الحرب على المخيمات و"الأونروا": محاولة إسرائيلية لتفريغ قضية اللاجئين الفلسطينيين

تُظهر الوقائع أنّ الحملة الإسرائيلية على "الأونروا" ومخيمات اللاجئين تتجاوز تعطيل الخدمات الإنسانية، لتستهدف إعادة صياغة قضية اللاجئين الفلسطينيين عبر تفريغها من بعدها القانوني والسياسي وتحدّي المرجعية الأممية.

  • علم
    علم "إسرائيل" على بوابة مبنى "الأونروا"في القدس الشرقية المحتلة في 30 كانون الثاني/يناير 2025

منذ عقود طويلة، مثّلت المخيمات الفلسطينية رمزاً للصمود والثبات، وحافظةً للهوية الوطنية وسط أزمات اللجوء المتلاحقة. لكن اليوم، تواجه هذه المخيمات ما يمكن وصفه بـ "حرب مزدوجة "تجمع بين الضغوط الميدانية، من تدمير للبنية التحتية وتهجير للسكان، وبين الاستهداف المنهجي لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ("الأونروا")، التي تمثّل الحصن القانوني والإنساني الذي يكفل حقوق اللاجئين وحقهم في العودة.

في مخيمات الضفة الغربية، تشنّ "إسرائيل" محاولات ممنهجة لإلغاء ذاكرة المكان وتشويه هويته الوطنية والسياسية. وفي الوقت نفسه، تعمل عبر تشريعات وإجراءات متعسّفة على تقويض دور "الأونروا" وإضعاف قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية، بحيث تتحوّل قضية اللاجئين إلى مجرّد أرقام في سجلات إغاثية، بعيداًَ عن أيّ بعد سياسي أو قانوني، مستهدفة بذلك الاعتراف الدولي المستمر بحقوقهم وحقهم في العودة.

هذا التقرير يستعرض أبعاد الحرب على المخيمات و"الأونروا"، بين الانتهاكات الميدانية والسياسات الإسرائيلية، مسلّطاً الضوء على التداعيات الإنسانية والقانونية، ومبرزاً كيف أصبحت هذه الحرب جزءاً من مسار أكبر يهدف إلى إعادة صياغة واقع اللاجئين الفلسطينيين ومستقبل قضيتهم.

الحرب على "الأونروا": من استهداف الخدمات إلى محاولة شطب قضية اللاجئين

لم يعد استهداف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" يُقرأ بوصفه خلافاً إدارياً أو أزمة تمويل عابرة، بل بات جزءاً من مسار سياسي أوسع يسعى إلى إعادة صياغة ملف اللاجئين الفلسطينيين من جذوره. ففي الأراضي الفلسطينية المحتلة، تتكثّف الإجراءات ضدّ الوكالة في الضفة الغربية وقطاع غزة بما فيها القدس الشرقية، في سياق يراه مراقبون تمهيداً لتعميم النموذج على بقية مناطق عملها في المنطقة، بما يحوّل الضغط الميداني إلى سياسة ممنهجة لإعادة تعريف دور الوكالة أو إنهائه.

في هذا السياق، يؤكّد الكاتب والخبير المختص بشؤون اللاجئين ومدير الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين، علي الهويدي، في مقابلة مع "الميادين نت"، أنّ عين الاحتلال تتجه نحو ما يسمّيه "مرحلة حسم الصراع"، معتبراً أنّ "الأونروا" تمثّل إحدى العقبات المركزية أمام هذا الحسم، لما تختزنه من أبعاد قانونية وسياسية وإنسانية لقضية اللاجئين. فوجود الوكالة، وفقاً له، ليس مجرّد تقديم خدمات تعليمية أو صحية أو إغاثية، بل هو تجسيد حيّ لاعتراف دولي متواصل بمسؤولية المجتمع الدولي تجاه اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم غير القابلة للتصرّف، وفي مقدّمتها حقّ العودة والتعويض واسترداد الممتلكات.

ويشير الهويدي إلى أنّ استهداف "الأونروا" في الميدان سواء عبر إغلاق مقارها أو هدمها، أو تقييد حركتها، أو اقتحام منشآتها، أو تعطيل خدماتها لا يمكن فصله عن محاولة أوسع لتقويض المرجعية القانونية التي تستند إليها. فالوكالة أنشئت بموجب القرار الأممي 302 الصادر عام 1949، واقترن وجودها سياسياً وقانونياً بالقرار 194 الذي أكد حقّ اللاجئين في العودة. ومن ثمّ، فإنّ المساس بها يعني ضمنياً المساس بالإطار الأممي الناظم لقضية اللاجئين.

ويتجاوز الأمر البعد المؤسسي إلى استهداف المخيم نفسه بوصفه فضاءً سياسياً ورمزاً قانونياً. فالمخيم ليس مجرّد تجمّع سكني فقير، بل شاهد تاريخي على واقعة اللجوء المستمرة. ومن هنا، يقرأ مراقبون محاولات تغيير صفة المخيمات أو إلغاء مكاتب "الأونروا" فيها باعتبارها سعياً إلى تفكيك البنية الرمزية للقضية، وتحويل اللاجئ من صاحب حقّ سياسي إلى متلقٍ لخدمة اجتماعية قابلة للإلغاء.

كما يلفت الهويدي إلى أنّ الإجراءات المتخذة في القدس، من اقتحام مقار تابعة للوكالة ومصادرة محتوياتها ورفع أعلام الاحتلال فوقها، تمثّل تحدّياً مباشراً للحصانة التي تتمتّع بها مؤسسات الأمم المتحدة بموجب اتفاقية امتيازاتها وحصاناتها لعام 1946. 

وفي قطاع غزة، يتجلّى الضغط من خلال ربط إدخال المساعدات الإنسانية أو استمرار الخدمات بشروط تمسّ جوهر عمل الوكالة، ما يضع العمل الإغاثي في قلب التجاذب السياسي.

في المحصّلة، تبدو الحرب على "الأونروا"، وفق هذا المنظور، محاولة لإعادة صياغة تعريف اللاجئ الفلسطيني نفسه: من لاجئ تحكم وضعه قرارات دولية واضحة، إلى حالة إنسانية عامة قابلة للإدارة المحلية أو الدمج القسري أو التصفية التدريجية. وبينما تستمر الضغوط السياسية والمالية، يبقى مصير الوكالة مرتبطاً بسؤال أعمق: هل يستطيع المجتمع الدولي الحفاظ على التزامه التاريخي تجاه قضية اللاجئين، أم يُترك الملف ليُعاد تشكيله وفق موازين القوة على الأرض.

انتهاك الحصانة الأممية

يضع الهويدي ما يجري بحقّ "الأونروا" ضمن إطار قانوني صريح، معتبراً أنّ المسألة تتجاوز البعد السياسي إلى خرق واضح لقواعد القانون الدولي العامّ. فالأراضي الفلسطينية، وفق القرارات الأممية المتعاقبة، تُصنّف أراضي محتلة، ما يُخضع القوة القائمة بالاحتلال لالتزامات محدّدة بموجب اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، وفي مقدّمتها ضمان سير العمل الإنساني واحترام المؤسسات الدولية العاملة في الإقليم المحتل.

ويشير الهويدي إلى أنّ اتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة لعام 1946 تشكّل المرجعية الأساسية التي تنظّم وضع مقارّ الأمم المتحدة وممتلكاتها وموظفيها، إذ تنصّ بوضوح على تمتع منشآت المنظمة الدولية بالحصانة من التفتيش أو المصادرة أو أيّ شكل من أشكال التدخّل الإداري أو الأمني من قبل السلطات المحلية. كما تكفل الاتفاقية حرية المنظمة في أداء وظائفها من دون عوائق، باعتبارها هيئة دولية مستقلة لا تخضع لسلطة الدولة المضيفة أو القوة القائمة بالاحتلال.

وعليه، فإنّ اقتحام مقار "الأونروا" في القدس الشرقية أو غيرها، ومصادرة محتوياتها، ورفع أعلام الاحتلال فوقها، أو تدمير منشآت داخل مجمّعاتها، لا يُعدّ مجرّد إجراء أمني أو إداري، بل يشكّل من منظور قانوني انتهاكاً مباشراً للحصانة الأممية ومساساً بمكانة الأمم المتحدة ذاتها. فالحصانة هنا ليست امتيازاً إجرائياً، بل ضمانة لاستقلال العمل الدولي وحياده.

ويمضي الهويدي أبعد من ذلك ليؤكّد أنّ تعطيل خدمات الوكالة أو منعها من العمل في مناطق عملياتها يُعدّ خرقاً مزدوجاً: خرقاً للحصانة المؤسسية، وخرقاً لالتزامات القوة القائمة بالاحتلال بضمان وصول الخدمات الأساسية للسكان المدنيين الواقعين تحت الاحتلال. إذ لا يجوز، وفق القانون الدولي الإنساني، استخدام الاحتياجات الإنسانية كورقة ضغط سياسي أو أداة لإعادة هندسة الواقع الديموغرافي والقانوني.

أما على مستوى التشريعات الصادرة عن سلطات الاحتلال لمنع عمل "الأونروا" في الأراضي المحتلة، فيعتبر الهويدي أنها تفتقر إلى أيّ شرعية دولية، لأنها تصدر عن سلطة احتلال لا تملك السيادة القانونية على الأرض. فالقانون الدولي لا يعترف بنقل السيادة عبر الاحتلال، ولا يمنح القوة المحتلة صلاحية إلغاء أو تعديل التزامات دولية قائمة بين الأمم المتحدة والإقليم المحتل.

وبذلك، فإنّ ما يجري لا يقتصر على استهداف وكالة إنسانية، بل يمسّ البنية القانونية التي تنظّم العلاقة بين الاحتلال والمجتمع الدولي، ويفتح الباب أمام سابقة خطيرة مفادها أنّ بإمكان قوة احتلال أن تُقصي مؤسسة أممية بقرار أحادي، في تعارض مباشر مع النظام القانوني الدولي الذي تأسست عليه الأمم المتحدة نفسها.

عام على العدوان الإسرائيلي الموسّع على مخيمات شمال الضفة الغربية

بعد مرور عام على انطلاق العدوان الإسرائيلي الواسع على مخيمات شمال الضفة الغربية، تبرز حصيلة ثقيلة على المستويين البشري والعمراني. فقد وثّقت وزارة الصحة الفلسطينية استشهاد عشرات الفلسطينيين في شمال الضفة، في سياق عمليات عسكرية متواصلة استهدفت المخيمات ومحيطها، شملت اقتحامات متكررة، وإعدامات ميدانية، وعمليات قصف وتجريف.

وأفادت وكالة "الأونروا" بأنّ هذه العمليات أدّت إلى تدمير مئات المنازل وتشريد نحو 32 ألف فلسطيني من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس والمناطق المحيطة بها، ما فاقم من هشاشة الأوضاع الإنسانية للاجئين وعمّق أزمة الفقر والتهجير القسري. ووصف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA هذه التطوّرات بأنها أطول وأوسع أزمة تهجير تشهدها الضفة الغربية منذ عام 1967، في ظلّ استمرار العمليات العسكرية منذ كانون الثاني/يناير 2025.
وعلى صعيد البنية التحتية، أظهرت تقارير أممية تضرّر نحو 1460 مبنى كلياً أو جزئياً في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، بينها 676 مبنى في مخيم جنين، و382 في نور شمس، و402 في طولكرم، شملت منازل سكنية ومرافق خدمية. كما أشار نادي الأسير الفلسطيني إلى اعتقال نحو 2300 فلسطيني خلال العام المنصرم، في حين جرى تحويل مئات المنازل إلى ثكنات عسكرية، ضمن سياسة ميدانية واسعة لإعادة تشكيل الفضاء العمراني للمخيمات وأثّرت بشكل كبير في الحياة اليومية لسكانها.

المخيمات: استهداف الهوية قبل البنية

لا تنفصل الحرب على "الأونروا" عن الحرب على المخيمات نفسها، بوصفها الحاضنة المادية والرمزية لقضية اللاجئين. فبحسب الهويدي، فإنّ ما يجري في مخيمات شمال الضفة الغربية (جنين، نور شمس، طولكرم، والفارعة) يتجاوز كونه عمليات عسكرية تستهدف مجموعات مسلحة أو بنى تحتية محدّدة، ليطال البنية المعنوية والسياسية للمخيم باعتباره تجسيداً حيّاً لقضية اللجوء وحقّ العودة.

خلال العام الأخير، أسفرت العمليات العسكرية الواسعة عن تدمير مئات المنازل وإلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية، من شبكات المياه والكهرباء إلى الطرق والمدارس والمرافق الصحية، فضلاً عن تهجير عشرات الآلاف من اللاجئين قسراً من بيوتهم. هذا الواقع الإنساني القاسي، الذي أعاد إلى الواجهة مشاهد النزوح الجماعي، لم يكن وفق قراءة الهويدي مجرّد نتيجة جانبية للعمليات العسكرية، بل جزءاً من سياق أوسع لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والقانوني للمخيمات.

الأخطر، في تقديره، هو الشروط التي طُرحت لعودة المهجرين، والتي تتضمّن إلغاء صفة "مخيم" عن هذه التجمّعات، وإغلاق مكاتب "الأونروا" فيها، وتحويل تسميتها إلى "حيّ" تابع إدارياً للمدينة. هذه الطروحات، وإن بدت في ظاهرها إجراءات تنظيمية، تمسّ في جوهرها المكانة القانونية والسياسية للمخيم، إذ إنّ المخيم ليس مجرّد تجمّع سكني فقير، بل فضاء قانوني يرتبط مباشرة بصفة اللجوء وبقرار الأمم المتحدة 302 الذي أنشأ "الأونروا"، وبالقرار 194 الذي أكد حقّ العودة والتعويض.

ويشير الهويدي إلى أنّ شطب مصطلح "مخيم" يعني عملياً محاولة شطب الصفة الجماعية للاجئين القاطنين فيه، وتحويلهم إلى سكان محليين بلا وضع قانوني خاص، بما يسهّل لاحقاً التعامل مع قضيتهم كمسألة اجتماعية أو بلدية، لا كقضية سياسية مرتبطة بجريمة اقتلاع تاريخية لم تُحلّ بعد. فالمخيم بهذا المعنى هو شاهد دائم على النكبة واستمرارها، وإلغاؤه رمزياً يمهّد لإضعاف المطالبة بالعودة.

وقوبلت هذه الطروحات برفض واضح من المرجعيات المحلية والبلديات واللجان الشعبية في المخيمات، إدراكاً منها أنّ المسألة تتجاوز تحسين الخدمات أو إعادة الإعمار، إلى محاولة تفريغ المخيم من دلالته الوطنية. فالتمسّك باسم "المخيم" ليس تمسّكاً لفظياً، بل دفاع عن هوية سياسية وقانونية تشكّلت على مدار أكثر من سبعة عقود.

من هنا، تبدو الحرب على المخيمات في بعدها الأعمق حرباً على الذاكرة والرمزية، وعلى الصفة القانونية للاجئ، قبل أن تكون حرباً على الأزقة الضيّقة أو البنية التحتية المتآكلة. إنها محاولة لإعادة تعريف المكان، تمهيداً لإعادة تعريف الإنسان نفسه: من لاجئ ينتظر حلاً سياسياً عادلاً، إلى مقيم دائم يُطلب منه التأقلم مع واقع دائم بلا أفق للعودة.

القدس وغزة: رسائل إسرائيلية ميدانية للشرعية الدولية

وفقاً لعلي الهويدي، في القدس الشرقية، لم تقتصر الإجراءات الإسرائيلية على التضييق الإداري أو الحملات الإعلامية، بل اتخذت طابعاً ميدانياً مباشراً يحمل رسائل سياسية وقانونية واضحة. فقد شهدت المدينة اقتحام مقارّ تابعة لوكالة "الأونروا"، ومصادرة محتوياتها، وإلحاق أضرار بمنشآتها، في سلوك يتجاوز حدود النزاع المحلي إلى اختبار علني لمدى قدرة الأمم المتحدة على حماية مؤسساتها في أرض مصنّفة دولياً كأرض محتلة. وبلغت هذه الرسائل ذروتها في مشاهد إنزال علم الأمم المتحدة ورفع علم الاحتلال فوق بعض المقار، في خطوة اعتبرها الهويدي تحدّياً رمزياً ومباشراً للشرعية الدولية وللنظام القانوني الذي يفترض أن يكفل حصانة المؤسسات الأممية.

ويضيف الهويدي أنّ هذه الإجراءات مرتبطة بمحاولات إعادة تعريف الوجود الأممي في القدس، باعتبارها وفق الرؤية الإسرائيلية "عاصمة موحّدة"، في مقابل الموقف الدولي الذي لا يعترف بضمّها. ومن هنا، فإنّ استهداف "الأونروا" في القدس لا يُفهم فقط كاستهداف لوكالة خدمات، بل كجزء من معركة السيادة على المدينة وروايتها السياسية والقانونية.

كما يشير الهويدي إلى أنّ استهداف منشآت تعليمية مثل معهد قلنديا، الذي قدّمته الحكومة الأردنية للـ"أونروا" عام 1953 قبل احتلال الضفة الغربية، يثير جدلاً قانونياً حول الادّعاءات المتعلّقة بملكيّة الأرض، موضحاً أنّ هذه الإجراءات تتجاوز العقار المحدّد لتستهدف مبدأ احترام الالتزامات الدولية السابقة على الاحتلال.

وفي قطاع غزة، يلفت الهويدي إلى أنّ الضغوط تتخذ شكل ربط إدخال المساعدات الإنسانية بشروط تمسّ بعمل "الأونروا"، ما يحوّل الاحتياجات الأساسية للسكان من غذاء ودواء ومأوى إلى أوراق ضغط سياسية. ويؤكّد أنّ أيّ مساس بدور الوكالة في هذا السياق يتجاوز البعد الإداري ليصبح تهديداً مباشراً للحقّ في الحياة والصحة والتعليم لمئات الآلاف من الفلسطينيين.

ويخلص الهويدي إلى أنّ القدس وغزة تمثّلان ساحتين متكاملتين في توجيه رسائل ميدانية إلى المجتمع الدولي: الأولى حول السيادة والرمزية والحصانة الأممية، والثانية حول حدود العمل الإنساني في ظل الحرب، مؤكّداً أنّ مستقبل "الأونروا" هو اختبار لقدرة النظام الدولي على حماية قراراته ومؤسساته في مواجهة واقع مفروض على الأرض.

القرار 302: المرجعية التي لا يمكن تجاوزها

يؤكّد الهويدي أنّ وجود وكالة "الأونروا" يرتكز بشكل جوهري على القرار الأممي رقم 302 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في كانون الأول/ديسمبر 1949، والذي أسّس للوكالة كهيئة دولية مسؤولة عن إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين. ووفقاً له، فإنّ هذا القرار يضفي على "الأونروا" صفة المرجعية القانونية الدولية، ويحدّد آليات عملها ونطاق صلاحياتها، ما يجعل أيّ تعديل أو إنهاء لدورها مسألة خاضعة فقط للآليات الأممية، وليس للإجراءات الأحادية التي قد تصدر عن سلطات الاحتلال.

ويشير الهويدي إلى أنّ الصراع الراهن على "الأونروا" ليس مجرّد نزاع حول وكالة خدمات، بل هو صراع على المرجعية القانونية والسياسية لقضية اللاجئين الفلسطينيين. فاستهداف الوكالة، بحسبه، يحمل في طيّاته محاولة لإعادة تعريف مكانة اللاجئين الفلسطينيين: هل يظل وضعهم تحت مظلة قرار أممي يعترف بحقوقهم التاريخية، بما فيها حقّ العودة، أم يُعاد تصنيفهم ضمن أطر إنسانية ضيّقة تُحصر في تقديم الخدمات وتُفرغ القضية من مضمونها القانوني والسياسي؟

ويخلص الهويدي إلى أنّ هذه المعركة تكشف أنّ استهداف "الأونروا" يتجاوز نطاق البنية التحتية والخدمات الإغاثية ليصل إلى محاولة إعادة صياغة الرواية والهوية الفلسطينية، وفرض رؤى سياسية وقانونية بديلة على اللاجئين. ويصف الهويدي هذه المرحلة بأنها لحظة مفصلية في مسار القضية الفلسطينية، حيث تصبح "الأونروا" ساحة اختبار للقدرة الدولية على حماية الحقوق والمرجعيات القانونية في مواجهة محاولات الاحتلال للانفراد بتحديد مصائر الفلسطينيين.

الخاتمة

تظهر الوقائع المتعلّقة بالحملة الإسرائيلية على "الأونروا" ومخيمات شمال الضفة، وكذلك الإجراءات في القدس وقطاع غزة، أنّ ما يجري ليس مجرّد تعطيل خدمات إنسانية، بل محاولة لإعادة صياغة قضية اللاجئين الفلسطينيين من جذورها. فالتهجير، تغيير هوية المخيمات، التضييق على عمل الوكالة، واستهداف منشآتها التعليمية والخدمية، كلّها أدوات تهدف إلى تفريغ القضية من بعديها القانوني والسياسي، وتحدّي المرجعية الأممية المتمثّلة في القرار 302 وقرارات الأمم المتحدة.

وفي ظلّ هذه الوقائع، يصبح الحفاظ على "الأونروا" وحقوق اللاجئين مهمة استراتيجية، لا إنسانية فقط، لما تمثّله من اعتراف دولي مستمر بمسؤولية المجتمع الدولي تجاه اللاجئين وحقّ العودة. كما تؤكّد إفادات الهويدي، أنّ المعركة الراهنة هي معركة على الهوية والمرجعية القانونية، وليست مجرّد مواجهة على البنية التحتية والخدمات.

اقرأ أيضاً: "الأونروا": تصعيد إسرائيلي ضد الوكالة في القدس يهدد 190 ألف لاجئ

اخترنا لك