محمد مرندي يخوض عبر "الميادين" معركة المعنى المتنازع عليه
تشكّل إطلالات السيد محمد مرندي عبر شاشة "الميادين" فرصة لإعادة تشكيل المفاهيم التي تقوم عليها السرديات الإعلامية، ويتكامل ظهوره مع محاولة القناة إعادة تعريف الفاعلين، وشرح قوانين المضائق، والتدليل على صنّاع القرار الجدد حول العالم.
-
محمد مرندي على شاشة الميادين: تفكيك السرديات.
"السيد محمد مرندي، أستاذ الأدب الإنكليزي والاستشراق في جامعة طهران". هكذا يعرّف نفسه على صفحته على "إكس"، ولو أن للجمهور المتابع رأياً آخر. فاختزال المهام التي يمارسها في الإطار الأكاديمي حصراً، يعد إجحافاً لما يقوم به، على أهمية الصفة الأكاديمية وخصوصية حامليها.
في حرب "الاثني عشر يوماً"، التي شنت على إيران مطلع حزيران/يونيو 2025، استهدف الطيران الإسرائيلي مبنى الإذاعة والتلفزيون الرسمي في طهران. استشهد عدد من العاملين في المبنى، وكان السيّد مرندي موجوداً وقت الهجوم لإجراء مقابلة مع الصحافي البريطاني بيرس مورغان. نجا السيّد محمد وقال بعدها في مقابلة على "الميادين" إن "الحقيقة لا تشكّل خطراً إلا على من يرتكب الشر، أما من يفعل الخير فيحب الحقيقة".
من الحقيقة يبدأ السيّد مرندي حديثه إذاً، وبها ينهيه. الدكتور والإعلامي والبروفيسور، صانع السرديات المقابلة، شكّل بعد حرب الاثني عشر يوماً، والحرب التي "انتهت" على بلاده قبل أيام، وقبلهما أيضاً، جبهة إعلامية تدحض السرديات الغربية المعلّبة، وتقدّم سردية مختلفة لا يريد الغرب للعالم أن يعرف بها.
تُجسّد شخصية السيد مرندي نموذجاً للسياسي والإعلامي المثقف. لم يظهر يوماً كأكاديمي يقدّم نظريات جاهزة أو قراءات تاريخية جامدة، بل كمثقف منخرط في قلب الصراع الفكري العالمي.
أخذ السردية الرسمية الإيرانية إلى محافل النقاش السياسي والإعلامي الدولي، ظهر مع أشهر الإعلاميين الغربيين كبيرس مورغان وغيره في نقاشات حادة أعادت التوازن الفكري إلى الإعلام الغربي، بعدما كانت المشهدية تغرّد بصوت القاتل وحده.
محمد مرندي على شاشة الميادين: تفكيك السرديات
يخصص مرندي لقناة الميادين حصة كبيرة من حركته الإعلامية، حيث شكّلت إطلالاته اليومية خلال العدوان الأميركي- الإسرائيلي على إيران محطة معرفية أساسية للوقوف على تفاصيل الحرب والاتجاهات السياسية المتغيرة قبلها وبعدها، ومساحة مفتوحة لتسليط الضوء على الحقائق التي يريد الآخرون طمسها.
من على شاشة "الميادين" أكّد عدم ثقته بما يقوله الأميركيون، ومنها أيضاً أعلن النصر الإيراني الواضح، فنّد الادعاءات الأميركية خلال المفاوضات التي أجريت في باكستان، وشرح بإسهاب أسباب فشلها.
من خلال فقرة، Demystifying Iran، وضمن السياسة التي تتبعها القناة لتفكيك الصورة النمطية عن البلاد التي تشن عليها حروب إعلامية سبقت الحروب على الأرض، كان لمرندي مساحة ثابتة على "الميادين إنغلش"، شكّلت رأس حربة إعلامية في وجه الصورة الغربية النمطية التي تحاول تشويه حقيقة إيران، الشعب والدولة والثقافة والسياسة والتاريخ.
يواجه مرندي في إطلالاته البروباغندا الغربية التي تحاول تضليل الرأي العام العالمي، يضع النقاط المناسبة على الحروف ويسمي الأمور بمسمياتها. وصف النظام الأميركي "بالإبستيني"، ولم يكن يبالغ، وخاض ضده أشرس حروب الروايات.
موقع "الميادين إنغلش" خصص حيزاً كتابياً لمرندي أيضاً، كتب في الموقع الذي يتوجّه إلى دول العالم الناطقة بالإنكليزية، العديد من المقالات الأكاديمية والسياسية، عن إيران، النظام والحكم، وعن إرث الشهيد قاسم سليماني، وكثيراً ما كتب عن الادعاءات التاريخية لكذبة "سقوط" النظام الإيراني.
وهو يحاول من خلال ظهوره وكتاباته، أن يخاطب المجتمع الأميركي بلغته، ولأن لغة هذا المجتمع ليست الإنكليزية فقط، يخاطبها مرندي بلغتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ليبث أفكاراً لطالما حاولت الليبرالية الأميركية حجبها ومنعها من الوصول إلى المجتمع الأميركي.
يصقل حضوره الدائم على شاشة "الميادين" المشهد، الصواريخ من على يمين الشاشة ومن على يسارها في العمليات المنسقة، العاجل يعاين أماكن السقوط، والسيّد مرندي ومحللون آخرون يشرحون معنى وصوله.
شرح مرندي للجمهور مراراً كيف تنظر إيران إلى لبنان، الشعب والمقاومة والنظام، وكيف ترتبط ارتباطاً وثيقاً جعل أي اتفاق لوقف الحرب على طهران، مرتبطاً مباشرة ببيروت. أعاد تعريف المعرّف في هذه النقطة، وفكك روايات لطالما حبكها الغرب حول "الوكلاء والأدوات".
وبعد أشهر من الالتزام الإعلامي، ظهرت حملات تدعو إلى اختطاف مرندي واغتياله، إرهاب موصوف لم تتردد الميادين في استنكاره، وسجّلت تضامنها الكامل مع الدكتور مرندي أمام الحملات التي دعت علناً إلى تصفيته.
ولأن خصومه يصغون إليه بقدر ما يصغي إليه مؤيدوه، يختار مرندي الشاشات التي يظهر عليها، يحاول تحرير السردية الأميركية من سجنها، وكلما وجهت تهمة مضللة إلى إيران، أحال النقاش إلى أرض الأعداءـ، وأجبر المشاهدين على البحث عن الإجابات.
ومهما اختلفت القراءات حول مواقفه أو جدوى خطابه، يبقَ تأثيره مرتبطاً بقدرته على فرض حضوره في ساحات إعلامية دولية مزدحمة، وإثارة أسئلة تتجاوز الخبر إلى بنية الرواية نفسها، وكيف تُصنع وتُروى.