السيد خامنئي ولاريجاني.. العلاقة وسؤال الرحيل

إذا كان السيد خامنئي قد عمل على إنتاج الإطار الذي تتحرّك ضمنه الدولة، فإنّ علي لاريجاني اشتغل على مستوى ترجمة هذا الإطار إلى فعل أمنٍ قومي داخل الدولة وخارجها.

  • السيد خامنئي ولاريجاني.. العلاقة وسؤال الرحيل
    التوازن بين السيد خامنئي ولاريجاني، لا يمكن فصله لا بالتوقيت ولا الهدف.

"نحن أصدقاء، إخوة، نمتلك فكراً ورؤية مشتركة". هذا كان حديث قائد الثورة والجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي، في إحدى الجلسات، عن الشهيد علي لاريجاني.

تلك العبارات تختزل اللحظة التاريخية الحاسمة، حين اختلطت السياسة بالوجود نفسه، حيث عبّر كلّ من السيد علي خامنئي وعلي لاريجاني عن رؤيتهما للدولة والإدارة العامّة بطرق تجسّد ما يمكن تسميته "مدرسة حكم" داخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية. لذلك، لا تصوّر العلاقة بينهما كمجرّد قائدٍ ثوري ومفكّر عقلاني، لأنّ خطابهما ومواقعهما أثبتا أنهما معاً شكّلا بنية فكر وسياسة متكاملة ومتجانسة تعبّر عن هوية إيران، الثورة والدولة.

السيد خامنئي: جوهر المشروع

كان السيد الشهيد علي خامنئي قائداً، وفي جوهر موقعه، منتِج إطارٍ فكريّ للنظام، أي صانع المعنى الذي تتحرّك داخله الدولة ولا تخرج عنه، متجاوزاً بذلك مونه مجرّد قائد سياسي يمارس السلطة. حضور السيد خامنئي لم يكن تكتيكياً أو إدارياً فقط، بل تأسيسياً بالمعنى البنيوي، فهو من حدّد حدود الخطاب، وثبّت سقف المشروع، وأعطى الثورة تعريفها المستمر.

 في رؤيته، فإنّ الثورة ليست مجرّد حدثٍ تاريخي انتهى بإسقاط نظام سابق، بل حالة وجودية دائمة تُعيد إنتاج نفسها عبر الزمن، ومنطق حاكم للمستقبل. لذلك، فإنّ الصراع مع قوى الهيمنة بالنسبة إليه، هو عنصر بنيوي في بنية النظام الدولي نفسه، وهو جزء من تعريف الذات السياسية للدولة الإيرانية أمام العالم. ومن هنا، كان الاستقلال السياسي والأمني والاقتصادي، شرط وجود بالنسبة للجمهورية الإسلامية في إيران خلال عهد السيد خامنئي، لا خياراً تفاوضياً أو شعاراً ظرفياً مرتبطاً بأحداث أو ظروفٍ معيّنة. بمعنى أنّ الهوية السياسية للنظام لا تكتمل إلا به، ولا يمكن فصلها عنه من دون أن تفقد معناها. 

في هذا السياق، كان التعقّل واستخدام الفكر السياسي في معادلات السيد خامنئي حاضراً بقوة، لكنه كان مضبوطاً ضمن سقفٍ أيديولوجي واضح ومحدّد مسبقاً. وهذا السقف كان موجّهاً للخيارات السياسية والأمنية، ضمن 3 مستويات: المناورة، التكيّف، التراجع التكتيكي. وكان أيضاً، محرّكاً ضمن 3 مستويات في الاتجاه الآخر: التشدّد في الموقف، التصعيد الأمني والعسكري، التحوّل من الصبر الاستراتيجي إلى المواجهة المباشرة.

هذه المستويات في اتجاهاتها المختلفة تتحرّك ضمنها إيران من دون المساس بجوهر المشروع أو إعادة تعريفه، مهما كانت أسبابها، أو نتائجها. لذلك استطاع النظام أن يتفاوض من دون أن يتحوّل، وأن يغيّر أساليبه من دون أن يبدّل هويته، وأن يتعامل مع الضغوط الدولية من دون أن يفقد ثوابته، وأن يخوض الحرب المباشرة بأعلى كلفة، من دون أن يحتاج إلى إعادة صياغة للخطاب السياسي أو إحداث أيّ تحوّل في بنيته السياسية والأمنية. 

 وضمن هذا كلّه، تتضح صورة السيد خامنئي كفاعل سياسي (في التعريف العلمي عادة تكون الفواعل دولاً أو جماعات)، ومهندساً للمعنى الاستراتيجي الذي يمنح الدولة استمراريتها، ويجعل من الفكر السياسي المستند إلى عقيدة أيديولوجية، أداةً لحماية الثورة، لا بديلاً عنه.

لاريجاني: فيلسوف دولة

إذا كان السيد خامنئي قد اشتغل على إنتاج الإطار الذي تتحرّك ضمنه الدولة، فإنّ علي لاريجاني اشتغل على مستوى ترجمة هذا الإطار إلى فعل أمنٍ قومي داخل الدولة وخارجها. وهنا تكمن المفارقة الحقيقية في شخصيته. علي لاريجاني لم يكن مجرّد سياسي تقليدي صعد عبر المؤسسات، بل دخلها وهو يحمل خلفية فلسفية واضحة، فقد درس الفلسفة الغربية بعمق، واهتمّ بشكل خاصّ بأعمال إيمانويل كانط، بل واشتغل على مقاربتها وشرحها، ودرّس الفلسفة قبل أن يتحوّل إلى العمل السياسي.

لكنّ القيمة الحقيقية هنا لا تكمن في معرفته بكانط، بل في كيفية استخدامه له، فهو لم يتعامل مع الفلسفة الغربية كهوية بديلة، ولا كإطار يُستبدل به المشروع القائم، بل كأداة تحليلية يمكن توظيفها داخل سياق مختلف تماماً. بمعنى أدقّ، لم يحاول "تغريب" الثورة، بل سعى إلى "فلسفتها" بلغات متعدّدة، بحيث تصبح قادرة على مخاطبة العالم بلغة عقلانية من دون أن تتخلى عن جوهرها.

في كتاباته ومواقفه، يظهر لاريجاني كمن يحاول بناء جسر بين عالمين؛ عالم الفلسفة النظرية، وعالم الدولة الواقعية. وكان يدرك أنّ أيّ مشروع سياسي لا يمكن أن يستمر بالخطاب وحده، بل يحتاج إلى بنية عقلية تُعيد تفسيره باستمرار، وتمنحه قدرة على التكيّف من دون الانهيار. ومن هنا يمكن فهم رؤيته للمجتمع، التي لم تكن فردانية بالمعنى الليبرالي، بل قائمة على فكرة "الروح الجمعية" التي تتجاوز الأفراد وتمنحهم معنى ضمن كلّ أكبر. السياسة، في هذا التصوّر، تعبير عن هوية، وعن سردية جماعية تُنتجها الدولة وتحافظ عليها.

بهذا المعنى، كان لاريجاني أقرب إلى "فيلسوف دولة" منه إلى سياسي تقليدي. عقل يعمل داخل المنظومة، لا ضدّها، ويُعيد تفسيرها بدل تفكيكها، ويستخدم أدوات الفلسفة، حتى الغربية منها، لتثبيت مشروع محلي لا لاستبداله. وهنا تحديداً يظهر تكامله مع نموذج خامنئي؛ الأول يحدّد المعنى، والثاني كان يعمل على جعله قابلاً للحياة داخل مؤسسات الدولة، وعلى تحويل الأيديولوجيا من خطاب إلى ممارسة قابلة للإدارة.

التقسيم الخاطئ

المشكلة الأساسية في قراءة هذه الثنائية تكمن في الميل إلى تبسيطها عبر التقسيم الحادّ. السيد علي خامنئي يُختزل كرمز للأيديولوجيا، وعلي لاريجاني يُقدَّم كصوت العقل داخل النظام. لكنّ هذا التصنيف، رغم جاذبيته، يخفي أكثر مما يكشف. فالواقع أنّ التجربة التي مثّلها الرجلان لا تقوم على ثنائية متقابلة، بل على تداخل عميق بين مستويين من التفكير يعملان معاً لا ضدّ بعضهما. 

السيد خامنئي كان يوظّف العقل ضمن مفهومه الفكري السياسي باستمرار في إطار ثابت يحدّد حدوده واتجاهه، وداخل رؤية مستقبلية، تهدف إلى حماية المشروع لا إعادة تعريفه. في المقابل، كان لاريجاني في صلب هذا الإطار، وأحد أبرز من أعادوا صياغته بلغة تحليلية، وعملوا على تبريره وتثبيته ضمن منطق قابل للإدارة.

وإذا انتقلنا من المستوى النظري إلى الوقائع، يظهر هذا التكامل بوضوح خلال مرحلة المفاوضات النووية في منتصف الألفينيات، حين كان لاريجاني يشغل منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي (2005-2007)، لم يكن يتحرّك كـ"مفاوض تقني" فقط، بل كجزء من رؤية أشمل يحدّدها السيد خامنئي. فالتفاوض نفسه، الذي قد يبدو في ظاهره تنازلاً، كان محكوماً بسقف واضح، وهو عدم التخلّي عن حقّ التخصيب (المبدأ الذي لم يتخلّ عنه السيد خامنئي أو لاريجاني حتى آخر لحظة من حياتهما). 

هذا الموقف تمّ تثبيته كخط أحمر من قبل السيد خامنئي في أكثر من خطاب رسمي، فيما تولّى لاريجاني ترجمته إلى لغة تفاوضية مع الأوروبيين، خصوصاً خلال محادثات 2006–2007 مع الترويكا الأوروبية، حيث حاول طرح صيغ تسمح بالمرونة من دون كسر هذا السقف.

مثال آخر يظهر خلال النقاشات الداخلية حول الاتفاق النووي لاحقاً في عام 2015. على الرغم من أنّ لاريجاني لم يكن المفاوض المباشر حينها، إلا أنه، بصفته رئيساً للبرلمان، أدّى دوراً محورياً في تمرير الاتفاق داخل المؤسسة التشريعية، مع الحفاظ على خطاب يؤكّد أنّ الاتفاق لا يعني تغييراً في طبيعة النظام أو تخلّيه عن مبادئه. في المقابل، دعم السيد خامنئي الاتفاق بشروط واضحة، واصفاً إياه أحياناً بـ"المرونة البطولية"، وهو تعبير يعكس بدقة هذه المعادلة، مرونة تكتيكية ضمن ثبات استراتيجي.

حتى في الأزمات الإقليمية، يظهر هذا التكامل. خلال تصاعد التوتر في المنطقة بعد 2011، كان الخطاب العامّ الصادر عن السيد خامنئي يؤكّد ثوابت مثل محور المقاومة ورفض الهيمنة، بينما كانت شخصيات مثل لاريجاني تتحرّك على مستوى الدبلوماسية البرلمانية والاتصالات السياسية لتثبيت هذا الدور ضمن توازنات إقليمية معقّدة، بما في ذلك زياراته المتكرّرة إلى سوريا ولبنان والعراق، والتي كانت جزءاً من إدارة شبكة علاقات تعكس هذه الرؤية.

بمعنى آخر، ما يبدو كأنه انقسام بين "أيديولوجيا" و"فكر" هو في الحقيقة توزيع أدوار داخل بنية واحدة. هناك من يحدّد السقف، وهناك من يدير الحركة تحته، وهناك من يرسّخ المعنى، ومن يحوّله إلى أدوات عمل. وهنا تحديداً تكمن قوة هذا النموذج، لأنه لا يقوم على صراع داخلي بين فكرتين، بل على تكامل وظيفي بينهما. فالفكر من دون إطار قد يتحوّل إلى براغماتية بلا اتجاه، والأيديولوجيا من دون فكر قد تنغلق وتفقد قدرتها على التكيّف. أما في هذه الحالة، فنحن أمام صيغة أكثر تعقيداً، أيديولوجيا تُفكّر، وفكر مؤدلج، يعملان معاً لإنتاج سياسة قادرة على الثبات والتكيّف في آن واحد.

التنظير الفكري

إذا كان التنظير الفكري يشكّل الأساس، فإنّ قيمة علي لاريجاني الحقيقية تتجلّى في قدرته على نقل هذا الأساس من مستوى الفكرة إلى مستوى الدولة. لم يبقَ في موقع المفكّر الذي يشرح النظام، بل تحوّل إلى فاعل داخله، يشتغل على تحويل الأيديولوجيا إلى آليات عمل يومية. 

دوره في الملف النووي ليس تفصيلاً هنا، بل مثالاً كاشفاً، فعندما تولّى أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، كان نقطة تقاطع بين مستويات متعدّدة، من المؤسسة العسكرية التي تملك أدوات القوة، إلى القيادة التي تحدّد السقف، وصولاً إلى الدبلوماسية التي تدير الاشتباك مع الخارج. في هذا الموقع، كان يتحرّك كـ "عقل تنفيذي" يترجم الخطوط الكبرى التي يرسمها السيد علي خامنئي إلى سياسات قابلة للتطبيق، بحيث لا تتحوّل الأيديولوجيا إلى عبء، ولا تتحوّل البراغماتية إلى انحراف.

هذه الصيغة هي التي منحت النظام قدرة لافتة على امتصاص الصدمات، سواء في لحظات التصعيد الدولي أو في فترات الضغط الاقتصادي والسياسي، أو حتى العدوان الخارجي أخيراً، من دون أن يفقد تماسكه الداخلي أو يعيد تعريف نفسه. فالدولة هنا تتحرّك وفق بنية تفكير تسمح لها بأن تتغيّر في الشكل، من مفاوض إلى مقاتل أو العكس، وتبقى ثابتة في الجوهر. ومن داخل هذه البنية، يمكن فهم كيف تحوّلت الثنائية بين السيد خامنئي ولاريجاني من علاقة بين شخصين إلى ما يشبه مدرسة حكم، حيث نتجاوز فكرة من يقرّر بل كيف يُصاغ القرار؟ وكيف يُحافَظ على توازنه؟

مدرسة حكم

اغتيال السيدين علي خامنئي وعلي لاريجاني خلال فترة زمنية متقاربة، يأتي استهداف مباشر لتوازنٍ دقيق شكّل جوهر النموذج الإيراني لعقود. لذلك، فإنّ الفرضيّة القائمة على أنّ الاحتلال الإسرائيلي اختار أن يغتال لاريجاني بعد أسبوعين من اغتيال السيد خامنئي ليست دقيقة، أي أن لا أرضية عملية لها باعتبار أنّ اغتيال لاريجاني هو نتيجة تحديد موقعه وليس نتيجة قرار سياسي، لأن القرار متخذ في اللحظة التي تمّ فيها اغتيال السيد خامنئي. فرجل مثل لاريجاني لا يجوز، وفق العقل الإسرائيلي، أن يبقى دقيقة واحدة بعد السيد خامنئي.

وحتى الحديث عن أنّ اغتيال لاريجاني في توقيته هو اغتيال للتفاوض، يحتاج إلى تدقيق واسع، لأنّ لحظة إعلان الحرب بذاتها واغتيال السيد خامئي كانت استهدافاً للتفاوض الجاري. بمعنى، أنّ اختيار العدوان الأميركي الإسرائيلي لتوقيت الحرب لم يكن مرتبطاً بالتفاوض بل برصد مكانه، وهو الأمر ذاته الذي يمكن الحديث عنه في اغتيال علي لاريجاني.

هذا يعيدنا إلى أنّ التوازن بين السيد خامنئي ولاريجاني، لا يمكن فصله لا بالتوقيت ولا الهدف، لأنه يقوم على من يحدّد معنى الصراع، ومن يدير آلياته، وبين من يجيب عن سؤال "لماذا نقاتل"، ومن يتكفّل بسؤال "كيف نقاتل". بناءً على ذلك، هو استهداف متزامن للعقيدة والتطبيق، وللإطار الفكري الذي يمنح الفعل السياسي شرعيّته، وللأداة التي تجعله ممكناً في الواقع. 

ومع ذلك، فإنّ خصوصية هذه التجربة في إيران تكمن في أنها لم تُبنَ يوماً على الأفراد بقدر ما بُنيت على توزيع الأدوار داخل بنية أوسع، حيث لا يتركّز القرار في شخص واحد بل يتوزّع ضمن شبكة مؤسساتية قادرة على امتصاص الضربات وإعادة إنتاج نفسها. 

من هنا، يبرز السؤال الذي يتجاوز الحدث نفسه، هل يمكن اغتيال نموذج فكري؟ لأنّ ما مثّله الرجلان كان محاولة نادرة لصياغة "عقل ثوري" بعقيدة متشدّدة متجذّرة، ومفاعيل فلسفية مرنة. والأكثر من ذلك، ما مثّلاه، يمكن صياغته بفكر لا ينفصل عن الهوية، وثورة تعيد توظيف الأفكار المناسبة داخل مشروعها كلما تجدّدت الأزمات. 

والأعمق من ذلك كلّه، والأكثر إثارة للتأمّل، أنّ السيد علي خامنئي، ومعه كبير مستشاريه وممثّله في ملف الأمن القومي قبل أن يتولّى الأمانة العامّة، علي لاريجاني، لم يكتفيا بصياغة هذا النموذج نظرياً، بل نجحا في ترسيخه وتحويله إلى بنية دولة قائمة بذاتها.

 التوازن الذهني بينهما تحوّل إلى مؤسسات، وآليات قرار، وأنماط سلوك سياسي تعيد إنتاج هذا التوازن يومياً من دون الحاجة إلى إعادة تعريفه في كلّ مرة. هنا تحديداً تكمن فرادة التجربة، حين تتحوّل الفكرة إلى نظام، والرؤية إلى ممارسة، والتكامل بين المبدأ وآليات العمل إلى "طبيعة دولة" لا مجرّد خيار سياسي. وفي هذه اللحظة، يصبح السؤال كيف نجحا في جعل هذا النمط من الحكم قادراً على الاستمرار حتى في غيابهما، كأنّهما لم يبنيا سلطة فحسب، بل أسّسا منطقاً يحكمها باستمرار.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.