"أجاكس": حين قتلت واشنطن الديمقراطية الإيرانية!
التدخل الأميركي الذي تمثل بالانقلاب على حكومة محمد مصدق زرع بذور العداء للغرب في الوجدان الإيراني، وهو العداء الذي انفجر لاحقاً في ثورة 1979، مغيّراً وجه المنطقة.
-
أجاكس: حين قتلت واشنطن الديمقراطية الإيرانية!
لم يكن إسقاط حكومة محمد مصدق في إيران في 19 آب/أغسطس من العام 1953 "انتفاضة شعبية" كما حاولت الروايات الرسمية تصويرها لسنوات، بل كان انقلاباً صُمم بدقة داخل غرف العمليات في واشنطن ولندن.
مع مرور السنوات، كشفت الوثائق السرية خفايا عملية "أجاكس" (Operation Ajax)، التي أعدمت أول تجربة ديمقراطية حقيقية في منطقة غرب آسيا.
الخطيئة الكبرى: تأميم النفط
بدأت القصة عام 1951، عندما اتخذ رئيس الوزراء الإيراني المنتخب محمد مصدق قراراً تاريخياً بتأميم قطاع النفط الإيراني، الذي كانت تسيطر عليه شركة النفط الأنغلو-إيرانية. اعتبر مصدق أن ثروات بلاده لا يمكن أن تبقى رهينة لاستعمار اقتصادي بريطاني يمنح إيران فتات الأرباح. ردّت بريطانيا على القرار بحصار بحري وخنق اقتصادي، لكنها أدركت أن القوة العسكرية لن تكفي، فاستنجدت بحليفها الأميركي.
تحالف المصالح ومخاوف "المد الأحمر"
استغلت لندن مخاوف واشنطن من الحرب الباردة، مقنعةً إدارة الرئيس الأميركي أيزنهاور آنذاك بأن مصدق، بتمسكه بالسيادة، يفتح الباب أمام الحزب الشيوعي (توده) والنفوذ السوفياتي. الوثائق تؤكد أن الهدف الحقيقي كان استعادة السيطرة على تدفق النفط، لكن "الشيوعية" كانت الغطاء المثالي للتدخل.
ففي الوثيقة التي كتبها دونالد ويلبر أحد المخططين الرئيسيين لـ "عملية أجاكس" –والتي نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقتطفات منها العام 2000- يقول الأخير: "لقد كان تبني حكومة مصدق لقانون تأميم النفط في عام 1951 نقطة التحول؛ إذ لم يهدد هذا الإجراء المصالح البريطانية فحسب، بل خلق حالة من عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي الذي كانت تخشاه واشنطن ولندن".
هندسة الفوضى: كواليس الانقلاب
أوكلت مهمة الانقلاب إلى ضابط الاستخبارات الأميركية كيرميت روزفلت، الذي تسلل إلى طهران حاملاً ملايين الدولارات. استندت الخطة إلى ركائز ثلاث:
1. شراء الولاءات: جرى دفع مبالغ طائلة (جرى الحديث عن أكثر من مليون دولار في العام 1953) لضباط في الجيش وسياسيين وحتى لرجال عصابات محليين لخلق اضطرابات في الشوارع.
2. الحرب النفسية: استُخدمت الصحافة المحلية لنشر تقارير كاذبة تتهم مصدق بالخيانة والإلحاد لتأليب الرأي العام المتدين ضده. بحسب الوثائق الأميركية تلقى ما يقرب من 20% من صحف طهران تمويلاً مباشراً من الاستخبارات الأميركية.
3. الضغط الملكي: وقّع الشاه محمد رضا بهلوي مرسوماً يقضي بإقالة مصدق، وهو إجراء لم يكن يملك سلطة دستورية للقيام به آنذاك.
النهاية المأسوية
بعد فشل المحاولة الأولى وهرب الشاه إلى روما، ضاعفت الاستخبارات الأميركية جهودها. في الـ 19 آب/أغسطس 1953، اندفعت حشود مأجورة، يدعمها الجيش، نحو منزل مصدق. سقطت الحكومة، واعتُقل الرجل الذي وصفته مجلة "تايم" يوماً ما بـ"رجل العام" ، ليوضع تحت الإقامة الجبرية حتى وفاته.
إرث الانقلاب
لم تكن عملية "أجاكس" مجرد انقلاب عسكري، بل كانت إعادة هندسة لمستقبل إيران؛ إذ أعادت الشاه إلى عرشه بصلاحيات مطلقة حوّلته إلى ديكتاتور أوحد لربع قرن من الزمان. وعلى أنقاض حلم مصدق، نُقل النفط الإيراني من سيادة "التأميم" إلى وصاية "التدويل"، ليقع تحت قبضة كارتل "الأخوات السبع". هذا "الكونسورتيوم" الذي تقاسمته الشركات النفطية الكبرى من بريطانيا وأميركا، مع حصص ثانوية لشركات فرنسية وهولندية، حوّل ثروات الإيرانيين إلى غنيمة دولية تُدار بعيداً عن أيدي أصحاب الأرض.
هل كان الثمن هو سقوط التأميم مع إسقاط حكومة مصدق؟ في الواقع يمكن القول إن هذا التدخل الأميركي زرع بذور العداء للغرب في الوجدان الإيراني، وهو العداء الذي انفجر لاحقاً في ثورة 1979، مغيراً وجه المنطقة.
هكذا وُلدت الثورة الإسلامية الإيرانية...
دعاية الديمقراطية الأميركية منتهية الصلاحية
يُدرك الرأي العام العالمي أن الدعاية الأميركية لإرساء الديمقراطية باتت أشبه بديباجة مملة، فهي التي دعمت الديكتاتورية في إيران، وليس أدلّ على ذلك من محاولة إعادة إنتاجها في إيران الآن، عبر الخيارات اليائسة، كالرهان على نجل الشاه الذي أسقطته ثورة شعبية، مثّلت الأغلبية الساحقة من الشعب الإيراني.