اقتصاد العقوبات بعد 47 عاماً: كيف أعادت إيران هندسة نموذجها الاقتصادي؟

كيف أعادت إيران هندسة نموذجها الاقتصادي بعد 47 عاماً على العقوبات الاقتصادية؟ وهل استطاعت التكيف مع الضغوطات الاقتصادية؟ وهل ما زالت العقوبات قادرة على إحداث "صدمة استراتيجية" كما كانت في السابق؟

  • اقتصاد العقوبات بعد 47 عاماً: هل أصبحت إيران
    أين أصبح الاقتصاد الإيراني اليوم بعد 47 عاماً على العقوبات؟

لم تكن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران في حزيران/يونيو 2025 منفصلة عن مسار طويل خاضته الولايات المتحدة الأميركية و"إسرائيل"، ومعهما الاتحاد الأوروبي، للضغط على الدولة الإيرانية بهدف تقويضها وإسقاطها وإخضاعها.

أيضاً، لم تكن الحرب الوحيدة التي خاضتها منذ انتصار الثورة الإسلامية قبل 47 عاماً، فبالتوازي، مع إعادة بناء الدولة وفق أسس جديدة مناهضة للسياسات الأميركية في المنطقة، خاضت إيران حرباً اقتصادية في مواجهة العقوبات التي فُرضت عليها، وصلت إلى ذروتها ضمن سياسة "الضغوط القصوى" التي تمارس ضدها.

منذ عام 1979 خطا الاقتصاد الإيراني خطوات ثقيلة في مواجهة العقوبات الاقتصادية المتصاعدة التي طالت قطاعات النفط والغاز، والقطاع المصرفي والمالي، وأيضاً الكيانات والأفراد والشركات الإيرانية، والتي لم يكن آخر مظاهرها تفعيل "آلية الزناد" عام 2025.

قادت هذه الضغوطات إلى أزمات معيشية واجتماعية واضحة، ولكن إيران استطاعت بعد عقود من العقوبات أن تتكيف وتعيد هندسة اقتصادها محاولة التخفيف من أكلافها الجسيمة، وهي برغم ما سببته من أزمات معيشية إلا أن عقوبات الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين أخفقت في التأثير في القرار السياسي الإيراني، حتى بات جدوى فعالياتها موضع شك.

مسار العقوبات على إيران

بدأت العقوبات الاقتصادية على إيران بعد أزمة "احتجاز الرهائن" في السفارة الأميركية في طهران عام 1979. حينها، جمدت الأصول الإيرانية في الخارج، لتفتتح أولى حزم العقوبات المالية والتجارية.

وبين العامين 1995 و1996، فرضت الولايات المتحدة الأميركية حظراً شاملاً على قطاع النفط والاستثمارات والتجارة، وأقر قانون "إيران وليبيا" لمعاقبة الشركات الأجنبية المتعاملة مع طهران، تبعها المزيد من العقوبات الدولية بسبب البرنامج النووي، شملت تجميد أصول وحظر توريد تقنيات حساسة.

بعدها بسنوات، واجهت إيران عزلاً مصرفياً غير مسبوق، في إثر فصل المصارف الإيرانية عن نظام "SWIFT" العالمي، ما أدى إلى تراجع حاد في صادرات النفط وتدهور العملة الإيرانية.

عام 2015 كانت مرحلة فارقة في تاريخ إيران، فمع توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة وإبرام الاتفاق النووي مع الدول الست (الصين، روسيا، الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا وبريطانيا)، رُفعت بعض العقوبات الدولية، وعادت إيران جزئياً إلى أسواق النفط العالمية، ولكن هذا "الانتعاش" لم يدم طويلاً، وسرعان مع اصطدم بانسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق عام 2018 في ولايته الأولى، ليبدأ معها سياسة "الضغط الأقصى"، ويعيد فرض المزيد من العقوبات على قطاعات النفط والمصارف والشحن، بالتوازي مع إجراءات ذات طابع سياسي، تمثلت بإدراج حرس الثورة الإيراني في لائحة "المنظمات الإرهابية" عام 2019.

كذلك، فرضت أيضاً عقوبات طالت برنامج الطائرات المسيّرة والصواريخ في السنوات الأخيرة، فيما فرض الاتحاد الأوروبي قيوداً إضافية استهدفت مؤخراً أفراداً وكيانات بزعم ما يسمى "تورطهم ​في قمع المتظاهرين وعلاقتهم ​بدعم البلاد ⁠لروسيا"، بالتوازي أيضاً مع إدراج حرس الثورة في إيران على قائمة "المنظمات الإرهابية الخاصة بالتكتل".

كيف أعادت إيران هندسة اقتصادها تحت العقوبات؟

هذه القيود والضغوطات حاصرت الاقتصاد الإيراني، وأدت إلى استنزافه، وتسببت بتراجع صادرات النفط، وانخفاض قيمة العملة الإيرانية، وارتفاع مستويات التضخم، وصعوبات في الاستيراد، كنتيجة حتمية وطبيعية لمسار متكامل تقوده دول واقتصادات كبرى وضخمة.

في مواجهة هذه الحرب المركبة، سعت إيران إلى الالتفاف على العقوبات، وحولتها من ظرف طارئ إلى متغير دائم في التخطيط الاقتصادي، وعملت على تعزيز اقتصاد موازٍ عبر قنوات بديلة، فعززت علاقاتها مع الصين وروسيا، وطورت الصناعات المحلية، واعتمدت آليات تجارية مرنة، ما مكنها من تجاوز آثار العقوبات سياسياً وأفقدها فعاليتها في جوهرها الأساسي.

ضعف الاقتصاد الإيراني ولكنه لم ينهَر. يعاني الشعب الإيراني حتى اليوم تبعات اقتصادية مريرة متصاعدة، ولكنه لم يتراجع عن خياراته، وما زال، رغم مطالبه المستمرة بتحسين الظروف المعيشية.

والأهم أن العقوبات فقدت فعالياتها السياسية في تغيير النظام وانتزاع التنازلات منه وتغيير موقفه في مواجهة سياسات الهيمنة الغربية في المنطقة والعالم. 

كيف صمدت إيران رغم العقوبات؟

تجاوز الاقتصاد الإيراني الصدمة. الخطوات التي انتهجتها الحكومات الإيرانية أظهرت جدواها، من تغيير سلاسل التوريد والاتجاه نحو الإنتاج المحلي، وإيجاد أسواق بديلة جديدة، ما جعلها تسجل نمواً ملحوظاً.

وفي هذا الاتجاه، تبنّت إيران استراتيجية تقوم على تقليل الاعتماد على الواردات، ودعم الصناعات المحلية، وتشجيع الإنتاج الزراعي والصناعي، وإحلال السلع المحلية مكان الأجنبية.

وبعد عزلها عن النظام المالي العالمي، اعتمدت إيران على العملات المحلية بدل الدولار، ووسّعت شبكات التجارة غير المباشرة، وطوّرت أنظمة دفع بديلة لتقليل أثر العقوبات المصرفية.

إلى أين وصل الاقتصاد الإيراني؟

اليوم، يعتمد الاقتصاد الإيراني بشكل أساسي على قطاع صادرات النفط والغاز، وتتوجه 90% من صادرات إيران النفطية إلى الصين بسبب العقوبات الأميركية.

وقد أظهر تقرير "المراجعة الإحصائية للطاقة العالمية" الأخير الصادر عن معهد الطاقة البريطاني أن إنتاج النفط والمكثفات في إيران بلغ 5.1 مليون برميل، محطماً بذلك رقماً قياسياً تاريخياً.

بالتوازي، أعلنت جمارك الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن قیمة صادرات البلاد غير النفطية في الأسبوع الثاني من الشهر الماضي بلغت 1.7 مليار دولار، مسجلة نمواً بنسبة 108%.

وأعلن وزير النفط الإيراني محسن باك‌ نجاد حفر 13 بئراً جديدة في حقل بارس الجنوبي خلال الأشهر الـ14 الماضية، ما أضاف قرابة 22 مليون متر مكعب يومياً إلى إنتاج الغاز الخام في البلاد.

ومن المتوقع، بحسب تصريحاته، أن تدخل نحو 4 آبار جديدة أخرى مرحلة التشغيل خلال الشهرين والنصف المقبلين، ضمن مشروع الحفر داخل الحقل. ومع احتساب هذه الآبار سيصل إجمالي الزيادة في إنتاج الغاز من بارس الجنوبي إلى نحو 30 مليون متر مكعب يومياً.

وأكد أن تسجيل هذا المستوى من الإنتاج في حقل بارس الجنوبي يُعد غير مسبوق مقارنة بالسنوات الماضية.

وأعلن البنك المركزي الإيراني، في تقاريره الدورية، أن الاقتصاد سجل نمواً سنوياً تراوح بين 3 و4% خلال العام الماضي، مدفوعاً بزيادة إنتاج النفط وتحسن نسبي في بعض الأنشطة الصناعية.

إيران تنوع اقتصادها وشركاءها التجاريين

وضمن سياستها الاقتصادية لمواجهة الحرب الاقتصادية، سعت إيران إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية.

وفي هذا السياق، أعلن رئيس منظمة تطوير التجارة الإيرانية محمد علي دهقان دهنوي نمواً بنسبة 16% في تجارة إيران مع الدول الأوراسية خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي الإيراني (بدأ في 20 آذار/مارس 2025).

ونما حجم التجارة الإيرانية مع القارة الأفريقية بنسبة 23% العام الماضي. وفي هذا المجال، احتلت الجزائر المركز الأول بنسبة نمو 5.5%، وفقاً لمدير مركز التجارة الإيراني في الجزائر سعيد زارع.

وشهد العام الجاري استقبال أول شحنة ترانزيت دولية بنظام (TIR) من إيران متجهة إلى الكويت.

كذلك، سجل حجم التبادل التجاري الإيراني عبر المعبر الحدودي البري والسككي في سرخس مع تركمانستان ودول آسيا الوسطى الأخرى زيادة بنسبة 18% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. 

وبحسب نتائج عام 2025، انضمت إيران إلى قائمة الشركاء التجاريين الخمسة الرئيسيين لطاجيكستان، وهو ما يشير إلى توسع العلاقات التجارية بين إيران وطاجيكستان في الآونة الأخيرة.

وانضمت إيران إلى اثنين من أهم أجهزة صنع القرار في منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (يونيدو)، هما مجلس التنمية الصناعية (IDB) ولجنة البرامج والميزانية (PBC)، عام 2025.

وتحتل إيران المرتبة العشرين من بين 176 دولة عضو في المنظمة البحرية الدولية من حيث عدد الأساطيل البحرية التجارية المسجلة تحت علمها، فيما تحتل المرتبة الأولى ضمن 5 دول تطل على بحر قزوين وتُمارس أنشطة الشحن البحري، وذلك بـ104 سفن تعمل تحت علمها من أصل 500 سفينة.

الاتجاه إلى الاكتفاء الذاتي في إنتاج المعادن

تشير إحصائيات الاتحاد العالمي للصلب إلى أن إيران أنتجت في المتوسط 31.8 مليون طن من الصلب خلال عام 2025، ما جعلها تحتل المرتبة العاشرة بين أكبر 40 دولة منتجة للصلب في العالم. وسجَّل إنتاج الصلب الإيراني في هذا العام نمواً بنسبة 1.4% مقارنة بعام 2024. 

وفي حين أنتجت دول منطقة غرب آسيا مجتمعة خلال شهر كانون الثاني/يناير الماضي 5.3 مليون طن من الصلب، فإن إنتاج إيران البالغ 3 ملايين طن، مكنها من الوصول لنسبة 57% من صلب هذه المنطقة.

كذلك، كشف رئيس مركز أبحاث مجلس الشورى الإسلامي أن إيران احتلت عام 2025 المرتبة العاشرة عالمياً من حيث اكتشاف الاحتياطيات المؤكدة للنحاس.

يأتي ذلك في وقت تنتج إيران 95% من المعدات الثابتة لصناعة البتروكيماويات داخل البلاد، فيما تضطر إلى استيراد النسبة المتبقية بسبب القيود الفنية وتراخيص التكنولوجيا، وفقاً لنائب وزير النفط والمدير التنفيذي للشركة الوطنية للصناعات البتروكيماوية في إيران، حسن عباس زاده.

.. واكتفاء ذاتي في إنتاج الدواء أيضاً

في قطاع الدواء، تحتل إيران المرتبة الثالثة بين أبرز المنتجين العالميين في إنتاج الأدوية المشعّة، وهي تعالج سنوياً أكثر من 1.5 مليون مريض سرطاني، وفق ما أعلنه محمد علي قدسي راد، اختصاصي الطب النووي، وعضو هيئة التدريس في جامعة الشهيد بهشتي الإيرانية.

ويشهد إنتاج الأدوية في إيران نمواً متسارعاً بعدما بات أكثر من 97% من الأصناف الدوائية المطلوبة في السوق المحلية و40% من المعدات الطبية يُؤمَن داخل البلاد.

وقد صدّرت إيران عام 2025 معدات طبية إلى 60 دولة، وفقاً لنائب الرئيس الإيراني للعلوم والتكنولوجيا والاقتصاد القائم على المعرفة حسين أفشين، في وقت أعلن رئيس مؤسسة "الغذاء والدواء" حیدر محمدي عن إزاحة الستار عن 20 دواءً جديداً محلی الصنع عام 2024. 

وعام 2025، احتلت إيران المرتبة الأولى في منطقة غرب آسيا من حيث عدد المراكز والمتخصصين النشطين في مجال الطب النووي، بحسب الأستاذ في جامعة طهران للعلوم الطبية والرئيس السابق للجمعية العلمية للطب النووي الإيراني الدكتور محسن ساغري.

وكشف ساغري عن وجود أكثر من 200 مركز للطب النووي في إيران، يقدّمون خدمات تشخيصية وعلاجية لمئات المرضى يومياً. حتى الآن، تم إنتاج ما يقرب من 30 نوعاً من أطقم التشخيص في البلاد، والتي تُستخدم في المراكز الطبية لإجراء فحوصات طبية أكثر دقة. 

اقرأ أيضاً: إيران من بين قائمة الدول العشر في إنتاج دواء التخدير الحيوي

المشاريع الاقتصادية والصناعية الجديدة

واليوم، تزامناً مع ذكرى أيام "عشرة الفجر"، تدشن إيران 868 وحدة صناعية جديدة و508 وحدة إنتاج تم إعادة تشغيلها وتنشیطها في المناطق الصناعية في جميع أنحاء البلاد، وتواصل مساعيها لإنقاذ اقتصادها وتطويره وتثبيت سعر العملة وتحسين الظروف المعيشية بعد نحو نصف قرن من الضغوط.

بالطبع، لم تعد العقوبات حدثاً استثنائياً في الاقتصاد الإيراني، والطريق لمواجهتها ليس بسيطاً، ولكنها في المقابل باتت عاملاً بنيوياً تعاد هندسة السياسات على أساسه. والسؤال اليوم ليس فقط عن قدرتها على الإضعاف، بل عن قدرتها على تغيير المعادلة.

 

اخترنا لك