إيران المضادة للهشاشة.. ما هي عوامل صمودها أمام العدوان؟

عبر عقود من الحصار الاقتصادي وصولاً إلى المواجهة العسكرية اليوم، بنى النظام في إيران دولة بجسد مضاد للهشاشة، قادر على التأقلم مع حالات الضغوط القصوى، ولو تمثلت باغتيال قائد الثورة.

  • إيران المضادة للهشاشة.. ما هي عوامل صمودها أمام العدوان؟
    إيران المضادة للهشاشة.. ما هي عوامل صمودها أمام العدوان؟

نجح نظام الجمهورية الإسلامية في إيران في استيعاب الحدث الجلل. اغتيال قائد الثورة الشهيد السيد علي خامنئي، الذي أدار إيران لـ 37 عاماً، من فاعل خارجي، نزل كالصاعقة على قلوب وعقول الإيرانيين بمختلف توجهاتهم السياسية، لكنه في الوقت عينه وحدهم في مواجهة عدوان أميركي وإسرائيلي يستهدف دور بلادهم ووحدتها الداخلية تمهيداً للنيل من سيادتها وتغيير دورها الإقليمي.

السؤال هنا: كيف لم ينهر النظام والدولة التي تعرضت قبل أشهر قليلة لعدوان إسرائيلي مفاجئ استشهد فيه قيادات عسكرية من الصف الأول دفعة واحدة، ثم هاجمت الولايات المتحدة منشآتها النووية التي تشكّل إحدى أبرز معالم تجربة الجمهورية الإسلامية؟ ربما هذا السؤال دار أيضاً في ذهن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي سأل مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف خلال فترة المفاوضات غير المباشرة والتحشيد العسكري حول إيران، عن سبب عدم استسلام الإيرانيين.

في هذا التقرير، نحاول فهم بعض العوامل التي ساعدت إيران في الصمود خلال الحرب الحالية.

حرب الـ 12 يوماً

كان وزير خارجية إيران عباس عراقتشي في اتصال هاتفي مع نظيره التركي حقان فيدان، حينما رأى ضوءاً في السماء ثم سمع أصوات انفجارات متتالية، ليل 12-13 حزيران/يونيو 2025. 

بدأت الحرب باغتيال النخبة العسكرية الإيرانية كقائد الحرس الثوري وقائد القوة الجوفضائية، وعلماء نوويين من أعمدة برنامج إيران السلمي. وبحسب وكالة فارس، نجى الرئيس مسعود بزشكيان وعدد من قادة البلاد، من محاولة اغتيال خلال جلسة للمجلس الأعلى للأمن القومي.

إرباك اللحظات الأولى استدعى تدخل قائد الثورة السيد خامنئي لإدارة الحرب، عبر تعيين بدلاء للقادة الشهداء، وحتى في توجيه الإدارة العسكرية. 

ربما يشرح ما سبق حجم مفاجأة طهران بالعدوان الذي شنّ عليها. لكن في الحرب الحالية، اختلفت ردة الفعل. بعد ساعات قليلة من استهداف السيد خامنئي وعائلته وقادة عسكريين أساسيين، ولما يكن الغبار قد انقشع عن مصيرهم بعد، بدأت الجمهورية الإسلامية ردها الذي بدا كأنه أعِد مسبقاً لمثل هكذا سيناريو. ضرب القواعد الأميركية في الخليج، وجمع واشنطن العسكري وعناصرها هناك، إضافة إلى استهداف كيان الاحتلال. 

وكان القائد العام للجيش الإيراني اللواء أمير حاتمي أوضح سابقاً أن الحرب الماضية شكّلت اختباراً عملياً غير مسبوق للمنظومات الدفاعية والهجومية على حدّ سواء.

جاءت عمليات إيران العسكرية المنضبطة، بالتوازي مع قيادة سياسية متماسكة سرعان ما شكّلت مجلساً مؤقتاً لإدارة البلاد ريثما يتم انتخاب قائد جديد، ضمّت كل من بزشكيان ورئيس السلطة القضائية الشيخ غلام حسين محسني إيجئي، وعضو مجلس الخبراء الشيخ علي رضا أعرافي.

بدا كأن حرب حزيران قد صقلت تصور إيران لكيفية وقوع أي اشتباك واسع مع "إسرائيل" وأميركا، وبنت على التجربة، وما يعزّز هذا الفهم هو تصريحات الشخصيات السياسية الإيرانية حول توقّعهم بشنّ عدوان جديد. 

التحشيد العسكري حول إيران

جاء التحشيد العسكري الأميركي حول إيران ليشي بما هو آت في حال قرّر ترامب تفجير طاولة المفاوضات. أحضرت واشنطن حاملتي الطائرات "أبراهام لينكولن" و"يو إس إس جيرالد فورد"، إضافة إلى مقاتلات عسكرية وشبحية، بما لا يترك مجالاً للشك بأن شيئاً ما يحضّر للجمهورية الإسلامية.

فهمت إيران ذلك، وأكملت عملية التفاوض وهي تتجهز لمعركة غادرة قادمة، سيما أن ترامب توعّد بالتدخل العسكري لدعم جماعات مارست الشغب المسلح الذي شهدته إيران قبل فترة قصيرة، وهي تعلم نوايا ترامب بعد أن رأت بأم العين اختطافه للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع العام، لتغيير وجهة سياسة كاراكاس.

مواجهة الشغب المسلح

سبقت أعمال الشغب المسلح التي قادتها مجموعات في عدة محافظات إيرانية لأيام، الحرب الأميركية بشهرين تقريباً، وقد أدّت إلى استشهاد مدنيين، وعناصر من الشرطة و"الباسيج" الذين أخمدوا هذه التحركات.

ومن خلال النظر إلى الدعم الغربي الواضح إعلامياً وسياسياً لهذه الجماعات، شعرت إيران بأن مشروع تغيير النظام بالقوة ماضٍ وأن هذه التحركات ستكون مقدمة لما هو أقسى، فكانت أكثر جاهزية للتعامل مع سيناريو حرب خارجية وتحركات داخلية تمهّد الطريق لضرب الأمان الاجتماعي والمرافق الحيوية للدولة.

وفي هذا السياق، قال رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن أحد أهداف الحرب على إيران هو "خلق ظروف تمكّن الشعب الإيراني من رفع عبء الاستبداد عن كاهله"، في إشارة واضحة إلى إسقاط النظام.

تفكيك خلايا العملاء

انكشفت عشرات خلايا العملاء في حرب الـ 12 يوماً وبعدها، وخلال أعمال الشغب المسلح. فقد ألقت السلطات الأمنية القبض على مجموعات قالت إنها مرتبطة بـ"الموساد" الإسرائيلي وجهات معادية.

وقد كشفت تصريحات مسؤولين إيرانيين أن هذه الخلايا عملت على تأمين الجمع الاستخباري الإسرائيلي حول القدرات العسكرية الإيرانية، علاوة على المساهمة في ضرب هذه القدرات كمنظومات الدفاع الجوي ومنصات إطلاق الصواريخ، والاغتيالات الداخلية.

ساعد هذا الجهات المختصة في إيران على تحديد نمط عمل أجهزة الاستخبارات المعادية وتتبع المجموعات المتعاملة معها، وبالتالي تأمين الإجراءات الوقائية لتجنب انكشاف المراكز الحساسة المعنية بالعمل الحربي، وإحباط الجهود الأمنية لأعدائها داخل جغرافيتها.

الدعم الشعبي

تشهد إيران يومياً منذ بدء الحرب الأخيرة، مظاهرات شعبية داعمة للثورة ورافضة للعدوان واغتيال السيد خامنئي، ما يحصن ظهر النظام ويظهر مدى التأييد الذي يحظى به أمام الفاعلين السياسيين في البلاد من معارضين، وأمام كل من الولايات المتحدة و"إسرائيل".

وهذا النوع من المظاهرات سابق للحرب الأخيرة. ففي كانون أول/يناير 2026، نزل الملايين إلى الشارع دعماً للنظام في مواجهة الشغب المسلح.

الحصار المديد

منذ عقود، والشعب الإيراني وقيادته يختبران شتى طرق العقوبات والحصار الاقتصادي، وانعكاساته السلبية على معيشة المواطنين، وتقييده لعمليات التجارة الدولية واستيراد حاجيات أساسية في شتى القطاعات، من أبرزها قطع غيار الطيران على سبيل المثال لا الحصر.

وعلى سوء انعكاساته، ساعد ذلك في تأقلم إدارات الدولة المعنية في التعامل مع هذا التقييد، وهو ما يؤتي أكله في أوقات حرجة كالحروب، التي تستدعي استنفاراً في تأمين الحاجيات الأساسية وحماية النقد، وإن كان هذا تحدياً مستمراً لا يمكن الحكم عليه حتى هذه اللحظة.

بنية النظام

يختصر الإعلام الغربي فكرة "ولاية الفقيه" التي بني عليها النظام الإيراني منذ انتصار الثورة بقيادة آية الله الخميني، بشخص قائد الثورة. وعلى الرغم من الصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها منصب الإرشاد، إلا أنه يبدو كتكثيف لهيكلية معقدة تدير البلاد، وتوازنات داخلية تحتاج الدقة في اتخاذ القرار.

يبرز المشهد الحالي دور المؤسسة في إيران. اليوم هناك مجلس خبراء منتخب من قبل الشعب الإيراني، يحضر لانتخاب قائد جديد للبلاد. فقد نجح السيد خامنئي، على مدى سنوات قيادته، في تثبيت بيروقراطية تستطيع توليد البدلاء وتهيئة شخصيات لتكون في مراكز القرار.

وكانت تجربة إجراء انتخابات رئاسية مباشرة بعد استشهاد الرئيس الأسبق إبراهيم رئيسي، إحدى علامات الصحة لدى الدولة الإيرانية والمناعة أمام الملمات الكبرى.

في المحصلة، يبدو أن الجمهورية الإسلامية وعلى مدى عقود من التحديات القاسية، والتي قلّما تعرضت لها دول أخرى، تمكنت من صناعة جسد دولة مضاد للهشاشة، يرفض الفراغ ويتأقلم مع حالات التقلص السياسي الإقليمي، والحرب.

وبناء على ما تقدّم، فإن إيران ثبّتت بالتراكم قدرتها على الصمود أمام سيل الاعتداءات متنوعة الأساليب، ومنحتها ديناميكية في عملها العسكري المنقسم إلى دفاع عن أراضيها، وهجوم على مواقع الاحتلال والقواعد الأميركية.

اقرأ أيضاً: "أجاكس": حين قتلت واشنطن الديمقراطية الإيرانية!

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.

اخترنا لك