مستقبل العلاقات بين أفريقيا وإيران بعد انتصارها على العدوان الأميركي الإسرائيلي
انتصار إيران سيعني ميلاد إيران جديدة مؤثرة في صنع القرار الدولي وببناء عالم جديد متعدد الأقطاب ما سيفتح لها المجال لتوسيع وجودها في أفريقيا، والتركيز على ما هو أبعد من محيطها الاستراتيجي الإقليمي المباشر.
-
مستقبل العلاقات الأفريقية الإيرانية بعد العدوان الأميركي الصهيوني على إيران
تعود علاقات إيران مع أفريقيا، إلى ما قبل الثورة الإسلامية عام 1979. وقد حاول قادة الثورة الحفاظ على هذه العلاقات مع إعطائها توجهاً أيديولوجياً جديداً، سواء من خلال التقرب أكثر من الأنظمة المرتبطة بالتيارات الإسلامية (السودان مثلاً) أو التقرب من الدول التي تتبع نهجاً سياساً معارضاً للغرب ولـ"إسرائيل".
بعد نهاية الحرب الإيرانية العراقية سنة 1988 حرصت إيران على تعزيز وجودها في محيطها الاستراتيجي في الخليج ومضيق هرمز وفي بحر عمان وبحر العرب وفي باب المندب عند مدخل البحر الأحمر. كما حرصت على توسيع عمقها الاستراتيجي ليشمل القارة السمراء، فعملت على تطوير علاقاتها مع عدد من الدول الأفريقية، تقوم بالأساس على التعاون الاقتصادي، ولكن لا يغيب عنها البعد الأيديولوجي وأحياناً الديني.
العلاقات الإيرانية الأفريقية قبل العدوان الإسرائيلي-الأميركي
تطورت علاقة إيران مع أفريقيا خلال فترة ولاية الرئيس محمود أحمدي نجاد بين عامي 2005 و2013، لكن بالرغم من استمرارعلاقاتها مع عدد من الدول الأفريقية كجنوب أفريقيا ونيجيريا وغانا وتنزانيا، فقد عرفت العلاقات الإيرانية- الأفريقية ركوداً دام نحو عقد من الزمن، قبل أن تعود إيران في عهد الرئيس الشهيد إبراهيم رئيسي لبعث الروح في هذه العلاقات.
وفي مارس/آذار 2023 انعقد في طهران المؤتمر/المنتدى الأول للتعاون العلمي والاقتصادي لإيران والدول الأفريقية، تم خلاله التوقيع على 20 اتفاقية ومذكرة تفاهم بين إيران ودول أفريقية من أجل توسيع وتعميق التعاون الاقتصادي الشامل.
وفي تموز/يونيو 2023 قام إبراهيم رئيسي بجولة على رأس وفد دبلوماسي وتجاري رفيع المستوى على ثلاث دول أفريقية (كينيا وأوغندا وزيمبابوي)،خلال هذه الجولة حرص الوفد الإيراني على التعريف بالفرص والطاقات الاقتصادية والتجارية لإيران.
اقرأ أيضاً: التحولات الاستراتيجية في اليوم التالي للحرب على إيران
وفي نيسان/أبريل 2024 انعقد في طهران المؤتمرالاقتصادي الثاني لإيران وأفريقيا بحضور ممثلين من أكثر من 40 دولة أفريقية. جاءت هذه القمة للتعبير عن التوجهات الجيو-اقتصادية لطهران، من خلال التأكيد على أهمية أفريقيا كعمق استراتيجي لإيران، ولتطوير العلاقات السياسية والاقتصادية مع دول هذه القارة لفك الحصار والعزلة عنها وتجاوز العقوبات الاقتصادية، وكرد على التقارير الغربية التي رأت في عودة إيران للاهتمام بأفريقيا محاولة لتعزيز نفوذها في القارة، وخريطة طريق جديدة تعتمد على بيع الأسلحة، وتقوم على شراكات أمنية، ما سيزيد من إثارة الفوضى في القارة السمراء.
وجاءت هذه التحركات بعد تحسن حجم المبادلات التجارية بين الجانبين، حيث ارتفع من 579 مليون دولار في عام 2020 إلى 1.3 مليار دولار عام 2022 وقد توقّعت القمّة الثانية الوصول إلى 5 مليارات دولار عام 2025.
ترى إيران في أفريقيا سوقاً واعدة بـ 1.4 مليار نسمة، لهذا أرادت أن تصبح القمم الإيرانية الأفريقية منصات لرجال الأعمال من الجانبين تنعقد بشكل دوري بين شركات إيرانية وأفريقية لتطوير الاستثمارات وتنويع الشراكات الاقتصادية وتوسيع الأسواق أمام منتجات الجانبين وتعزيز دخول الشركات الإيرانية إلى الأسواق الأفريقية، وتعزيز التعاون في مجالات حيوية مثل الأمن الغذائي (تبادل الخبرات في الري والتقنيات الزراعية) ومجالات الطاقة والبتروكيماويات، وتشمل تصدير الوقود والتكرير ومشاريع الأسمدة (اليوريا)، ومجالات الصناعة التحويلية من خلال إنشاء مصانع الإسمنت والسيارات الخفيفة والصناعات الغذائية وتطوير طرق الري واستغلال الأراضي الزراعية وإنتاج الزراعات التسويقية، والتعاون في مجال الصحة (تصدير الأدوية والمعدات الطبية) ونقل التكنولوجيا، والسعي لإنشاء مراكز تجارية إيرانية في أفريقيا (نحو 15 مركزًا مستهدفًا) بحلول 2025، والترويج لمنتجات نحو 10,000 شركة إيرانية في مجالات تكنولوجية وصناعية. وفعلاً، تم خلال هذا المنتدى الثاني توقيع عدة عقود واتفاقيات.
اقرأ أيضاً: تقرير: تداعيات الحرب على إيران تظهر انعكاساتها في جميع أنحاء أفريقيا
العلاقة الإيرانية الأفريقية بعد العدوان الإسرائيلي-الأميركي على إيران
مستقبل هذه العلاقات مرهون بنتيجة الحرب التي لم تنته حتى الآن ولو أنها تشهد وقفاً لإطلاق النار، إلا أن خروج إيران من الحرب منتصرة، يعني أنها ستفرض شروطها بدءاً من كسر الحصار ورفع العقوبات الاقتصادية عنها، ما يعني ارتفاع قيمة أسهمها في مختلف مجالات التعاون، ما سيساعدها على إعادة تموضعها الجيوسياسي ودعم علاقتها الدولية، خصوصاً مع دول الجنوب، وإقرار تحالفات جديدة.
وسيكون من البديهي أن تسعى إيران إلى تعزيز حضورها في أفريقيا من خلال التقليل من الآثار السلبية المباشرة وغير المباشرة التي طالت الدول الأفريقية أثناء وبعد العدوان الإسرائيلي-الأميركي على إيران. ستكون مطالبة بالزيادة في حجم التبادل التجاري بالمقايضة أو بالعملات المحلية وبأسعار تنافسية وتصحيح ميزان المبادلات التجارية المختل اليوم لصالح إيران وغيرها من الإجراءات التي ستجعل الدول الأفريقية تنفتح أكثر على إيران التي تقدم نفسها كدولة مناهضة للإمبريالية، منفتحة على التعاون جنوب-جنوب تحت شعار رابح-رابح الذي تعطى فيه الأولوية للمنافع المتبادلة عوضاً عن المصالح الخاصة.
انتصار إيران سيرفع أيضاً من سمعة تكنولوجيتها وأسلحتها التي تتميز بفاعليتها وانخفاض أسعارها ما سيحفز الدول الأفريقية على تعزيز التعاون الأمني والعسكري معها.
اقرأ أيضاً: "بلومبرغ": شن الحرب على إيران ليس في مصلحة أحد
مستقبل علاقة إيران بدول شمال أفريقيا
عموماً، تتسم العلاقة الدبلوماسية بين إيران ودول شمال أفريقيا (موريتانيا، المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، ومصر) بالتباين من بلد لآخر، وبالحذر، وعادة ما طبعت هذه العلاقات توترات واختلافات سياسية (الموقف من التطبيع، ومن الإسلام السياسي والخلافات مع دول الخليج).
علاقة المغرب مع إيران مقطوعة منذ 2018، كما لا توجد علاقة رسمية بين مصر وإيران، وإن سجل بعض التقارب المصري الإيراني مؤخراً. أما العلاقات الإيرانية مع الجزائر وتونس وموريتانيا فهي مستقرة نسبيًا ويشوبها بعض الحذر، وإن كان بعضها يشهد تطوراً متصاعدًا (موريتانيا) لكنها لا ترتقي إلى مستوى التحالفات والتعاون الاستراتيجي. أما العلاقة مع ليبيا فهي غير مستقرة بسبب الانقسام السياسي الداخلي في ليبيا.
وإذا كانت العلاقات الثنائية بين إيران ودول شمال أفريقيا قد تأثرت في الماضي بالسياق الإقليمي والدولي في العديد من الأحيان وخضعت بحكم طبيعة أنظمتها للضغوط التي تمارسها قوى إقليمية عربية (دول الخليج) أو عالمية (أميركا)، فأكيد أن صمود إيران وانتصارها سيفتحان أمامها آفاقاً دولية وإقليمية باعتبارها دولة نامية لها مقومات النهضة، وقوة عسكرية وازنة لا يمكن تجاوزها، ودولة استطاعت بالرغم من الحصار والعقوبات الدولية أن تفرض وجودها عالمياً على أكثر من صعيد استراتيجي حتى أصبحت رقماً مهماً في معادلة الصراع من أجل بناء عالم متعدد الأقطاب.
وهذا الوضع الجديد سيدفع دول شمال أفريقيا إلى إعادة تقييم علاقتها مع إيران لتصبح أكثر استراتيجية واستقراراً وتوازناً.
مستقبل علاقة إيران بدول جنوب الصحراء الكبرى
هناك دول على علاقة قوية نسبياً مع إيران كجنوب أفريقيا، تقوم على التعاون الاقتصادي والطاقي، وتجمعهما رؤية جيوسياسية متقاربة: مناهضة الهيمنة الغربية، التعاون جنوب-جنوب، البريكس. كما لوحظ تطور في العلاقات بين إيران وإثيوبيا منذ حضورهما في بريكس.
ميزة الدبلوماسية الإيرانية، البراغماتية والصبر الاستراتيجي، فحتى حينما تكون هناك انتكاسة دبلوماسية فإن الإيرانيين يحاولون تحويلها إلى فرصة. فعندما قطعت إريتريا سنة 2015 علاقتها بإيران وتبعتها في يناير/كانون الثاني 2016 ثلاث دول من القرن الأفريقي والجنوب الشرقي للبحر الأحمر: السودان، الصومال، جيبوتي، بسبب خلاف إيران مع السعودية، تراجع النفوذ الدبلوماسي والمالي والعسكري الإيراني في هذه المنطقة وانحصر فقط في منطقة نفوذ أنصار الله في اليمن. بالمقابل، عززت الدول الخليجية (السعودية، الإمارات) وجودها فيها منذ شنهما سنة 2015 حرباً ظالمة على أنصار الله في اليمن.
هذا التراجع الدبلوماسي، ستحاول إيران تعويضه في غرب أفريقيا، حينما قام وزير خارجية الجمهورية الإسلامية في صيف 2016 بجولة على نيجيريا، غانا، غينيا ومالي، لتعزيز العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع هذه الدول. كما ستسعى إلى تعزيز علاقتها بزيمبابوي وكينيا وزامبيا.
وفي تشرين الأول/أكتوبر 2023، عقب 7 سنوات من القطيعة، استُئنفت العلاقات بين السودان وإيران وعاد معها التعاون العسكري، حيث زودت طهران الجيش السوداني بطائرات مسيرة. هذه الخطوة أثارت مخاوف الدول الخليجية والولايات المتحدة من عودة العلاقة الإيرانية السودانية إلى سابق عهدها، خاصة في المجال العسكري واللوجستي، حينما كانت البواخر العسكرية الإيرانية ترسو في ميناء بورتسودان على البحر الأحمر، وهذه العودة ستمكن إيران من الوجود على ضفتي البحر الأحمر قرب باب المندب، في السودان غرباً وفي اليمن شرقاً، حيث أتبث حلفاؤها أنصار الله جدارتهم إبان عدوان الكيان الصهيوني على غزة وخلال حرب الـ 12 يوماً (صيف 2025) على إيران وفي الحرب التي شنت على إيران منذ الـ28من شباط/فبراير 2026.
وبعد تأسيس تحالف دول الساحل "AES" بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو سنة 2024، ستبادر طهران إلى تطوير علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع هذه الدول. وامتد التعاون ليشمل المجال العسكري والأمني لسد الفراغ الذي نشأ بعد خروج القوات الفرنسية والغربية من هذه الدول، حيث سلمت إيران للدول الثلاث الطائرات المسيرة والأسلحة المناسبة لمواجهة التنظيمات الإرهابية ومساعدة دول الساحل على حفظ أمن واستقرار المنطقة.
خاتمة
أكيد أن انتصار إيران على العدوان الصهيو-أميركي سيعني ميلاد إيران جديدة مؤثرة في صنع القرار الدولي ومساهمة في بناء عالم جديد متعدد الأقطاب، ما سيفتح لها المجال لتوسيع وجودها في أفريقيا، والتركيز على ما هو أبعد من محيطها الاستراتيجي الإقليمي المباشر في البحر الأحمر وباب المندب، بحر العرب وخليج عمان، مضيق هرمز والخليج، وقد يصبح السودان مرة أخرى قنطرة لعبورها نحو وسط أفريقيا، وتصبح علاقتها بدول شرق أفريقيا: كينيا، زامبيا، تنزانيا وعلاقتها بدول الغرب الأفريقي جزءاً من تحولها الاستراتيجي المدعوم ببناء شراكات تجارية وعسكرية.
وأكيد أن أعداءها وخصومها سيبذلون ما في وسعهم لعرقلة توسع نفوذها، وستتدخل القوى المتنافسة في أفريقيا وعلى رأسها أميركا وأوروبا لحصارها والتضييق عليها، كما تفعلان اليوم مع الصين وروسيا وتركيا والهند.