"أم الصفقات" مع الهند.. أوروبا ترتب أوراقها الاقتصادية
الاتفاقية التجارية الحرة بين الهند والاتحاد الأوروبي تمثل تحولاً جيو-استراتيجياً لأوروبا نحو تنويع شراكاتها مع الهند والصين، لتقليل الاعتمادية على واشنطن ومواجهة سياسات ترامب الحمائية وتوترات التعرفات الجمركية.
-
"أم الصفقات" مع الهند... أوروبا ترتب أوراقها الاقتصادية (أ ف ب)
تكتسب الاتفاقية التجارية الأخيرة بين الاتحاد الأوروبي والهند، التي وصفتها رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بـ"أم الصفقات"، أهمية كبيرة من حيث توقيتها، على وقْع تعارض أميركي أوروبي غير مسبوق، بسبب غرينلاند والتعرفات الجمركية، وخصائصها.
إذ تمثل قيمة الاتفاقية حوالي 25% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتدشن منطقة تجارة حرة تضم حوالى 2 مليار نسمة، وتعد أكبر اتفاقية تجارية في تاريخ الهند، إحدى القوى الاقتصادية الصاعدة في سياق الصعود الصيني.
وتنص الاتفاقية على إلغاء أو خفض الرسوم الجمركية على نسبة من 95 إلى 96.6% من الشحنات المتبادلة، مع توفير حوالى 4 مليارات يورو (4.74 مليار دولار) سنوياً من الرسوم على المنتجات الأوروبية. بعد أن شهد عام 2024 زيادة هائلة في حجم التجارة الثنائية، بلغت 90% مقارنة بالعام الأسبق، لتصل إلى 120 مليار يورو (139 مليار دولار)، فضلاً عن 60 مليار يورو (69 مليار دولار) تمثل تجارة الخدمات.
ويخصص الاتحاد الأوروبي وفقاً للاتفاقية 500 مليون يورو، لدعم جهود الهند في خفض الانبعاثات الحرارية، مع إعفاء 1.6 مليون طن متري من صادرات الصلب إلى الاتحاد من الرسوم الجمركية.
وتشير تقديرات إلى أن صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الهند يُتوقع أن تتضاعف بحلول عام 2032. رغم العقبة النسبية التي تمثلها آلية ضبط الكربون عبر الحدود (CBAM)، التي تفرض رسوماً على واردات السلع كثيفة الكربون، مثل الصلب والإسمنت، لتحقيق تكافؤ مع المنتجات الأوروبية التي تدفع كلفة انبعاثات الكربون.
وتشمل الاتفاقية قطاعات الزراعة والسلع الاستهلاكية، والسيارات، والسلع الصناعية إجمالاً. وقد ألغت كل أو أغلب الرسوم على الأخيرة، مثل الأدوية والآلات والمواد الكيميائية والطائرات، ونصّت على خفض تدريجي للرسوم على السيارات الأوروبية، لتصل إلى 10%، ضمن حصة سنوية قدرها 250 ألف مركبة، وألغت الرسوم على الأغذية المصنعة وعصائر الفاكهة، وخفضتها على النبيذ الأوروبي إلى نسبة من 20 - 30%.
ويُتوقع أن تترك أثراً إيجابياً معتبراً على القطاعات كثيفة العمالة في الهند، مثل المنسوجات والمنتجات الجلدية والمجوهرات.
اللافت أن التفاوض على الاتفاقية بدأ منذ حوالى عقدين، عام 2007 حين كانت الهند أقرب إلى قوة ناشئة، وتوقف عام 2013، بفعل خلافات على نسب التعرفات وحقوق الملكية الفكرية، وعلى فتح الأسواق في مجالي الزراعة والسيارات، لكنّه عاد عام 2022، في سياق عالمي مختلف كثيراً، بعد العملية الروسية في أوكرانيا ومع تبلور صعود الصين، ومع موقف اقتصادي أقوى للهند، التي تحتل موقعاً مهماً في سلاسل التوريد الحالية والإنتاج التكنولوجي.
الآن، يصعب تجاهل ما يعكسه إتمام الصفقة من استجابة لسياسات ترامب، التي لا تضغط روسيا لصالح الاتحاد الأوروبي، بقدر ما تضغط الأخير لتحصيل أرباح من مبيعات الأسلحة، لصالح "ردع الخطر الروسي على أوروبا وحماية أوكرانيا"، وتحقيق مكاسب سياسية وجيو - استراتيجية. في عدائية مماثلة لسياسة التعرفات (التي لم تستثنِ الاتحاد الأوروبي إلا قليلاً)، وطالت شركاء تاريخيين آخرين للولايات المتحدة، مثل كندا والمكسيك أكبر شريكين تجاريين لها. في مقابل تمدد نفوذ الصين وتكريسها لموقعها شريكاً موثوقاً ومجرّباً للاتحاد الأوروبي، والتوسّع وارتفاع قيمة التبادل التجاري في التكتلات الاقتصادية الإقليمية في آسيا. مشهد مثّل حافزاً لإتمام الصفقة مع الهند، ويبدو فرصة لتوسيع الاتحاد الأوروبي تجاوز الاعتماد على الولايات المتحدة.
في السياق ذاته، أتمّ الاتحاد الأوروبي اتفاقية "ميركوسور"، في كانون الثاني/يناير 2025، مع الأرجنتين والبرازيل وباراغواي وأوروغواي، التي أثارت غضباً واسعاً وسط المنتجين الزراعيين، وعلّقها البرلمان الأوروبي مؤخراً لإجراء مراجعة قانونية.
لكنّ الواقع والاتجاه العام يظهران تنفيذ الاتحاد اتفاقات تجارة تفضيلية مع 76 دولة، وقد أعلن اهتمامه بالاتفاق الشامل المتقدّم للشراكة عبر المحيط الهادئ (CPTPP)، وهو تكتل تجارة حرّة يضم 12 دولة، وأنهى مؤخراً مفاوضات اتفاق للتجارة والاستثمار مع إندونيسيا، بموازاة مفاوضات مع ماليزيا والفيليبين.
ولا تبرح الصين خلفية هذا المشهد بصفتها الجديدة، قطباً بديلاً تمثل العلاقة معه مقياس تنويع الخيارات، والتحرر من القيود الأميركية، وما تعتبره أوروبا انقلاباً على حرية التجارة والعلاقات التاريخية، وبدورها الحيوي للاتحاد الأوروبي، من بعد انضمامها لمنظمة التجارة العالمية عام 2001، إذ بات الطرفان الشريك التجاري الأكبر أحدهما للآخر بانتصاف عقد 2000، وشهد تبادلهما التجاري نمواً مطرداً، استمر في العقد الثاني من الألفية، مدفوعاً بتوسع كبير في تجارة الإلكترونيات والآلات والسيارات. ثم تجلّى التنافس بين القطبين عندما انتزعت الولايات المتحدة موقع الشريك الأكبر للاتحاد آخر عامين، بعد التغيرات الحادة التي خلّفها وباء "كوفيد" وأزمات سلاسل التوريد.
لكن، عدا عن هذه الشراكة المميزة، وكونها أكبر مصدّر للإلكترونيات والآلات للاتحاد الأوروبي، تتمتع الصين الآن بموثوقية جديدة، خلّفتها عدوانية ترامب وتقلباته، والضرر الموضوعي الناتج عن سياسة التعرفات.
وتلعب دوراً رائداً بالفعل في تكتلات تجارية وتجارب اندماج إقليمي، ما يعني نفوذاً كبيراً ومرشحاً للتوسع.
ويبدو أنها (والهند) بصدد التكيف مع الشروط القياسية الأوروبية المؤثرة في بعض مجالات التجارة، وعلى رأسها آلية ضبط الكربون عبر الحدود (CBAM)، وأن تنويع الشراكات والخيارات بات ضرورة حيوية لأوروبا، تتسق وصعود قوى اقتصادية وإنتاجية، تتمتع بميزات اقتصادية نسبية حقيقية، ويحسم تطورها من حصة الهيمنة الغربية بالمبدأ، ما يجعل الشراكة معها من موقع الاستفادة أفضل الخيارات.