ترامب بين "إدارة الحرب" وتراجع الشعبية: قيادة متقلّبة وأزمة ثقة
لا ينحصر السؤال اليوم بكيفية إدارة الحرب، وإنما بـ "من يديرها أصلاً؟"، وبأي سياقات و"علل نفسية" يديرها؟ وكيف تنزلق الإدارة نحو تموضع يخدم صورة القيادة الفردية بدلاً من الانصياع لمطالب الشعب وتوجّهاته؟
-
ترامب بين "إدارة الحرب" وتراجع الشعبية
لم يكن شنّ العدوان الأخير على الجمهورية الإسلامية في إيران، سوى تجلٍّ جديد لصورة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي سبق وكشف النقاب عنها في "معاركه السابقة"، وضمير الهاء هنا يعود لرجل البيت الأبيض وحده، في إشارة إلى أن ما يخوضه من "أزمات" لا يخدم "أميركا أولاً" التي قوّضتها تظاهرات "لا للملوك" في الأيام المنصرمة.
علاوةً على ذلك، لا غروَ أن صفاتٍ محددة باتت لا تفارق اسم ترامب حين يُذكر، وهي أسلوبه النرجسي، واعتلاله النفسي، واعتماده الميكيافيلية، أي سياساته القائمة على الخداع والمكائد لتحقيق أهداف شخصية أو سياسية، باعتبار أن "وسائله تُبَرّر بغايته".
هذه الصفات لن تكون بوارد النقاش بأصلها فيما يلي، باعتبار أن التركيز الأساس اليوم، هو انعكاسات هذه السياسة عينها -أياً كان تعليلها النفسي- على قيادة ترامب للبيت الأبيض وتراجع شعبيته وتصاعد أصوات المعارضين لسياسته في ظل عدوانه على الجمهورية الإسلامية، وسنعرض الأمر هذا في نقاطٍ خمس:
1- تناقضاته البارزة في عدوانه على إيران: "يهدد ثم يتراجع... ثم يهدد مجدداً"
2- الإقالات داخل الإدارة الأميركية: "مستاء منهم"
3- تظاهرات "لا للملوك": أبعد من مجرّد "انتقادات"
4- "الثالوث المظلم": الجانب النفسي
5- ترامب يقود "حرباً من أجل أميركا" بنرجسيته التي تدور "حوله هو"
أولاً: "يهدد ثم يتراجع... ثم يهدد مجدداً"
سبق أن نشرت الباحثة في علم السلوك الرقمي، ليزار مارغاليت، مقالاً في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، قالت فيه إن ترامب، وهو رئيس الولايات المتحدة، "لا يتحدث باسمها ولا يحاول الدفاع عن قيم الغرب"، إذ إن خطاباته لا تحذّر الآخرين من المساس بـ "الولايات المتحدة العظيمة"، بل تختزل عبارة واحدة مفادُها: "لا تعبث معي".
وتقول مارغاليت إن "الأزمة مع إيران تعكس النمط نفسه تماماً، يهدّد، ثم يتراجع، ثم يهدّد مجدّداً، ويقول للشعب الإيراني إن المساعدة قادمة، ثم يغيّر رأيه، ويُبقي الجميع في حالة ترقّب، ويدرس الوضع، ثم يختار الخطوة الأنسب له"، لا لشعبه، ولا للشعب الإيراني، بل له (أي لترامب وحده).
وفي سياق الانتقادات عينها، يعلّق كثيرون -تهكّماً- على تناقضات ترامب وتوقيت وعوده وضرباته وحديثه عن قُرب أهدافه، مشبّهين الأمر بالأم التي تصرخ بأن العشاء جاهز، بينما المائدة لم تجهز بعد، في إشارة إلى التناقض بين إعلان قرب النجاح والتهديد بمزيد من الضربات.
وتدعو تصريحات ترامب المتقلبة والكاذبة في كثير من الأحيان الصحفَ إلى إحصاء عدد كلامه غير المتوازن، فمنهم من وصفه متهكماً بأنه "يكذب أكثر مما يتنفس"، فيما قال نائب رئيس تحرير "فايننشل تايمز"، إدوارد لوس: "أصبح الوضع غريباً لدرجة أننا ننتظر رد إيران لنرى إن كانت تصريحات ترامب صحيحة".
ثم إن هذا يظهر لمن يتابع خطاباته وتصريحاته واحداً تلو آخر، فتارةً يقول إن الإيرانيين "يتصلون به لإجراء تفاوض"، وتارةً يقول إنه قضى على القيادة الإيرانية كلها، فـ "من سيفاوض"؟ ثم في وقتٍ آخر يقول إنه دمّر المنظومة العسكرية الإيرانية كاملة، وبعدها يقول إن تدمير المنظومة يستدعي أسبوعَين إلى ثلاثة أسابيع.
وفي سياق "التوسل الأميركي" للمساعدة الأوروبية بشأن مضيق هرمز، نقلت صحيفة "دي فيلت" تساؤل مواطن ألماني: "إذا كانت العملية تقترب من نهايتها، فلماذا يحتاج الرئيس الأميركي إلى مساعدتنا الآن؟ ولماذا يهدد دولاً مثل الدنمارك ثم يتوسل لمساعدتها بعد أسابيع قليلة؟".
ويتزايد الجدل الواسع -داخلياً وخارجياً- حول استراتيجية الإدارة الأميركية في غرب آسيا، ومدى وضوح أهدافها وآليات تنفيذها، خاصة مع تزايد الضغوط الداخلية والخارجية على واشنطن لتبرير استمرار عدوانها على إيران وتكاليفها البشرية والمادية.
ثانياً: الإقالات داخل الإدارة الأميركية: "مستاء منهم"
ويفتتح ترامب باكورة إقالات داخل إدارته في الآونة الأخيرة، كان آخرها إقالة وزيرة العدل بام بوندي التي تعدّ ثاني مسؤول رفيع في الإدارة يُقال مؤخراً، بعد إقالة وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم في الـ 5 من آذار/ مارس الماضي.
وعادةً ما تُرفِق الإدارة الأميركية مثل هذه الإقالات بتبريرات رسمية، تراوح بين "استياء الرئيس من أداء المسؤولين"، أو "تراجع إعجابه بأدائهم"، أو حتى بالإجراءات القضائية المتعلقة بملفات المدان بجريمة جنسية، جيفري إبستين.
وفي هذا السياق، يضع الكاتب والباحث السياسي أكثم سليمان في حديثه مع الميادين نت، خيارَين مطروحَين للإجابة على انعكاسات الإقالة على الإدارة عينِها، ويعطي النتيجة لكليهما، فأولاً، "إذا كانت الإقالة مرتبطة بالحرب، وهذا مستبعَد، فإنها مصيبة"، إذ لا يفترض على الإدارة أن تغيّر "خيولها" في منتصف الطريق، معطياً دلائل عن حروب سابقة، ففي قوانين الحروب هذه، يلتفّ الشعب حول قائده في الحرب، حتى ولو كان قد انتقد سياساته من قبل، باعتبار أنها محطّة حساسة جداً في تاريخ البلاد، لكننا لا نشهد هذا الالتفاف في الولايات المتحدة اليوم، بل على العكس، نشهد الانتقاد والتظاهر والمطالبات المعارِضة.
ثانياً، إذا لم يكن للأمر علاقة بالحرب، أي أن تكون الإقالات مرتبطة بأمور داخلية بحتة، غير متصلة مباشرة بأزمات البلاد، فإن هذا يبرز ترامب بوصفه رئيساً منشغلاً بشؤون إدارية داخلية بينما يواجه العالم تهديدات كبرى، ما يعطي صورة سلبية عن أولويات الإدارة وتركيزها الحاليّ.
وعلى غرار ذلك، وعلى اختلاف سبب كل إقالة، فإن هذا الجانب يعكس صورة سلبية لكل من ترامب وإدارته، بإظهاره تقلباً إدارياً في وقتٍ يحتاج العالم إلى "استقرار وقيادة واضحة" يتغنى بها البيت الأبيض في كل خطاب لرئيسه، وهذا يعكس تشتت الانتباه عن قضايا بلاده الكبرى، سواء أكانت دولية أم مرتبطة بالأزمات القائمة.
وبالتالي، فإن الإقالات، تؤثر على مصداقية الإدارة وقدرتها على اتخاذ القرارات الحاسمة في اللحظات الحرجة، أياً كانت أسبابها، وهذا بالذات يعكس تساؤلاً حول تظاهرات "لا للملوك" الأخيرة الجارية في البلاد، وانعكاساتها في هذا السياق بالذات.
ثالثاً: تظاهرات "لا للملوك": أبعد من مجرّد "انتقادات"
في هذا الإطار، يشير الباحث أكثم سليمان إلى أن نظرة العالم للتظاهرات الأخيرة يجب ألا تُحصر بكونها "انتقاداتٍ إداريةً فقط"، وإنما هي تعبير عن موجات غضب متراكمة داخل المجتمع الأميركي نفسه، مؤكداً أن ازدياد التظاهرات وتصعيدها قد يتحول إلى قلاقل داخلية، أي مشاكل واضطرابات داخل الدولة أو الإدارة نفسها، وهو أمر ليس مستبعد الحدوث والتصعيد.
ويضيف سليمان أن هذه القلاقل قد تتخذ شكل صراع بين النخب أو صراع مجتمعي أوسع، ما يمثل خطراً حقيقياً على استقرار الدولة، فالمجتمع الأميركي اليوم يبدو في حالة صراع مستمر، مع توترات في الشارع، ووجود اختلافات وخلافات على مستوى القيادات، أو حتى انقسامات بين مؤيدي الرئيس ومعارضيه.
وهنا مربط الفرس، فإن التظاهرات، بوصفها مؤشراً على تراكم الاستياء داخل المجتمع أولاً، وباعتبار أن تأثيرها واضح المعالم على الميدان وغير قابل للتزييف ثانياً، وأن توقيتها يأتي الآن في ظل "إدارة ترامب للحرب" ثالثاً، بفعل هذا كله، تصبح التظاهرات اليوم دليلاً على تقلّب وتخبّط الإدارة الأميركية حتى حين تضع قناع الخطابات "المنتصرة".
وللإشارة، فإن أي شيء يُنقل إعلامياً قد يكون قابلاً للتزييف أو الاختباء بالغطاء الأميركي، ولكنّ ما يحدث في الشارع أكبر من أن تُعاد صياغته أو تخبئة دوافعه من قِبل إدارة ترامب، فالميدان يعكس احتجاجاً واضحاً على "سياسات ترامب والحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران"، واستياءً، ومطالبةً بوقف الحرب.
رابعاً: "الثالوث المظلم"... وضع ترامب النفسي
وفي سياق حديثه عن الجانب النفسي للرئيس الأميركي، يذكر الباحث سليمان أن ترامب لا يستطيع أن يبصر الصورة بدون "أناه"، باعتباره نرجسياً شديد الإعجاب بنفسه.
وليشهد شاهد من أهله، سبق وأن أظهرت المذكرات الكاشفة التي كتبتها ابنة شقيق ترامب اعترافها بأنه شخص "نرجسي"، وبأنه يهدد حياة جميع الأميركيين، قائلةً ألّا شيء "يُشبع" عمها أبداً، فـ "هو يتمتع بجميع خصائص الشخصية النرجسية". (هذا في وقتٍ لم يكن قد أعلن عدوانه على إيران بعد، فكيف بالوضع الحالي اليوم).
وماري، ابنة أخيه، الحاصلة على درجة الدكتوراه في علم النفس الإكلينيكي، تقول إن وضع الأخير (أي ترامب) يفوق أنواع النرجسية المعروفة، إذ لا يمكن إنكار كونه "شخصية ليست ضعيفة، ولكن غروره بنفسه هش، ولذلك يجب تدعيمه كل حين، لأنه يعلم في داخله أنه لا يملك أي شيء مما يدعيه".
علاوةً على ذلك، وعند النظر إلى ترامب، يصعب عدم إدراك ما تسميه الدراسات النفسية بـ "الثالوث المظلم"، وهو مزيج من 3 سمات شخصية، أولها النرجسية، أي الشعور الدائم بالعظمة والحاجة للإعجاب وإثبات النفس والتعالي، وانعدام التعاطف.
وثانيها الميكيافيلية، وتبرز في "التلاعب البارد"، والحسابات الاستراتيجية التي تتجاهل بشكل تام الاعتبارات الأخلاقية الخارجية عن نطاق الرجل الأبيض، وثالثها الاعتلال النفسي، ما يعني انعدام الشعور بالذنب وانعدام الخوف، بل والإقدام على مخاطر جسيمة.
خامساً: ترامب يقود "حرباً من أجل أميركا" بنرجسيته التي تدور "حوله هو"
ويبدو غير عادي ذكرُ صفات كهذه في رئيس يقود حرباً تهدد العالم اليوم، لا غرب آسيا فقط، ما يُظهر تساؤلاً، ستبيّن الأيام جوابه الفَصل، مفادُه: كيف ستؤثر قيادة ترامب النرجسية على الحرب؟
وفي هذا السياق، يقول الباحث سليمان إن امتلاكنا خصماً مهزوزاً يجعل التكهّن بأمد الحرب غير معلوم، في ظل إدارة تتّسم بالتقلب وعدم الاستقرار في اتخاذ القرار أو حتى إعلانه.
وحين ترتبط القرارات العسكرية بشخصية متقلّبة، يصبح المستقبل متأرجحاً بين التصعيد والتراجع، ويصبح مسار الحرب نفسه رهينة ردود فعل آنية قد تقوم بها الإدارة في أي لحظة.
ومع ذلك، فإن هذا النمط القيادي لا تنحصر انعاكاساته على ميدان المعركة فقط، وإنما يمتد إلى صورة الولايات المتحدة باعتبارها قوة دولية، ويثير شكوك الحلفاء قبل الخصوم حول مدى ثبات القرار الأميركي وموثوقيته، فالحرب التي يُفترض أن تُدار وفق حسابات دقيقة ومصالح استراتيجية عُليا، تبدو في هذه الحالة وكأنها خاضعة لاعتبارات شخصية، أو لتقلبات المزاج السياسي للرئيس.
وعليه، فإن الإجابة اليوم لا تنحصر فقط في كيفية إدارة الحرب، وإنما في "من يديرها أصلاً"، وفي كيفية إدارتها وبأي سياقات و"علل نفسية" تُدار، باعتبار أن هذا يجعل الأحداث الحالية تنزلق نحو تموضع يخدم صورة القيادة الفردية وتعزيز حضورها السياسي، بدلاً من الانصياع لمطالب الشعب وتوجّهاته ومصالحه.