عودة نشاط "داعش" في مناطق سيطرة حكومة دمشق… اختراق أمني يهدد مسار الاستقرار

تصاعد العمليات التي ينفذها تنظيم داعش في سوريا في الآونة الأخيرة ينذر بمرحلة عودته إلى النشاط، في مرحلة انتقالية حساسة بعد سقوط النظام السابق... فكيف ستتعامل السلطات الجديدة مع تحدي التطرف؟

  • عودة نشاط
    عناصر من الأمن السوري ينفذون عملية مداهمة ضد خلايا لتنظيم داعش (أرشيف)

بعد عام على سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، بدأت مؤشرات مقلقة تظهر بشأن عودة نشاط خلايا تنظيم "داعش" داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية الجديدة، مستغلة مرحلة الانتقال السياسي والأمني وحاجة السلطات الناشئة إلى سد النقص في العنصر البشري داخل مؤسسات الأمن والجيش.

وبحسب معلومات متقاطعة، فإن خلايا تابعة للتنظيم تسللت خلال فترة انهيار النظام السابق، واتجهت نحو مناطق في شمال غربي البلاد، ولا سيما إدلب، حيث نجحت في الاندساس ضمن صفوف قوات الأمن العام والجيش الجديد، مستفيدة من عمليات تجنيد واسعة فرضتها متطلبات الانتشار السريع في المحافظات.

عمليات نوعية لإرباك المشهد الأمني

وتشير المعطيات إلى أن هذه الخلايا بدأت باستغلال وجودها داخل المؤسسات الأمنية لتنفيذ عمليات مدروسة تهدف إلى زعزعة الاستقرار وإحراج السلطات الجديدة أمام المجتمع الدولي، الذي أبدى دعماً واضحاً لمسار تثبيت الحكم الجديد.

ونفّذ التنظيم مؤخراً عمليتين وُصفتا بالأخطر منذ سقوط النظام السابق، الأولى في مدينة تدمر، وأسفرت عن مقتل جنديين أميركيين ومتعاون مدني، فيما وقعت العملية الثانية على الطريق الدولي حلب–دمشق قرب معرة النعمان، حيث نُفّذ كمين أدى إلى مقتل أربعة عناصر من الأمن العام.

كما رُصد انتشار حواجز متنقلة نفذتها خلايا التنظيم في مناطق متفرقة من ريف دمشق وإدلب، استهدفت عسكريين سوريين، في محاولة لفرض حالة من عدم اليقين الأمني وإظهار عجز السلطات عن ضبط المناطق الحيوية.

انقسامات داخل الجناح العسكري وتضارب الولاءات

في موازاة التهديد الذي تمثله خلايا تنظيم "داعش" المتغلغلة داخل المؤسسات الأمنية، تتحدث مصادر مطلعة ومراقبون عن وجود جناح داخل التشكيلات العسكرية التابعة للسلطات الحالية يُشتبه في تبنّيه موقفاً متساهلاً، أو داعماً بشكل غير مباشر، لتحركات التنظيم.

وبحسب هذه المصادر، فإن هذا الجناح ينظر بقلق إلى التقارب المتزايد بين السلطات السورية الجديدة والولايات المتحدة، ولا سيما في ما يتعلق بالتنسيق الأمني مع قوات التحالف الدولي، الذي يركّز على ملاحقة وتصفية قيادات سابقة كانت تنشط ضمن صفوف "جبهة النصرة" أو "جند الأقصى"، تحت ذريعة ارتباطها بتنظيم "داعش".

وترى هذه الأطراف أن هذا النهج يُستخدم، من وجهة نظرها، لتصفية حسابات قديمة وإعادة رسم موازين القوة داخل المشهد العسكري، معتبرة أن السلطات الحالية تسهّل عمل قوات التحالف على حساب التفاهمات الداخلية التي أسهمت في تثبيت سيطرتها بعد سقوط النظام السابق.

تحدٍّ إضافي أمام القيادة المؤقتة

وتشير هذه القراءة إلى أن هذا التباين داخل الجناح العسكري يشكل تحدياً إضافياً أمام القيادة السياسية، في وقت تسعى فيه السلطات إلى ترسيخ حكم الرئيس المؤقت أحمد الشرع، والحصول على دعم دولي مستدام يضمن الاستقرار الأمني وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

ويرى محللون أن استمرار هذه الانقسامات، في حال لم تُعالج، قد يوفّر بيئة خصبة لاختراقات أمنية جديدة، سواء من قبل "داعش" أو من قبل جماعات متطرفة أخرى، ما يضع السلطات أمام معادلة معقّدة تجمع بين متطلبات الشراكة الدولية وضرورة الحفاظ على تماسك أجهزتها الأمنية والعسكرية.

أهداف التنظيم وتحديات المرحلة

يرى مراقبون أن "داعش" يسعى، من خلال هذه التحركات، إلى تحقيق عدة أهداف، أبرزها تقويض حالة الاستقرار النسبي، وضرب الثقة الدولية بالحكومة الجديدة، وإعادة تقديم نفسه لاعباً قادراً على التأثير في المشهد السوري، مستغلاً هشاشة المرحلة الانتقالية وتعقيداتها.

في المقابل، تشير معلومات للميادين إلى أن السلطات السورية بدأت بالفعل تنفيذ إجراءات مشددة، شملت إطلاق عملية تدقيق واسعة لخلفيات العناصر التي انضوت مؤخراً في صفوفها، إلى جانب إعداد آليات فحص أمني واستخباري أكثر صرامة، ودراسات جديدة تتعلق بملفات المنتسبين بشكل عام.

وتأتي هذه الخطوات في إطار مسعى واضح لـ"تنظيف الصفوف" ومنع تكرار الاختراقات، في ظل إدراك رسمي بأن خطر التنظيم لا يهدد الأجهزة الأمنية فحسب، بل يمتد إلى السلم الأهلي والاستقرار العام في البلاد.

ويرجّح متابعون أن نجاح السلطات في معالجة هذا التحدي سيكون اختباراً حاسماً لقدرتها على الانتقال من مرحلة تثبيت السيطرة إلى بناء دولة مستقرة، قادرة على تفكيك التهديدات الداخلية ومنع استغلال مؤسساتها من قبل التنظيمات المتطرفة.

اخترنا لك