"CounterPunch": إبستين وترامب تحالف "الجينات المتفوقة" وإرث تحسين النسل الأسود

دراسة معمقة تكشف إيمان إبستين وترامب بالحتمية الجينية وتفوق العرق الأبيض، مستعرضةً علاقات إبستين بمنظري "علم الأعراق" الزائف، وتطابق هذه الرؤى مع خطابات ترامب العنصرية وسياساته تجاه المهاجرين والأقليات.

  • الرئيس الأميركي دونالد ترامب والمتهم بجرائم جنسية جيفري إبستين (أرشيف)
    الرئيس الأميركي دونالد ترامب والمتهم بجرائم جنسية جيفري إبستين (أرشيف)

يتناول التقرير الذي نشره موقع "CounterPunch" التقاطعات الخطيرة بين إرث جيفري إبستين المشبوه وبين العقيدة السياسية للرئيس دونالد ترامب، كاشفاً عن إيمان كلاهما بنظريات "تحسين النسل" والعنصرية العرقية.

ويستعرض كيف وُظف "العلم الزائف" لتبرير تفوق العرق الأبيض وتهميش الأقليات، مع تسليط الضوء على سياسات التمييز الممنهجة في الهجرة والتعامل مع الإرث العلمي للأميركيين الأفارقة.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية بتصرف:

لم يكن جيفري إبستين مُغتصباً ومُتحرّشاً بالأطفال فحسب، بل كان أيضاً (ويا للمفاجأة)، من غلاة دُعاة تفوُّق العرق الأبيض. وفي حين يتكهَّن البعض بأنَّ قضية إبستين ليست سوى مُحاولةٍ لصرف الانتباه عن عُنصرية الرئيس ترامب المُتأصّلة والمُستمرَّة، يرى آخرون أنَّ الفيديو الذي نشره الرئيس خلال الاحتفال بذكرى "شهر تاريخ السود"، والذي يُظهر باراك وميشيل أوباما في هيئة قردين، كان يهدفُ إلى صرف الأنظار عن تداعيات قضية إبستين المتفاقمة. وكما اتَّضح، فإنَّ الأزمتين ليستا مُتباعدتين كما قد يتصوَّر البعض.

فقد كشفت مقالاتٌ مُثيرةٌ للجدل في مجلّات "ذا أتلانتيك" و"ماذر جونز" وموقع "إم إس ناو" النقاب عن عُنصرية جيفري إبستين البغيضة خلال فحصهم لأحدث ملفّات إبستين المنشورة، واكتشفوا أدلَّةً عديدةً في رسائل البريد الإلكتروني ووثائق أخرى تُشير إلى أنَّ إبستين كان يُروّج لـ"علم" تحسين النسل الزائف، ويتبنَّى آراءً عُنصريةً لا تختلف عن تلك التي روَّج لها دونالد ترامب لعقود.

كذلك، بنى إبستين، أو على الأقلّ حاول أن يُقيم علاقاتٍ وصداقاتٍ مع بعض أشهر دُعاة تحسين النسل والقوميين البيض في العالم، بمن فيهم الحائز على جائزة نوبل وعالم الوراثة جيمس واتسون، وعالم السياسة تشارلز موراي، وباحث الذكاء الاصطناعي يوشا باخ، وغيرهم الكثير. كما نشر إبستين إصدارات من مواقع إلكترونيةٍ تُروّجُ لاختلافاتٍ فكريةٍ زائفةٍ بين الأعراق، بزعم أنَّها ذات أساسٍ جينيٍّ. ويُذكر أنَّ تحسين النسل المنبثق من "علم الأعراق" كان قد طُوّر في أواخر القرن التاسع عشر لتبرير العبودية والاستعمار الأوروبي.

يُجادل مُؤيّدو فكرة تحسين النسل بأنَّ البشر مُقسمون بيولوجياً وجينياً إلى "أعراقٍ" غير متساويةٍ بوضوحٍ. وكل شيءٍ، من الذكاء والجريمة والجاذبية إلى الأخلاق، حسب هذا الادّعاء، كان مُحدَّداً جينياً. ولا ينبغي أن يُفاجئ أحداً أنَّ البيض، في مثل هذا التسلسل الهرمي المُتخيل، كانوا في القمَّة، وفي معظم الحالات، الأشخاص من أصلٍ أفريقي كانوا في القاع مع الآسيويين، بينما الشعوب الأخرى في مكانٍ ما بينهما.

ولقد كانت تلك الفئات المرقومة تُعتبر ثابتةً، ولم يكن مُهماً بشكلٍ ملحوظٍ أنَّ عُلماء الاجتماع، ومن الطبيعي أنَّهم قد جادلوا لفترةٍ طويلةٍ بأدلَّةٍ لا يُمكن دحضها، بأنَّ الفئات العرقية هي بُنىً اجتماعية اخترعها البشر وقابلة للتشكيل بوضوحٍ مع مرور الوقت مع تغيُّر الحياة السياسية والاجتماعية.

كذلك، شكَّل تأثير نظرية تحسين النسل العرقي في العالم الحقيقي السياسة العامَّة والوضع السياسي وفُرص الحياة لفترةٍ طويلةٍ. وفي الولايات المتحدة، ساعد الاعتقاد بالدونية الجينية للسود في تعزيز العبودية ثم الفصل العنصري بـ"نظام جيم كرو"، كما أدَّى إلى تعقيم عشرات الآلاف من الأميركيين الأفارقة واللاتينيين والأميركيين الأصليين والأشخاص ذوي الإعاقات الجسدية والعقلية، بالإضافة إلى السجناء.

وبحلول عام 1913، شرعت واشنطن العاصمة و24 ولايةً أخرى قوانين تسمحُ بالتعقيم القسري. كما كان الرئيس ثيودور روزفلت من أشدّ المؤمنين بتحسين النسل، ودعم التعقيم لمنع ما أسماه "الانتحار العرقي"، وهو منظور يتردَّد صداهُ مع "نظرية الاستبدال العظيم" السائدة اليوم.

في ألمانيا النازية، لم يقتصر تأثير تحسين النسل على تعقيم اليهود والسود وذوي الإعاقة فحسب، بل امتدّ إلى القتل الجماعي الذي نظّمته الدولة لملايين البشر. كان من المبادئ الأساسية للنازية اعتبار جميع غير الآريين أدنى جينياً ويشكلون تهديداً للعرق الأبيض. وقد هاجم النازيون اليهود بشدة، واصفين إياهم بـ"المسمّمين لدماء" الألمان البيض، وهو مصطلح استخدمه ترامب لوصف المهاجرين غير البيض من دول الجنوب.

على الرغم من هذا التاريخ، فقد آمن إبستين إيماناً راسخاً بتحسين النسل والتحديد الجيني، كما هو الحال مع دونالد ترامب. ولتحقيق هذه الغاية، سعى إبستين إلى التواصل مع أبرز مُنظري "علم الأعراق" في عصره.

إبستين يتحدث عن العرق

ربما كان أكثر الكتب شهرةً في العصر الحديث، الذي يدعو إلى أساس عرقي للذكاء وتسلسلٍ هرميٍّ اجتماعي يضعُ البيض في القمَّة والسود في القاع، هو كتاب "مُنحنى الجرس" (1994) لتشارلز موراي وريتشارد ج. هيرنشتاين. ومنذ ذلك الحين، وفي عدة كتبٍ ومقالاتٍ، دُحضت الأبحاث التي قدمها الكتاب بشكلٍ كاملٍ، ورفضها علماء العلوم الاجتماعية والطبيعية.

وفي ذلك الوقت، تبنَّى العديد من الجمهوريين وبعض الديمقراطيين حُججهما العنصرية من أجل الزعم بأنَّ برامج الرعاية الاجتماعية الحكومية يجب تقليصها. وقد تحالف موراي مع الجمهوريين في الإدلاء بشهادته أمام الكونغرس في التسعينيات، التي ألقت باللوم على أخلاقيات الفقراء في فقرهم في خضم نقاشٍ حول مستقبل برامج الرعاية الاجتماعية.

ووفقاً لملفّات إبستين، فقد حاول بنفسه مراراً مُراسلة موراي، الذي يزعم عدم تذكُّر أنَّه تبادل أي رسائل بريد إلكتروني مع إبستين، ولم يتواصل معه. على أي حالٍ، من الواضح أنَّ إبستين كان يكتب إلى موراي بسبب شُهرته في عمله حول الأعراق والوراثة. كان ذلك في عام 2018، بعد أكثر من عقدٍ من نشر كتاب "منحنى الجرس"، الذي منح هذه الشهرة لموراي.

تقول مجلة "ذا أتلانتيك" إنَّه تم تزويد إبستين بعنوان بريد موراي الإلكتروني من جيمس واتسون، الذي زوَّده أيضاً ببريد فرانسيس كريك بالطبع، الذي اكتشف بنية الحمض النووي في عام 1953، وبعد 9 سنواتٍ، فاز هو وموريس ويلكنز بجائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب.

وفي عام 2000 ونحوها، بدأت وجهات نظر واتسون الرجعية حول الأعراق في الظهور، حيث أدلى بتصريحاتٍ أمام الجمهور قال فيها إنَّ "الأشخاص ذوي البشرة الداكنة لديهم رغبة جنسية أقوى"، مُتمسّكاً بصورةٍ نمطيةٍ عرقيةٍ تعود إلى قرونٍ. وفي عام 2007، ووفقاً لمساعد سابقٍ قال لصحيفة "صنداي تايمز" اللندنية، إنَّه "كان بطبيعته مُتشائماً بشأن آفاق أفريقيا" لأنَّ "كل سياساتنا الاجتماعية تستند إلى حقيقة أنَّ ذكاءها هو نفسه ذكاؤنا، بينما الاختبارات كلُّها تقول إنَّ هذا ليس حقيقياً".

كان لإبستين أيضاً علاقات مع عددٍ مِن الباحثين والعلماء الآخرين، بمن فيهم يوشا باخ، الذي تلقَّى تمويلاً من إبستين المُدان، ووُظّف في مختبر الإعلام بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بمساعدته. وفي إحدى الحوارات عام 2016، كتب باخ إلى إبستين أنَّه من المفيد معرفة أنَّ الأطفال الأميركيين من أصلٍ أفريقي "لديهم تطوُّر معرفي أبطأ في تعلم المفاهيم عالية المستوى". ومع صدور تلك ملفات إبستين مؤخراً، حاول باخ شرح لماذا لم تكن تصريحاته عنصريةً، وأنَّ "النقاش العلمي حول وراثة السمات مُعقَّد جداً وهو ليس مجالاً لبحوثي".

كذلك، قضى إبستين وقتاً على مواقع إلكترونيةٍ مُتطرّفةٍ للعرق الأبيض. على سبيل المثال، أرسل رابطاً لمقالٍ عُنصريٍّ بعنوان "العرق والذكاء: جينات تتكهَّن بفروق الذكاء العرقي" إلى الباحث اليساري نعوم تشومسكي. وكان المقال قد نُشر على موقعٍ مُتطرّفٍ بوضوحٍ وفقاً لمجلة "ذا أتلانتيك". وقد عبّر تشومسكي عبر البريد الإلكتروني عن اعتراضه لإبستين بشأن "علم الأعراق".

وحسب صحيفة "الغارديان"، كان لدى تشومسكي "صداقة وثيقة" مع إبستين، مع أنَّه لا يوجد دليل على أن تشومسكي شارك أو شهد على أي من جرائم إبستين الجنسية، واعترفت زوجته فاليريا تشومسكي بأنَّ الزوجين ارتكبا "اأخطاء جسيمة" في الحفاظ على علاقتهما. بينما أدان البيان بشدَّةٍ جرائم إبستين لكنه لم يذكر سلوكه العنصري، الذي لم يُركّز عليه سوى القليل خلال تلك السنوات.

الرئيس و"الجين المتفوق"

تتَّفِق آراء إبستين المؤيَّدة لتحسين النسل مع اعتقاد الحتمية الجينية الراسخة لدى ترامب. فلا يُوجد مُؤمن بهذا "العلم" العُنصري أكثر من شاغل البيت الأبيض الحالي. وهو لعقودٍ طويلةٍ، تفاخر بتفوُّقه الجيني على بقية البشرية. والأمثلة التي عبَّر فيها عن ذلك لا حصر لها مثل: "حسناً، أنا مؤمن بالجينات، وأعتقد أنَّني ولدت مدفوعاً بالنجاح، لأنَّه لديَّ جينات مُعينة لذلك، وهي جينات رائعة".

وبالطبع، في مقابل "الجينات الصحيحة" التي يُروِّج لها ترامب، هناك من يحملون النوع الخاطئ. ومن وجهة نظر الرئيس، يشمل ذلك المهاجرين، وقال: "كما تعلمون، أنا أؤمن أنَّ القتل مُتأصّل في جينات القاتل. ولدينا الكثير من الجينات السيئة في بلدنا حالياً".

وعلى مر السنين، أظهر ترامب قلة تعاطفٍ مع ذوي الاحتياجات الخاصة. فقد سخر من الصحفي سيرج كوفالسكي، المصاب بتشوُّه المفاصل الخلقي، بتحريك جسده بطريقةٍ ساخرةٍ. كما ورد أنَّه لم يكن يرغب في الوجود بالقرب من الجنود ذوي الإعاقة الجسدية، وفقاً لرئيس موظفي البيت الأبيض السابق جون كيلي. وكثيراً ما يتحدَّث ترامب بأسلوبٍ غامضٍ حتى يتمكَّن لاحقاً من إنكار أنَّه كان يسيء إلى المهاجرين أو ذوي الإعاقة أو الجنود الجرحى، لكنَّه لا يخدع أحداً بذلك.

ومن الجدير بالذكر أَنَّ إحدى الإهانات التي يلجأ إليها ترامب هي وصف شخصٍ ما بأنَّه "منخفض الذكاء"، وفي كل حالةٍ تقريباً، يكون هدفه شخصاً أسود البشرة، وبشكلٍ غير مُتناسبٍ من النساء، بما في ذلك منافسته في انتخابات 2024 كامالا هاريس، وأعضاء الكونغرس ماكسين ووترز، وألكساندريا أوكاسيو كورتيز، وآل غرين، وجاسمين كروكيت، وزعيم الأقلِّية في مجلس النواب حكيم جيفريز، ومقدم البرامج الإذاعية شارلمان ذا جود، والمدَّعية العامة لولاية نيويورك ليتيتيا جيمس، وغيرهم.

لقد حرص ترامب، على الأقلّ علناً، على عدم التصريح بوضوح بأنَّ السود لديهم استعداد وراثي للجريمة. ومع ذلك، فقد هاجم بشكلٍ متكررٍ المدن التي يقودها السود ووصفها بأنَّها مناطق جريمة، دون أن يصف المدن أو الولايات التي يُهيمن عليها البيض بالمثل. كما نشر بياناتٍ مُزيَّفةً زعم أنَّها تُظهر أنَّ الأميركيين من أصلٍ أفريقيٍّ يرتكبون جرائم بمعدَّلٍ أعلى، في تلميحٍ واضحٍ إلى أنَّ العرق هو العامل الرئيسي لذلك.

وتتَّضح آراء ترامب وإيمانه بتحسين النسل في سياساته وتطلُّعاته المتصلة بالهجرة. ونظرياً، لا يحقُّ له الترشُّح للرئاسة مُجدَّداً، لذلك لا يوجد لديه دافع يُذكر لإخفاء مشاعره الحقيقية. وبعد سنوات من الإنكار، اعترف بفخرٍ في كانون الأول/ ديسمبر 2025 بأنَّهُ وصف دولاً في أميركا اللاتينية وأفريقيا بـ"الدول القذرة" في عام 2018. وفي خطابٍ ألقاه في بنسلفانيا في العام الماضي، دعا إلى هجرة البيض فقط إلى أميركا.

وقال أمام أعضاء مجلس الشيوخ: "لماذا لا نقبل إلا أشخاصاً من دول بائسةٍ؟ لماذا لا نستطيع أن نستقبل بعض الأشخاص من النرويج أو السويد، ولو قليلاً منهم، دعونا نستقبل بعضاً من الدنمارك، فهل يمانعون في إرسال بعض الأشخاص إلينا؟".

وفي كانون الثاني/ يناير الماضي، أوقف ترامب فعلياً استقبال جميع اللاجئين القادمين من أفريقيا تقريباً. وأعلنت الإدارة أنَّها ستستقبل 7500 لاجئٍ فقط من جميع أنحاء العالم في عام 2026، وهو أدنى رقمٍ مُسجَّلٍ حتى الآن. وهذا يعني شبه انعدام فُرص استقبال اللاجئين الأفارقة السود.

في الوقت عينه، سعت إدارة ترامب إلى مُعالجة 4500 طلب لجوء شهرياً من البيض الجنوب أفريقيين من بداية العام الجاري. كما أصدر الرئيس الأمر التنفيذي رقم 4204 في العام الماضي، مُدَّعياً زُوراً أنَّ البيض في جنوب أفريقيا يتعرَّضون لسوء المعاملة ويستحقُّون إجراءاتٍ سريعةً للحصول على الإقامة الدائمة في الولايات المتحدة.

ويُشير هذا الهدف الجديد الوارد في وثيقةٍ لم تنشر سابقاً من وزارة الخارجية بتاريخ 27 كانون الثاني/ يناير، والتي اطَّلعت عليها وكالة "رويترز"، إلى سعيٍ حثيثٍ لزيادة قبول اللاجئين من جنوب أفريقيا، في حين قُلّصت طلبات اللجوء من مناطق أخرى بشكل كبير.

إنَّ النظرة العرقية العُنْصرية هي أساس رؤية ترامب للعالم بكل بساطةٍ. ولا ينبغي أن يُفاجئ أي أحدٍ ممَّن تابعوا تصريحاته بشأن الأعراق على مرّ العقود، أنَّه يُعتبر باراك وميشيل أوباما أقلَّ من البشر. ويُمكن تلخيص آراء ترامب حول الرئيس السابق بأنَّ باراك أوباما مُسلم مُتطرّف شبيه بالقرد ومُؤسّس تنظيم "داعش"، واشتراكي لم يُولد في الولايات المتحدة، بل دبَّر مؤامرةً شارك فيها الآلاف للتظاهر بأنَّه ولد فيها، أو ربما كان كذلك بالفعل، ثم "تولَّى الرئاسة بطريقةٍ احتياليةٍ، ويجب الآن اعتقاله بتهمة الخيانة والتجسُّس غير القانوني على البيت الأبيض في عهدي، ومهما كانت الحقيقة، فهو ليس سليماً عقلياً وجسدياً مثلي".

ابتداءً من أوائل خمسينيات القرن المنصرم، تمكَّن العلم الحقيقي، على عكس النسخ الزائفة التي تبنّاها إبستين وترامب، من تحقيق إنجازاتٍ غيَّرت حياة الناس بفضل الوصول إلى ما عُرف لاحقاً بخلايا هيلا (HeLa)، والتي ساهمت في فهم وتطوير لقاحاتٍ وعلاجاتٍ لأمراضٍ عديدةٍ، منها شللُ الأطفال، والسرطان، وفيروس الورم الحليمي البشري، ومرض باركنسون، والحصبة، وفيروس نقص المناعة البشرية، وفيروسات زيكا، وكورونا.

وقد أدَّت هذه الخلايا إلى نشأة علم الفيروسات. ومن المستبعد جداً، بل ومن المرجح أن يكون الأمر مُحرجاً للغاية، أن يكون إبستين أو ترامب على علم أنَّ هذه الخلايا تعود إلى امرأةٍ أميركية من أصل أفريقيٍّ هي هنرييتا لاكس. وقد سُمّيت هذه الخلايا باسم هيلا، وهو اسم مُركَّب من أول حرفين من اسمها الأول واسم عائلتها. وفي عام 1951، عندما أُدخلت إلى مستشفى جونز هوبكنز في بالتيمور وهي تعاني مرض سرطان عنق الرحم، أُخذت أنسجةٌ من جسدها دون إذنها أو إذن عائلتها.

وهذه السرقة غير الأخلاقية التي كانت قانونية آنذاك، ستدرُّ أرباحاً طائلةً لشركات الأدوية. وبعد نشر كتاب ريبيكا سكلوت "الحياة الخالدة لهنريتا لاكس" عام 2010، أصبحت قصتها معروفةً على نطاق واسع، وبدأت عائلتها برفع دعاوى قضائيةٍ. وفي عام 2023، توصَّلت العائلة إلى تسويةٍ مع شركة "ثيرمو فيشر ساينتيفيك"، وفي الشهر الماضي توصَّلت إلى تسويةٍ أخرى مع شركة "نوفارتس"، عملاق صناعة الأدوية السويسري.

ترامب هو بلا جدالٍ الرئيس الأكثر جهلاً، وانعداماً للفضول الفكري، وقلَّة اطّلاعٍ، وسطحيةٍ، وعصبيةٍ في تاريخ الولايات المتحدة. وهو لن يعترف أبداً أو حتى يفهم أنَّ وصوله إلى السلطة لم يكن نتيجة أي مواهب أو مهاراتٍ استثنائيةٍ، أو عبقريةٍ فطريةٍ. بل كان، بلا أدنى شكٍّ، نتيجة حياةٍ كاملةٍ من الامتيازات العرقية والجنسية والطبقية المتأصّلة.

نقله إلى العربية: حسين قطايا