بعد الصبر الاستراتيجي: مشروع علاقة جديدة بالنظام الدولي

تكشف وقائع الحرب الثنائية على إيران، وميزان القوى الحالي فيها، إخفاقاً أميركياً في تحقيق الأهداف.. ماذا عن أوراق القوة الأساسية بيد الجمهورية الإسلامية؟

  • بعد الصبر الاستراتيجي: مشروع علاقة جديدة بالنظام الدولي
    بعد الصبر الاستراتيجي: مشروع علاقة جديدة بالنظام الدولي

تكشف وقائع الحرب الثنائية على إيران، وميزان القوى الحالي فيها، إخفاقاً أميركياً في تحقيق الأهداف، وفي تغييرها إلى أهداف جديدة قابلة للتحقق، وتحقيق إيران أهدافاً مرحلية واضحة، ومن ثم تشكيل معادلة ردع جديدة مع الولايات المتحدة و"إسرائيل"، تخلف السابقة التي اعتمدت فيها سياسة الصبر الاستراتيجي، وعدم التصعيد. أهداف مثل ضغط الحضور الأميركي المباشر في الخليج، وتقويض البيئة الاستراتيجية لـ "إسرائيل"، والتأثير على أسعار الطاقة للولايات المتحدة بصفة أساسية، وعلى الاقتصاد والسوق العالميين إجمالاً، وإعادة تشكيل العلاقة بالنظام الدولي.

رغم إعلان ترامب تعليق استهداف قطاع الطاقة، بعد تنفيذ إيران تهديدها باستهدافه في دول الخليج حال تعرض منشآتها للاستهداف، تعرضت منشأة لمعالجة الغاز الطبيعي في أصفهان للقصف. ويبدو أن ترامب يراجع القرار النهائي مع الشريك الإسرائيلي، ولم يزل يعتمد التلاعب والفصل بين الخطاب والواقع، وغموض الأهداف المعلنة، ويفضّل حرق الوقت بمناورات تفاوضية مع مواصلة العمليات العسكرية، ومن هنا يُفهم القرار الإيراني العملي بمواصلة الرد المتناسب والتصعيد حتى مع قبول مناقشة حل، مع وضع شروط أبرزها وضع آلية ملموسة تضمن عدم إعادة فرض الحرب، ودفع تعويضات عن الأضرار.  

أوراق القوة الإيرانية

لفرض المعادلة المذكورة، ترتكز إيران على أوراق أساسية تمثّل الأداة الأهم لتحقيق الأهداف، لكنها لم تكن لتكفي من دون روافع مثل: حفاظ نظامها على شرعيته الشعبية، والمؤسسات العسكرية على فاعليتها ــ تحت الضربات، والانتظار الطويل (الصبر الاستراتيجي نفسه) وعدم المبادرة بمهاجمة الخصمين، ما أعطى مشروعية يصعب دحضها لردها وشروطها، وتراكم خبرات التفاوض (المثمر وغيره)، وفترة التحضير الطويلة لمواجهة احتمالات التعرض لهجوم جوي أو غزو، والإفادة من دروس حرب الإثني عشر يوماً العملية، والتكيّف مع التفوق الجوي والاستطلاعي الأميركي والإسرائيلي، والتساند مع حلفاء في الإقليم يمكنهم إغلاق مضيق باب المندب، وسبق أن نجحوا في استهداف حاملة طائرات أميركية. 

أوراق قوة تلخّص -من زاوية- الموقف من النظام الدولي والتدافع معه، منذ عام 1979، والتوجه الاستراتيجي للدولة، ذات الطيف الواسع من المؤسسات. ويتوقف التبلور النهائي للمعادلة على حفظها وتطويرها، لضمان القدرة على انتزاع، أو الثبات عند الشروط الخمسة المعلنة مؤخراً لقبول وقف الحرب.

-الترسانة الصاروخية والحرب غير المتناظرة: الأداة الأساسية لرفع كلفة المواجهة على الطرفين، والدفع باتجاه خروج الولايات المتحدة من غرب آسيا، وضرب أهداف استراتيجية في "إسرائيل" مع امتلاك بنك أهداف واسع يُستهدف بتدرّج بطيء، والتأثير على الاستثمارات الأجنبية في الخليج.

-الموقع الجغرافي: التحكم في مضيق هرمز، بأهميته النفطية، والسعي إلى تأصيل السيادة عليه، استناداً للقانون الدولي بصفة الدولة المشاطئة، لمنع استخدامه في التهديد العسكري، وللاحتفاظ بتأثير على سوق النفط العالمي. ومراقبة قوس واسع من القواعد الأميركية في دول الخليج عن كثب، مع إشراف ناري قريب على مئات الأهداف المحتملة.

-النموذج السياسي في العلاقات الدولية: الموقف المناهض للهيمنة الغربية علناً، والرد عليها عملياً، والدفاع عن الحق في امتلاك القدرات النووية السلمية، ومخاطبة المجتمع الدولي من هذا الموقع، وكذلك الشعوب العربية المحيطة والمسلمين إجمالاً. والدفع في اتجاه التعددية القطبية، وتكريس نديّة أعلى مع الغرب الجمعي من منظور شعوب الجنوب العالمي.

ما بعد الصبر الاستراتيجي

تكتسب المعادلة الجديدة انطلاقتها من منع الإدارة الأميركية من "مغادرة الموقف"، أي التبريد السياسي بتفاوض طويل، مع مواصلة الضربات والحشد العسكري. ومن إدارة التصعيد لصالحها في إيران والإقليم، ارتكازاً على قدراتها الجوية والاستخبارية المتطورة، وفاعلية "إسرائيل" في لبنان وسوريا. وجوهر المعادلة رفع كلفة التدخل العسكري الثنائي (البشرية والسياسية والاقتصادية) على الطرفين، وعلى الأمن الإقليمي والنظام الدولي، بحكم موقع إيران الجغرافي، والتأثير الاقتصادي على الطرف الأميركي ومعاملاته إجمالاً، وإزاحة الحضور والمصالح الأميركية في غرب آسيا. بالإضافة إلى كبح حرية الحركة الإسرائيلية إقليمياً، وتصفية مواقعها الأقرب جغرافياً في كردستان، والضغط عليها بشأن جنوب لبنان، بتوحيد الموقف السياسي والضربات مع حزب الله، وإعلان ضرورة أن تشمل التهدئة المحتملة الإقليم إجمالاً.

تتضح مؤشرات على تشكّل المعادلة الآن في مغادرة حاملة الطائرات الأقوى، "جيرالد فورد"، إلى جزيرة كريت لإجراء إصلاحات، وقد نقلت وكالة "بلومبرغ" أنها تعرضت لأضرار أعمق من "الحريق المحدود" المعلن، وتردُد الأطراف الأوروبية بـ"الناتو" في المشاركة المباشرة، وانفراد إيران بالتفاهم مع الدول على تمرير شحنات النفط بمعزل عن الطرف الأميركي، واللا يقين التام بشأن نتائج أي عملية برية أميركية محتملة، وتحديداً احتلال جزيرة خارك، الهامة استراتيجياً لقطاع النفط الإيراني، الذي اضطرت الولايات المتحدة إلى رفع جزئي للعقوبات عنه، للتخفيف عن سوق النفط وخفض سعر الطاقة. 

مشهد يعكس -بحد ذاته- أن الضغط على إيران أخفق حد انقلابه على من أداره، وانتهائه إلى إنجاز إيراني مألوف خلاصته "تحويل التهديد إلى فرصة"، وإلى أزمة للخصم والعالم، لتعويض الفارق في ميزان القوة العسكرية (مثل استخدام نموذج الحرب غير المتناظرة)، وتعويض قبول المجتمع الدولي بالحرب، بعد تطبيعه مع العقوبات على كل خصوم الولايات المتحدة و"إسرائيل"، ومع حرية الحركة المطلقة للأخيرة في الإقليم.

تحديات المعادلة الجديدة

رغم غموض ترامب، وحاجته إلى تقليل الخسائر، تتزايد المؤشرات على نيته بتوجيه ضربة جوية واسعة تشمل قطاع الطاقة والبنية التحتية، واستخدام قوات خاصة لاحتلال إحدى الجزر، خارك أو لارك أو سواهما، لمنع تصدير نفط إيران أو سيطرتها على مضيق هرمز. ما يمثّل أبرز التحديات أمام المعادلة قيد التشكّل، إذ يؤدي، وفق التصريحات الإيرانية والموقف العسكري الميداني، إلى أضرار بالغة ببنية الخليج النفطية، وبالتالي لوم رد الفعل الإيراني، على مستوى السياسة الدولية، بينما يستطيع ترامب وقف التدخل البري بأي لحظة، تحت ضغط الخسائر والتداعيات المنتظرة، زاعماً صنع السلام وفق خطابه الدعائي. أي يتعمّق توريط دول الخليج في الصراع، وتُجبر على كلفة مادية أكبر فضلاً عن المالية، وتتحمل إيران المسؤولية المعنوية أمام الرأي العام العالمي.

 من جهة أخرى، تُبرز معارك العامين الأخيرين في المنطقة أهمية حاسمة للتطور التكنولوجي، في المجال العسكري، مع بصمات مساعدة صينية لإيران مؤخراً في مجال الاستطلاع الفضائي، واعتماد الأخيرة نظام تحديد مواقع صيني. ما يعكس الحاجة إلى تطوير تعاونها مع الصين وروسيا وكوريا الشمالية في المجال الدفاعي، وفي الخلفية معضلة التفوق الجوي الغربي الإسرائيلي، واستهداف الولايات المتحدة الواضح لإمدادات النفط الصينية، باستهدافها الاستيلاء على النفط الإيراني أو النفاذ إلى سوقه.

وعلى طاولة التفاوض المرتقب، وفضلاً عن التمسك بأوراق القوة، تظل الحاجة الموضوعية إلى حسم ملف العقوبات، في إطار إعادة تشكيل العلاقة بالنظام الدولي. نظراً لتأثيره على الأوضاع المعيشية، وعلى مشروع الاعتماد الاقتصادي على الذات، في إطار مشروع على مدى أطول لتطوير الاقتصاد الحقيقي، وتعظيم التعاون مع الدول المناسبة وأعضاء كتلة "بريكس"، لتقليل نسبة مبيعات النفط من إجمالي الصادرات لصالح الإنتاج.

اقرأ أيضاً: إخفاقات "إسرائيل" في قراءة مسار الحرب على إيران وتداعياتها

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.

اخترنا لك