"American Conservative": الحرب على إيران دمرت رئاسة ترامب

قد يبدو من المستهجن البحث عن جوانب إيجابية وسط هذه الحرب الحمقاء والمميتة، ولكن ثمة جانب إيجابي واحد: لم يعد الأميركيون يصدقون الروايات المروّجة لهذه الحرب.

0:00
  • "American Conservative": الحرب على إيران دمرت رئاسة ترامب

مجلة "The American Conservative" تنشر مقالاً يتناول الأثر السياسي والاقتصادي للحرب على إيران في شعبية الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفي حظوظ الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

لا أحد يمكنه أن يزعم أن الحرب على إيران كانت هبة سياسية للرئيس دونالد ترامب وللحزب الجمهوري. لكن بعض المحافظين الأميركيين الذين يضعون مصلحة "إسرائيل" أولاً يصرّون، في الآونة الأخيرة، على القول إن الحرب على إيران لم تكن بلاءً سياسياً. ومع أن التفاصيل قد تنطوي على بعض التعقيد، فإن هؤلاء الذين يضعون مصلحة "إسرائيل أولاً" يخطئون بلا جدال. فالمحصلة النهائية أظهرت أن الحرب على إيران أضرّت بشعبية ترامب، واستنزفت رئاسته، وأضعفت فرص الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي المقبلة.

ومن بين أبرز المدافعين عن الرأي القائل إن ترامب لم يتضرر كثيراً من الحرب على إيران، بن شابيرو من صحيفة "ديلي واير". لكن تحليله السياسي ليس محايداً، لأنه كان من أشد المؤيدين للحرب. وقد وعد، كما اتضح لاحقاً على نحو كاذب، بأن إيران لن تستطيع إغلاق مضيق هرمز، وهو الممر الحيوي لتجارة الطاقة العالمية. لكن يبدو أن شابيرو، في هذه الأيام، يعترف ضمنياً بأن الحرب لا تحظى بشعبية كبيرة، بينما يحاول المجادلة بأن هذه الحقيقة لا علاقة لها بتراجع معدلات تأييد الرئيس.

ينبغي أن نشكر شابيرو، لأنه صاغ حجته الجديدة بطريقة تساعدنا على كشف تلك التفاصيل الخبيثة التي تجعل الحرب الإيرانية قصة لا تبدو، للوهلة الأولى، واضحة تماماً بوصفها كارثة سياسية. فهو يحاول الدفاع عن ترامب بالقول إن سبب تراجع شعبيته هو غلاء المعيشة، لا الحرب على إيران. لكن هذه الحجة تنهار من داخلها، لأن الغلاء الذي يتحدث عنه ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة مباشرة للحرب التي ارتفعت أسعار الوقود بسببها، والأميركيون عادة ما يحاسبون الرؤساء على أسعار البنزين.

وحين يقول شابيرو إن المشكلة اقتصادية وليست سياسية، فهو يتجاهل أن الاقتصاد تضرر بسبب السياسة، وأنه لا يمكن فصل الغلاء عن الحرب التي أشعلت الأسواق. وهنا تظهر تلك التفاصيل الخبيثة: فمحاولة إنقاذ ترامب من تبعات الحرب تتطلب نقل اللوم إلى الاقتصاد، لكن بن شابيرو يعترف ضمناً بأن الحرب كارثة، فيما يرفض تسمية المسؤول عنها. وهذا يشبه، إلى حد ما، أن أقول إن زوجتي ليست غاضبة مني بسبب الشرب، بل لأنني حطمت السيارة وأنا مخمور.

لقد رفعت الحرب على إيران أسعار الوقود، وهذه ليست مسألة خفية، بل واقع واضح في كل شارع رئيسي في البلاد، وهو أمر سيئ لترامب. فعشية الحرب، كان سعر البنزين العادي 2.98 دولاراً للغالون، أما اليوم فأصبح 4.48 دولارات. والأميركيون يكرهون ارتفاع أسعار البنزين، ويميلون إلى معاقبة الرؤساء بسببه، حتى لو لم يكن الرئيس مسؤولاً عنه بصورة مباشرة. فالأمور ليست ملتبسة: معظم الأميركيين يعرفون أن النفط يأتي من الشرق الأوسط، وأن ترامب شن حرباً كبيرة في المنطقة، وأن أسعار الوقود ارتفعت بعدها مباشرة. وحتى لو لم يفهم الأميركيون الصلة بين الحرب وارتفاع الأسعار، فإن ارتفاع الأسعار كان سيضر ترامب سياسياً على أي حال.

وانعكس ارتفاع أسعار الوقود بسبب الحرب على تكاليف المعيشة عموماً، وعلى السلع الاستهلاكية التي يتطلب نقلها استخدام شاحنات مقطورة تعمل بالديزل، الذي حطمت أسعاره الأرقام القياسية. فهي تبلغ الآن نحو 6.50 دولارات للغالون، بعدما كانت 3.76 دولارات قبل الحرب. فلا عجب أن سائقي الشاحنات غاضبون، فيما سرت أنباء عن التحضير لإضراب وشيك.

وليس مفاجئاً أيضاً أن الحرب على إيران أسهمت في تصاعد التضخم العام في أميركا. وأي شخص يقرأ التقارير الاقتصادية الرسمية يعلم أن الحرب مسؤولة عن أكثر من ثلث الزيادة الأخيرة في التضخم. وقبل الحرب، كان التضخم يتجه نحو الانخفاض، ولم يكن يفصله سوى بضع نقاط عن هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%. ويرجح أنه لو لم يشن ترامب حربه الغبية في الشرق الأوسط، لكان قد نال الثناء على ترؤسه انخفاض التضخم، ولكان الاحتياطي الفيدرالي قد خفّض أسعار الفائدة، ما كان سيعزز النمو الاقتصادي. وبدلاً من ذلك، بلغ التضخم الآن 3.4%.

وكملاحظة جانبية، سافرت في نهاية هذا الأسبوع إلى إسطنبول، حيث اشتكى لي عدد من الشرق أوسطيين من جنسيات مختلفة من أن الأميركيين يعارضون الحرب فقط بسبب أسعار الوقود، لكن هذا ببساطة غير صحيح. فقد كانت الحرب غير شعبية منذ اليوم الأول، عندما كان كل ما يعرفه الأميركيون هو أن الضربات الأميركية- الإسرائيلية اغتالت قادة إيرانيين، بينهم المرشد الأعلى السيد علي خامنئي.

وكان بن شابيرو قد ألمح إلى أن انخفاض نسبة تأييد ترامب يعود إلى رفع التعريفات الجمركية أكثر مما يعود إلى حربه ضد إيران. لكن البيانات لا تدعم ذلك. فقد أشار المعلق المحافظ والمحلل الانتخابي رايان غيردوسكي، على منصة إكس، رداً على بيانات استطلاع جديدة، إلى أن "الجزء الأكثر إثارة للدهشة في هذا الاستطلاع هو أن نسبة تأييد ترامب وقوة الاقتصاد ارتفعت مباشرة بعد يوم التحرير، ثم تراجعت قليلاً، وبعد ذلك انحدرت مع بداية الحرب مع إيران".

وقد ساعد شابيرو، من دون قصد، في كشف طريقة أخرى أكثر دقة أضرت بها حرب إيران بصورة غير مباشرة بمعدلات تأييد ترامب، وبالتالي بالحزب الجمهوري. فقد ظهر شابيرو مؤخراً على قناة "فوكس نيوز" متعاطفاً مع المذيع مارك ليفين، وهو أيضاً من أنصار "إسرائيل أولاً" ومحرض على الحروب، وقال: "على كل أولئك المحافظين المعادين للحرب أن يتوقفوا عن إلقاء اللوم في كل شيء على الحرب على إيران". في المقابل، زعم ليفين أن "إيران تمثل قضية لنحو 4% من الأميركيين"، ووافقه بن شابيرو تماماً، فيما تغاضيا عن استطلاع "فوكس نيوز" نفسها، الذي أشار إلى أن 34% من الأميركيين يحمّلون سياسات ترامب مسؤولية ارتفاع الأسعار.

ومع ذلك، فإن المشكلة الأكثر خفاء، وربما الأكثر كشفاً، هي أن الأميركيين يعتقدون ببساطة أن ترامب يركز أكثر من اللازم على السياسة الخارجية، على حساب المشكلة التي تهمهم فعلاً، والتي فاقمتها في الواقع حربه على إيران. وهذه كارثة علاقات عامة لإدارة ترامب والحزب الجمهوري. فأكثرية الأميركيين لا يعطون أولوية للحرب التي هيمنت على عناوين الصحف وشغلت البيت الأبيض، حتى حين يزعم ترامب أنه منع إيران من إطلاق نهاية العالم النووية.

قد يبدو من المستهجن البحث عن جوانب إيجابية وسط هذه الحرب الحمقاء والمميتة، لكنْ ثمة جانب إيجابي واحد:لم يعد الأميركيون يصدّقون الروايات المروّجة لهذه الحرب. ومع ذلك، فمن المؤكد أن هذا الأمر لا يصب في مصلحة المرشحين الجمهوريين في انتخابات هذا العام، مهما حاولوا النأي بأنفسهم عن هذه الحرب.

نقله إلى العربية: حسين قطايا.