"الجيش" الإسرائيلي وأزمة القوى البشرية: أعلام حمراء قبل الإنهيار الداخلي

أزمة القوة البشرية في "جيش" الاحتلال الإسرائيلي تتحول إلى خلل بنيوي متفاقم، ناتج عن الاستنزاف العسكري وتعدد الجبهات والتعثر السياسي في التجنيد، ما يقيّد قدرته العملياتية ويهدد جاهزيته لخوض حرب طويلة ومتعددة الساحات.

  • جنود في "جيش" الاحتلال الإسرائيلي

تواجه "إسرائيل" أزمة متفاقمة في القوة البشرية داخل "جيشها"، لم تعد مجرّد نقص عددي قابل للاحتواء، بل تحوّلت إلى مشكلة بنيوية تمسّ الجاهزية العسكرية وقدرة "الجيش" على إدارة حرب متعددة الجبهات. برزت هذه الأزمة إلى العلن بصورة غير مسبوقة عندما حذّر رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زمير، من أن "الجيش" يقترب من "انهيار داخلي"، رافعاً، خلال الحرب، ما وصفه بـ"عشرة أعلام حمراء" أمام المجلس الوزاري المصغّر، ومطالباً بحلول تشريعية عاجلة تتعلق بالتجنيد، والاحتياط، وتمديد الخدمة الإلزامية. غير أن هذا التحذير، على خطورته، جاء امتداداً لتحذيرات سابقة أطلقتها جهات عسكرية وسياسية وإعلامية، من دون أن تجد حتى الآن معالجة حكومية حاسمة، بحسب مجمل التقارير الإسرائيلية.
 
تتحدد الأزمة بعدد من العوامل المتراكمة. أولها، الاستنزاف البشري الناتج عن الحروب المتواصلة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وما رافقها من مقتل وجرح أعداد كبيرة من الضباط والجنود، إلى جانب خروج آخرين من الخدمة بسبب التقاعد أو الإرهاق، كان آخرها اعتراف "الجيش" الإسرائيلي بإصابة أكثر من 650 ضابطاً وجندياً إسرائيلياً خلال المواجهات الأخيرة مع حزب الله في لبنان. وثانيها، اتساع رقعة المهام العسكرية الإسرائيلية في وقت واحد، بين غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا وإيران، بما يفوق قدرة "الجيش" الحالية على التحمّل المستدام. وثالثها، التعثر السياسي والتشريعي في سنّ قوانين تلبّي حاجات "الجيش" الفعلية، سواء في ما يتعلق بتوسيع قاعدة التجنيد، أو تمديد الخدمة النظامية، أو تنظيم خدمة الاحتياط. ويُضاف إلى ذلك عامل بالغ الحساسية يتمثل في استمرار أزمة تجنيد المتدينين "الحريديم"، وتفاوت تطبيق القانون بحق المتخلفين عن الخدمة، الأمر الذي يعمّق الاختلال في توزيع الأعباء داخل المجتمع الإسرائيلي.
 
وتنعكس هذه المحدّدات في مجموعة واضحة من التجلّيات الميدانية والمؤسسية. فالتقديرات الإسرائيلية تشير إلى نقص يناهز 15 ألف مقاتل، مع تحذيرات من احتمال ارتفاع هذا الرقم إذا استمر الوضع القائم من دون حلول. كما أن "الجيش" بات يعتمد بصورة متزايدة على قوات الاحتياط، إلى حدّ تجاوز الحدود التي يمكن لهذه القوات احتمالها، بعدما جرى استدعاء بعض الجنود مرات متكررة خلال فترة زمنية قصيرة. ومع تراجع مدة الخدمة النظامية المتوقعة مستقبلاً، وازدياد الأعباء الأمنية، يتعاظم الضغط على الاحتياط إلى مستوى باتت القيادات العسكرية تصفه بغير المعقول.
 
وفي السياق نفسه، أظهرت مواقف عدد من الضباط والخبراء العسكريين الإسرائيليين أن الأزمة لم تعد نظرية، بل بدأت تقيد سقف الأهداف العسكرية ذاتها. فقد جرى التعبير صراحة عن محدودية قدرة "الجيش" على تنفيذ عمليات واسعة وطويلة المدى، خاصة في الساحة اللبنانية، مع تقديرات بأن الانتشار الدائم أو توسيع نطاق السيطرة يتطلب قوات لا يملكها "الجيش" حالياً. كما برزت تحذيرات من التآكل المتزايد في نوعية القوات المرسلة إلى بعض الجبهات، ومن ارتفاع الاعتماد على وحدات أقل تدريباً، بما يرفع مستوى المخاطر والخسائر.
 
سياسياً، تكشف الأزمة عن انقسام داخلي واضح. فبينما سعت جهات في الائتلاف إلى التقليل من أثر التحذيرات أو اعتبارها مضرّة بالمجهود الحربي، أثناء الحرب، حمّلت أطراف في المعارضة الحكومة مسؤولية تفاقم الوضع، متهمة إياها بالتهرب من معالجة جذور المشكلة. أما قضائياً، فقد أظهرت مناقشات المحكمة العليا المتعلقة بتجنيد "الحريديم" حجم الفجوة في إنفاذ القانون، وكشفت عن أعداد كبيرة من المتخلفين عن الخدمة، مع تفاوت ملحوظ في الملاحقة والعقوبات بين "الحريديم" وغيرهم.
 
إعلامياً، جرى تداول الأزمة بوصفها دليلاً على إنهاك "الجيش" وبلوغه حدود قدرته التشغيلية، مع ازدياد القناعة بأن القوة البشرية الحالية لم تعد تكفي لتغطية متطلبات الأمن على جميع الجبهات. كما ارتبط النقاش بأبعاد اجتماعية أوسع، من بينها تراجع الفئات القادرة على الالتحاق بالخدمة في بعض المناطق، وتصاعد الشكوك في قدرة الحكومة على فرض حلول تمسّ الفئات المعفاة أو المتهربة.
 
من هنا، وفي ضوء مقاربة إعلامية سائدة، قوامها أن "الجيش" الإسرائيلي لم يحسم أياً من الجبهات التي فُتحت منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، يمكن التقدير أن أزمة القوى البشرية في "الجيش" الإسرائيلي تقترب من واقع بنيوي ذي أبعاد متشعبة، تتقاطع فيها العوامل العسكرية والسياسية والقضائية والاجتماعية. وهي لا تهدد فقط قدرة "الجيش" على خوض حرب طويلة ومتعددة الساحات، بل تكشف أيضاً حدود قدرة النظام السياسي الإسرائيلي على اتخاذ قرارات لمعالجة الخلل. وفي ظل غياب حل شامل، تبدو الأزمة مرشحة لمزيد من التفاقم، بما ينعكس مباشرة على الجاهزية العسكرية وعلى خيارات "إسرائيل" في الحرب والتصعيد.

اخترنا لك