قراءات إسرائيلية في الاستراتيجية الإيرانية ضمن حرب الوعي

إيران تخوض حملة مركبة تتداخل فيها القوة العسكرية، والقدرات الإعلامية، والأدوات السيبرانية، والذكاء الاصطناعي، ضمن استراتيجية لا تستهدف الحسم السريع بقدر ما تستهدف تشكيل البيئة الاستراتيجية على المدى البعيد.

  • قراءات إسرائيلية في الاستراتيجية الإيرانية ضمن حرب الوعي
    "إيران تخوض حملة مركبة تتداخل فيها القوة العسكرية والقدرات الإعلامية والأدوات السيبرانية"

منذ بدء المواجهة مع إيران في 28 من شباط/فبراير الماضي (زئير الأسد)، ترصد أوساط بحثية إسرائيلية باهتمام انخراط إيران ومحور المقاومة في معركة الوعي، ليس فقط عبر الأدوات العسكرية، بل أيضاً من خلال الإعلام، والفضاء الرقمي، والحرب السيبرانية، ومرتكزات إيران في بناء خطاب موجّه إلى الجمهور الداخلي أولاً، ثم إلى الجمهورين العربي والإسلامي، وصولاً إلى الساحتين الأميركية والإسرائيلية.

طبقاً لأحد الاتجاهات البحثية التي عبّر عنها الخبير في حرب المعلومات في "جامعة حيفا الإسرائيلية"، د. ينيف لفيتان، فإن إيران لا تنظر إلى الحرب النفسية بوصفها بديلاً عن القوة العسكرية، بل عاملاً مضاعفاً لها. فبحسب دراسات، تمتلك إيران منظومة مرنة وحديثة تشمل السايبر، والحرب النفسية، وأدوات الذكاء الاصطناعي، وتستخدمها بشكل مركّز لاستهداف المجتمع الإسرائيلي، عبر زعزعة التماسك الداخلي، وتعميق الانقسامات السياسية والاجتماعية، وبث اليأس والضغط على صانع القرار من أجل وقف القتال.

"إيران تستثمر حساسية الأسواق العالمية تجاه الطاقة"

وبحسب د. لفيتان فإن إيران، حين تخاطب الغرب، تركّز على البعد الاقتصادي، مستثمرة حساسية الأسواق العالمية تجاه الطاقة والاستقرار. ويبرز هنا مضيق هرمز كأداة ضغط نفسي وإعلامي، لا كممر ملاحي فحسب، بل كـ"مضخم صوت" في حرب المعلومات، بما يعزز سردية مفادها أن استمرار الصراع يهدد الاقتصاد العالمي. وتخلص هذه القراءة إلى أن طهران لا تخوض حرباً عسكرية فقط، بل حرباً على الإدراك أيضاً، حيث قد يصبح "تصوّر النصر أهم من النصر نفسه".

وفي السياق ذاته، كتب معلقون حول ما وصفوه بـ"سيكولوجية إطلاق النار الإيراني"، معتبرين أن "غياب النمط هو النمط نفسه". فبدلاً من الالتزام بتوقيت محدد أو جغرافيا ثابتة، تعتمد إيران، وفقاً للمعلقين، على فوضى التوقيت، والتوزع الجغرافي الواسع، ورسالة نفسية واحدة: لا مكان آمناً في "إسرائيل". ويرون أن هذا الأسلوب يهدف إلى إنهاك الإسرائيليين نفسياً واستنزاف قدرتهم على التكيّف مع الإنذارات المتواصلة.

كما يلفت معلقون إلى أن استخدام الذخائر الإنشطارية يدخل في هذا السياق، إذ يُراد منه إعادة فرض الانضباط على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وإجبار السكان على التعامل الجدي مع الإنذارات، بعدما بدأت مظاهر التراخي تظهر بفعل طول أمد المواجهة. وبحسب هذه القراءة، فإن الغاية النهائية لهذه المنظومة هي "كسر المواطن الإسرائيلي" بوصفه المدخل الأهم لكبح آلة الحرب. 

"الإعلام الإيراني: الترهيب والردع والصمود"

وفي دراسة بعنوان "الإعلام الاستراتيجي الإيراني في المعركة: الترهيب والردع والصمود"، للباحثان في معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي: ديفيد سيمان توف وداني سيترينوفيتش، جرى التأكيد أن إيران تستخدم الصواريخ، والطائرات المسيّرة، والرسائل الإعلامية، والنشاط الرقمي، في إطار حملة متكاملة ترمي إلى خلق أثر تراكمي من الخوف والاستنزاف وإضعاف المعنويات. وترى الدراسة أن إيران لا تبحث فقط عن إنجاز عسكري مباشر، بل تسعى أساساً إلى تشكيل التصورات، وإرهاق الخصوم تدريجياً، ودفع أطراف إقليمية ودولية إلى الضغط لإنهاء القتال بشروط ملائمة لها.

وتذهب هذه القراءة إلى أن العقيدة الأمنية الإيرانية تقوم على التشتيت: تشتيت في التوقيت، وفي جغرافيا الإطلاق، وفي اتجاه الرسائل، بما يشمل "إسرائيل" ودول الخليج معاً. والهدف، وفق الباحثين، ليس فقط التصعيد العسكري، بل تعميم الشعور بالخوف والضغط، وتحويل الوعي نفسه إلى ساحة قتال مركزية، تستكمل فيها الأدوات الإعلامية والتكنولوجية أثر القوة الصاروخية. 

"حرب الوعي المتخفية في الفضاء الإلكتروني"

أما في البعد السيبراني، فقد تناولت دراسة ثالثة بعنوان "حرب الوعي المتخفية في الفضاء الإلكتروني" للباحث في معهد القدس للاستراتيجية والأمن، د. آفي دافيدي، نموذج مجموعة "حنظلة" بوصفها مثالاً على "استخدام إيران للوكلاء الإلكترونيين" في الحرب. وتقول الدراسة إن هذه المجموعة، المرتبطة بوزارة الاستخبارات الإيرانية، تمثل أداة هجومية فاعلة تعمل خارج الصيغة الرسمية، بما يتيح لطهران توجيه ضربات ضد "إسرائيل" والولايات المتحدة والمعارضة الإيرانية، مع الحفاظ على هامش إنكار ومساحة مناورة سياسية.

وبحسب الدراسة، لا يقتصر دور "حنظلة" على الاختراقات التقنية، بل يشمل أيضاً الحرب النفسية وصناعة الأثر المعرفي، من خلال تسريب المعلومات، وتهديد الأهداف، والترويج لإنجازات حقيقية أو متخيلة، بهدف تقويض الشعور بالأمان لدى الخصوم، وإظهار إيران كطرف قادر على الصمود والتأثير. وفي هذا الإطار، عُرضت عمليات استهداف مؤسسات إسرائيلية وأميركية ومعارضة إيرانية ضمن منطق واحد: توسيع رقعة المعركة، وفرض الكلفة، وبناء سردية توازن قوى نفسي وسيبراني.

وخلاصة ما تعكسه هذه الأدبيات الإسرائيلية أن إيران تخوض حملة مركبة تتداخل فيها القوة العسكرية، والقدرات الإعلامية، والأدوات السيبرانية، والذكاء الاصطناعي، ضمن استراتيجية لا تستهدف الحسم السريع بقدر ما تستهدف تشكيل البيئة الاستراتيجية على المدى البعيد.

اقرأ أيضاً: من وحدة الساحات إلى وحدة الجبهات: كيف أعادت قوى المقاومة تشكيل معادلة الحرب في المنطقة؟

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.

اخترنا لك