عقدة هرمز 2026: لماذا بات فتح المضيق بالقوة شبه مستحيل أمام ترامب؟

بين رعب الألغام و"السيادة الذكية"، إيران تفرض واقعاً جديداً في مضيق هرمز، كيف؟ وأي ضريبة تنتظر واشنطن؟

  • عقدة هرمز 2026: لماذا بات فتح المضيق بالقوة شبه مستحيل أمام ترامب؟
    عقدة هرمز 2026: لماذا بات فتح المضيق بالقوة شبه مستحيل أمام ترامب؟

لم يعد مضيق هرمز مجرّد ممرٍ مائي في حسابات الجغرافيا، بل تحوّل منذ نهاية شباط/فبراير الماضي إلى "مقصلةٍ" حقيقية للاقتصاد العالمي، وميدانٍ لاختبار حدود القوّة.

ففي أعقاب العدوان الأميركي-الإسرائيلي على إيران، انتقلت طهران من "دبلوماسية التهديد" إلى "استراتيجية الفعل"، فارضةً إغلاقاً كلياً للمضيق على سفن الأعداء في تحولٍ جيوسياسي غير مسبوق انعكست ارتداداته على عصب الطاقة الدولية.

هذا الإغلاق، الذي جاء رداً حاسماً على تجاوز الخطوط الحمر من قبل واشنطن و"إسرائيل"، لم يكن مجرّد رد فعلٍ عابر، بل هو التجسيد الميداني لوعيد الأميرال حبيب الله سياري عام 2011 حين سخر من تعقيدات الإغلاق واصفاً إياها بأنّها "أسهل من شرب كأس ماء".

اليوم، وفي قلب العاصفة، يبدو أنّ معادلة "إما الجميع يستخدم مضيق هرمز أو لا أحد" التي أرسى قواعدها قائد حرس الثورة آنذاك اللواء محمد علي جعفري عام 2018 بعد الضغوط الأميركية وتهديد إيران بمنعها من بيع نفطها، قد غادرت أدراج المكاتب العسكرية لتكتب بـ"النار والبارود" واقعاً جديداً، يفرض معادلات ردع بأدوات مختلفة أمام هيمنة قوى الاستكبار العالمي.

عقدة هرمز: حين تلتحم الجغرافيا بالبارود

ومع دخول الإغلاق الإيراني الكلي للمضيق أمام أعدائها حيّز التنفيذ، استيقظت إدارة دونالد ترامب على "كابوس جيوسياسي" يضرب في صميم شعار "أميركا أولاً" فالمضيق الذي كان يوماً شرياناً مفتوحاً، تحول إلى "عقدة" تهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتنذر بقفزات جنونية في أسعار الوقود داخل المدن الأميركية، في مشهدٍ ينبئ بانهيار متسارع لسلاسل الإمداد الدولية.

أمام هذا الاختناق الاقتصادي والتهديد المباشر لهيبة "البحار الدافئة"، لم يجد ترامب بُداً من الهروب إلى الأمام نحو خيار "الفتح بالقوّة"، معتبراً استمرار الإغلاق بمنزلة "إعلان حرب" صريح على الهيمنة الأميركية، وورقة ضغط إيرانية لا يمكن للبيت الأبيض التعايش مع ظلالها الثقيلة. غير أن دعوات ترامب لحلفائه في "الناتو" والعواصم الأوروبية لتشكيل تحالف لكسر الطوق البحري، اصطدمت بجدارٍ من الرفض والمخاوف، ما أثار حفيظة ترامب الذي لم يتردد في صبّ جام غضبه على الحلفاء واصفاً رفضهم بـ"الخطأ الأحمق"، ومصرحاً بغطرسة معهودة: "لا نحتاجكم".

لكن، وبعيداً عن "عنجهية" التصريحات، تصطدم مقامرة ترامب العسكرية بحقيقة مريرة ترصدها الدوائر الاستخبارية قبل غرف العمليات، وهي أنّ محاولة ما يسمى "تأمين الملاحة" بقوّة النار في زقاقٍ بحري ضيق كـ"هرمز"، قد تحوله من ممرٍ للنفط إلى "مقبرةٍ للأساطيل" الغازية، ولا سيما أنّ مجلس الدفاع الإيراني أعلن عن أنّ المرور عبر المضيق مرهون بالتنسيق مع طهران، وصاحب ذلك تحذير من أن أي هجوم على السواحل أو الجزر الإيرانية سيقود إلى تلغيم مسارات الوصول في الخليج، مع التذكير أنّ حرس الثورة في إيران نفّذ مناورة بحرية بعنوان "السيطرة الذكية على مضيق هرمز" في الـ16 من شباط/فبراير الماضي في المنطقة الاستراتيجية للمضيق، بإشراف ومتابعة ميدانية من القائد العام للحرس الجنرال الشهيد محمد باكبور، وهي مناورات تدريب على الرد السريع والحاسم ضد القوات المعادية.

وبعيداً عن ضجيج التصريحات في البيت الأبيض، تبرز الجغرافيا كخصمٍ أوّل لأيّ مغامرة عسكرية، فالمضيق ليس مجرّد ممر، بل هو "زقاق مائي" ضيّق وضحل، يجبر العملاقة منها على الإبحار تحت رحمة المنحدرات الجبلية الإيرانية. هنا، تصبح "الجغرافيا هي الاستراتيجية" بامتياز إذ استثمرت طهران عقوداً في تطويع تضاريسها، مخبئةً ترسانة من الصواريخ والمسيّرات في كهوف وأنفاق عصيّة على الرصد، وفق ما صرّحت الخبيرة في أمن الخليج كايتلين تالميدج لـ"نيويورك تايمز" الأميركية.

وتؤكد جينيفر باركر وهي ضابطة بحرية سابقة أنّ القرب الشديد والسواحل المتعرجة يحرمان السفن من "رفاهية الوقت" فالمسافة بين رصد التهديد والارتطام لا تتعدى دقائق، ما يحوّل أحدث المدمرات الأميركية إلى أهداف هشّة صُممت لتهديدات بعيدة المدى، لا لـ"قتال الشوارع البحري" في ممرات ضيقة. ومع وجود نحو 500 ناقلة نفط مشلولة الحركة اليوم، تبدو وعود ترامب بـ"المرافقة العسكرية" أشبه بضخ الدماء في عروقٍ مسدودة فالحماية المحدودة لعدد بسيط من السفن لا تطمئن شركات التأمين.

كذلك، تمتلك إيران ذخائر مرنة تستخدمها في ردع العدوان الأميركي الإسرائيلي ضدها، هذه الترسانة متنقلة ويصعب رصدها أو تدميرها بالكامل، وتشمل الطائرات المسيرة، والزوارق السريعة، وصواريخ كروز، والألغام البحرية "بالغة الخطورة"، وفق العقيد المتقاعد في سلاح مشاة البحرية مارك كانسيان. وبينما كان الرئيس ترامب يبشر العالم بـ"تدمير الأسطول الإيراني وترسانته الصاروخية"، كانت لغة الأرقام في شركة "كيبلر" تضحد هذه الادعاءات إذ وثّقت استهداف 17 سفينة منذ بدء العدوان على طهران.

لكن الرعب الحقيقي الذي يكبّل أساطيل "الناتو" هو شبح "الألغام البحرية"، فوفقاً للمحلل جوناثان شرودن، يكفي مجرد "الشك" بوجود لغم واحد لتتوقف الملاحة تماماً، إذ لا تجرؤ أيّ بحرية في العالم على إقحام قطعها الاستراتيجية في مياه "مفخخة" قد تعرّض البحارة لخطر مباشر، وهذا الأمر يبرر للناتو عدم موافقته على التحالف مع ترامب لفتح مضيق هرمز بالقوّة.

"الهروب إلى اليابسة": مقامرة ترامب البرية في الجزر الإيرانية

وأمام احتمال استعصاء غزو مضيق هرمز أمام البوارج الأميركية، يبدو أنّ إدارة ترامب قد قررت الهروب نحو "اليابسة"، في محاولة لفرض واقع ميداني جديد عبر السيطرة البرية على "العيون" الإيرانية المتقدمة في الخليج.

ففي غضون أسبوعين من شهر آذار/مارس الجاري، عاشت الدبلوماسية العسكرية لواشنطن حالة من التخبط الاستراتيجي، فبينما صرّح ترامب بأنّه "لا يخطط لغزو بري" في الـ6 من آذار/مارس الجاري، عادت أروقة "البنتاغون" لتكشف عن دراسة إرسال آلاف القوات من "مشاة البحرية" (المارينز)، في تحولٍ جذري يهدف إلى انتزاع السيطرة على جزر المضيق الاستراتيجية، وهي: (قشم، هرمز ولارك)، وثلاثتها تقع عند المدخل المباشر للمضيق.

هنا، تبرز خارطة الجزر الإيرانية كـ "كابوس لوجستي" يواجه المقامرة الأميركية، فإيران لا تدير المضيق من غرف العمليات في طهران فحسب، بل من قلاعٍ مائية محصّنة. تبرز جزيرة قشم كقاعدة انطلاق صاروخية ومقر للمسيّرات، بينما تتحكم جزيرة هرمز فعلياً بمدخل المضيق، وتوفر جزيرة لارك قدرة مراقبة تتجاوز قدرات الرادار التقليدية.

كذلك، لا يمكن أن نغفل أن إيران تمزج بين عقيدتين قتاليتين متكاملتين في مضيق هرمز، العقيدة القتالية "التقليدية" للجيش الإيراني والتكتيكات "غير التقليدية" لكتائب حرس الثورة، هذا الأمر يحوّل فكرة "غزو الجزر" من مناورة عسكرية محتملة إلى انتحار استراتيجي.

فالضريبة التي قد تدفعها واشنطن في تلك الجزر تبدو أعلى بكثير مما يمكن لترامب تحمّله ولا سيما أن الخبراء، وعلى رأسهم الضابطة السابقة في البحرية الأميركية جينيفر باركر، يجمعون على أنّ أيّ محاولة للإنزال البري تعني الانزلاق في مواجهة مباشرة مع "تعقيدات الأرض الإيرانية"، مضيفةً أنّ "قتل أو أسر جندي أميركي واحد لن يكون مجرد خسارة عسكرية عابرة، بل زلزالاً سياسياً عاصفاً من شأنه أن يقلب ديناميكيات الحرب رأساً على عقب".

وفي المحصلة، يكتمل مشهد استعصاء فتح مضيق هرمز بصرخة تحذير أطلقها وزير الحرب الأميركي الأسبق، جيم ماتيس الذي جزم باستحالة فتح المضيق بـ"القوة". فوفقاً لماتيس، تتطلب السيطرة العسكرية رقابة جوية وفضائية لا تهدأ على مدار الساعة، فوق ساحل إيراني يمتد لمسافات تفوق طول ساحل تكساس الأميركي، وهو ما يضع الجيوش أمام استنزافٍ لوجستي هائل.

ويرى ماتيس أن المخرج الوحيد لا يمر عبر فوهات المدافع، بل عبر ثلاثية "الحلفاء، الحلفاء، الحلفاء"، في إشارةٍ واضحة إلى فشل سياسة "الرجل الواحد" التي ينتهجها ترامب. ومع ذلك، يقرّ الجنرال الأميركي بمرارة المأزق فالانسحاب يعني انتصاراً لإيران، والبقاء يعني الغرق في نزيفٍ مالي واقتصادي سيحرق أصابع الإدارة في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

إيران: هرمز مفتوح للأصدقاء ومغلق في وجه الأعداء

على الرغم من كون مضيق هرمز المؤشر الأدق للنزاعات الجيوسياسية في المنطقة، وظهور شبح "الإغلاق" في كل أزمة كبرى، إلا أنّ التاريخ الملاحي الحديث لم يشهد إغلاقاً فيزيائياً كاملاً للمضيق. فالمضيق، الذي يعبر منه نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط، ظل مفتوحاً أمام حركة الملاحة، وإن كان قد شهد محطاتٍ من الشلل الجزئي أو "المواجهات النارية" التي جعلت من العبور مغامرة كبّدت شركات التأمين والشركات النفطية خسائر فادحة.

لقد مرّ المضيق بتوترات بلغت ذروتها في محطات رئيسية، صاغت قواعد الاشتباك القائمة اليوم، وهي: حرب الناقلات (1984-1988): خلال الحرب العراقية الإيرانية وخلالها تعرّضت الفرقاطة "يو إس إس صامويل ب. روبرتس" لأضرار بالغة بعد اصطدامها بلغم بحري إيراني، وأزمة الجزر (1992) بين إيران والإمارات إذ فرضت خلالها طهران قيوداً تفتيشية مشددة عل السفن، كذلك شهد المضيق أزمة تفجيرات (2019-2025) عبر ألغام لاصقة ما ألحق أضراراً بناقلات النفط، وأدّى في النهاية إلى رفع تكاليف التأمين وزاد من المخاوف لدى شركات الشحن.

في ذروة التصعيد الحاصل الآن تؤكد طهران أنّها لم تغلق المضيق بشكل كامل كاشفةً عن وجهٍ آخر لسيطرتها على المضيق، متجاوزةً فكرة الإغلاق المادي الشامل نحو ما تسميه "السيطرة الذكية".

فوفقاً للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقتشي وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الشهيد علي لاريجاني، فإنّ "هرمز مفتوح أمام الجميع"، لكنّه موصدٌ فقط في وجه "الأعداء الذين يمارسون عدواناً جباناً". هذه الاستراتيجية وضعت الملاحة الدولية أمام مسارين: الأول هو "الإغلاق المادي" عبر الحضور العسكري المباشر، والثاني هو "التحكم الإجرائي" الذي يحوّل المضيق إلى ممرٍ يخضع للقوانين الإيرانية والمواثيق الدولية حيث يتم توقيف السفن "المخالفة للقانون" واقتيادها للتحقيق، ما يجعل العبور رهناً بـ"التنسيق الكامل" مع السلطات المختصة الإيرانية.

ففي خطوة استراتيجية منسّقة، وجّهت وزارة الخارجية الإيرانية مذكرة رسمية إلى مجلس الأمن الدولي وإلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، تُقنّن فيها سياستها بشأن مضيق هرمز إذ عممت إيران رسالتها يوم الثلاثاء الماضي على 176 دولة عضو في المنظمة البحرية الدولية (IMO) في لندن، الرسالة لم تكن مجرد إخطارٍ عابر، بل هي قوانين جديدة للمرور.

فقد نصّت بوضوحٍ أنّ "الاستفادة من المرور الآمن" متاحة حصراً لـ"السفن غير المعادية"، شريطة التنسيق الكامل والالتزام بلوائح الأمن الإيرانية، مع استثناءٍ قطعي ونهائي لأيّ أصول أو معدات تابعة للولايات المتحدة أو "إسرائيل" أو "المشاركين في العدوان".

وبحسب ما كشفته صحيفة "فايننشل تايمز" البريطانية، فإنّ طهران تروّج لهذه التدابير بوصفها "إجراءات ضرورية ومتناسبة" لمنع استغلال المضيق في عمليات قتالية ضد أراضيها. وبذلك، نجحت الدبلوماسية الإيرانية في رمي الكرة في ملعب المنظمات الدولية حيث وضعت العالم أمام معادلةٍ مفادها: ضرورة الاعتراف بالولاية القانونية الإيرانية على المضيق كشرطٍ لتدفق الطاقة، محولةً هرمز من "مرفق دولي" إلى "بوابة سيادية" لا تُفتح إلا بمفاتيح التنسيق مع طهران.

وكشفت وكالة "بلومبرغ" أنّ إيران تطالب السفن الراغبة في عبور هرمز تحت حمايتها بتقديم معلومات تشمل قوائم بأفراد الطاقم والحمولات، إلى جانب تفاصيل الرحلة ووثائق الشحن، وذلك للحصول على الضوء الأخضر من حرس الثورة الإيراني.

آثار رسالة طهران تجلت بوضوح ولا سيما مع بعض العواصم الآسيوية، إذ أعلنت تايلاند أنّ ناقلة تابعة لشركة "Bangchak Corporation" نجحت في العبور فقط بعد محادثات مباشرة مع السلطات الإيرانية من دون رسوم، وفي وقت سابق عبرت الناقلة "كراتشي"، التي تديرها شركة الشحن الوطنية الباكستانية مضيق هرمز. كذلك، أكّد السفير الإيراني في سيؤول، سعيد كوزشي، اليوم الخميس، أنّ السفن الكورية الجنوبية يمكنها العبور عبر هرمز بعد تقديم تفاصيل دقيقة للسلطات الإيرانية بشأن الحمولات.

إيران اليوم لا تطلب وقف إطلاق النار، بل تفرض "قواعد اشتباك" تجعل من استمرار العدوان الأميركي-الإسرائيلي انتحاراً اقتصادياً يطال دول العالم التي تجد نفسها مضطرة للتنسيق مع طهران لضمان وصول إمدادات الطاقة، بعيداً عن مغامرات البيت الأبيض التي أحرقت أمن الملاحة قبل أن تشعل أسعار الوقود والمواد الغذائية في معظم دول العالم.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.

اخترنا لك