مليار دولار من قيمتها السوقية نتيجة الشلل الجوي.

·      أصبح المرور في مضيق هرمز—أحد أهم الممرات البحرية في العالم—يوصف بأنه "خطير جداً".

·      دعت مراكز الأمن البحري إلى العودة لاستخدام الملاحة التقليدية، بما في ذلك الرادار والمراقبة البصرية.

هذا التحول يعكس مفارقة لافتة: كلما زاد الاعتماد على التكنولوجيا، زادت كلفة تعطيلها.

في النهاية، فإن ما تقوم به إيران لا يمكن اختزاله في كونه تكتيكاً عسكرياً، بل هو إعادة تعريف لقواعد الاشتباك في العصر الرقمي. ففي عالم تُبنى فيه القوة على البيانات والدقة، يصبح التلاعب بهذه الدقة سلاحاً استراتيجياً بحد ذاته.

"العمى الاستراتيجي" هنا ليس مجرد نتيجة، بل هدف. إذ يتم تحويل تفوق الخصم—اعتماده على أنظمة دقيقة ومعقدة—إلى نقطة ضعف يمكن استغلالها.

في هذا السياق، لم تعد الحرب تدور فقط حول من يمتلك السلاح الأقوى، بل حول من يستطيع جعل سلاح خصمه غير قادر على "رؤية" هدفه.

اقرأ أيضاً: التشويش على GPS: استراتيجية دفاعية تفشلها المقاومة وتهدد سلامة الطيران المدني

اخترنا لك