"فلاي دبي"؛ طائرة إماراتية واحدة وأربعة عصافير "إسرائيلية"...!
رَكِب نتنياهو، موجة فزّاعة التهديدات الأمنية الخارجية وسعى إلى استغلالها كمادة انتخابية إلى أقصى الحدود، في إطار سعيه إلى فرض جدول إعمال الانتخابات عبر إبقاء الأمن والتهديدات الخارجية في صدارة النقاش.
-
أوّل ثمار هذه الحادثة هو صرف الأنظار عن قضية مسؤولية نتنياهو عن أحداث السابع من أكتوبر.
حتى لحظة كتابة هذه السطور، لم يصدر من الطرفين السعودي والإماراتي ما يؤكّد الرواية التي نسجتها "إسرائيل"، استناداً لشهادات ركاب الطائرة الإسرائيليين، حول اعتداءٍ "إرهابي" من قبل نائب قائد الطائرة، الذي أراد "الاستيلاء على الطائرة وتحطيمها بمن فيها".
ورغم العيوب الكثيرة التي تعتري رواية "الاعتداء الإرهابي"، إلّا أنّ "إسرائيل" تعاملت معها بافتراض أنها قطعية الثبوت، ونسبت الحادثة، مؤقتاً، إلى فعلٍ فردي أو ما سمّته "الذئب المنفرد"، رغم أنها تتلهف للحصول على قرينة، وربما فبركة قرينة، تربط الحادثة بإيران أو أحد الأطراف المحسوبة عليها.
ومع أنّ نتنياهو قال لـ"فوكس نيوز" إنه من المُبكر تحديد ما إذا كانت إيران متورّطة في محاولة تنفيذ الهجوم على متن الطائرة، إلّا أنه أكّد أنه سيتابع التحقيق، وربما "تُشارك إسرائيل فيه أيضاً" حيث تضغط على السعودية للسماح بالوصول إلى "خاطف" الطائرة والتحقيق معه، لكنّ رفض الأخيرة دفع نتنياهو إلى الاتصال بترامب يوم أمس لتنسيق المزيد من التعاون في التحقيق والضغط على السعودية.
حتى اللحظة، بالنسبة لنتنياهو فإنّ هذه الرواية، على علّاتها وثغراتها، حقّقت له مكاسب سياسية سريعة سرعان ما بدت ملامحها في نشوة ظهوره الاستعراضي مع بعض رُكّاب الطائرة، وخطابه الذي تلى الحادثة، وحديثه مع كلّ من الرئيسين، دونالد ترامب ومحمد بن زايد حول حادثة الطائرة.
كان أوّل ثمار هذه الحادثة هو صرف أنظار المجتمع الإسرائيلي عن قضية مسؤولية نتنياهو عن أحداث السابع من أكتوبر، خاصة مع تواتر الأنباء والمصادر التي تؤكّد أنه جرى تحذيره قبل وقوع الأحداث، لكنه لم يمنع وقوعها، ثمّ أنكر تحذيره المُسبق من أيّ مصدر كان. بعد حادثة الطائرة، لم تعد هذه القضية تتصدّر سلّم النقاش الداخلي الإسرائيلي واستطاع نتنياهو، بقدرة قادر، أن يحرف النقاش الداخلي عن هذه القصة ويستبدله بنقاش حادثة الطائرة وفزّاعة التهديدات الأمنية الخارجية التي تتربّص بالمجتمع الإسرائيلي.
أما المنفعة الثانية التي عادت على نتنياهو من حادثة الطائرة فهي تأكيد "مصداقيّته" وصدقيّة تحذيراته حول وجود تهديدات حقيقية لـ "إسرائيل"، كان نبّه منها، وبمحض صدفة عجيبة!، قبل يوم واحدٍ فقط من حادثة الطائرة. وهو ما أكّده الهجوم الحادّ من ماكينة الدعاية الإعلامية اليمينية وأبواق نتنياهو، على أقطاب المعارضة، وعلى رأسهم لابيد، الذين قلّلوا من شأن تحذيرات نتنياهو واعتبروها "متاجرة رخصية بدماء وأمن الإسرائيليين لحساب اعتبارات دعائية انتخابية".
فقد نُقل عن وزير حرب الاحتلال كاتس قوله: "الحادث الخطير على متن طائرة فلاي دبي كان محاولة لتنفيذ هجوم جهادي، وعندما يُطلق رئيس الوزراء وأنا تحذيرات وإنذارات أمنية تستند إلى معلومات استخباراتية، فمن الأفضل للجميع، سواء أعداؤنا في الخارج أم المسؤولون السابقون غير المُطلعين في الداخل، أن يستمعوا إليها ويتعاملوا معها بجدّية".
كما نُقل عن الصحافي "عميت سيغال" المقرّب من نتنياهو تعليقه على الحادث بالقول: "إذاً يتضح أنّ هناك بالفعل محاولاتٍ للمساس بإسرائيل قُبيل الانتخابات". ولم يكتفِ سيغال بذلك، بل عَنون مقالاً لاحقاً نشره "بالتحذير الذي سبق محاولة الهجوم والعمى الاستخباراتي الكامل الذي كاد ينتهي بكارثة"، وأشار فيه إلى الخلافات الحادّة التي دارت خلال الأسابيع الأخيرة، بين جهاز الشاباك برئاسة دافيد زيني وشركات الطيران الإسرائيلية بشأن القيود التي فرضها الجهاز على الرحلات إلى الإمارات".
وبحسب سيغال، رأى الشاباك، المسؤول عن تأمين الرحلات الإسرائيلية من "إسرائيل" وإليها، أنّ الترتيبات الأمنية في مطارات الإمارات لم تكن كافية، وأوضح أنّ هذه التحذيرات قد تكون مرتبطة بالحادث الحالي رغم أنّ الرحلة تابعة لشركة أجنبية، معتبراً أنّ ترتيبات أمنية إضافية للرحلات المتجهة إلى إسرائيل كان من الممكن أن تُساعد في إحباط الهجوم".
رَكِب نتنياهو، موجة فزّاعة التهديدات الأمنية الخارجية وسعى إلى استغلالها كمادة انتخابية إلى أقصى الحدود، في إطار سعيه إلى فرض جدول إعمال الانتخابات عبر إبقاء الأمن والتهديدات الخارجية في صدارة النقاش، بخلاف ما تريده المعارضة التي تُركّز على تجنيد الحريديم والمسؤولية عن الإخفاقات الداخلية.
أراد نتنياهو أن يُظهر، بعد هذه الحادثة، أنّ استجابته الأمنية لأيّ حدث عادي هي استجابة سريعة جداً، وأنّ شُغله الشاغل هو أمن الإسرائيليين. هذا التضخيم لحادثة الطائرة يؤكّد أنّ نتنياهو معنيّ بلفت الانتباه إلى أنه تعامل مع كلّ معلومة أمنية وردته بحساسية عالية في فترة الانتخابات والأعياد اليهودية ذات الحساسية الأمنية الشديدة.
أما على صعيد الخارج، فقد حاول نتنياهو استغلال حادثة الطائرة لإحداث اختراق مبدئي في ملف التطبيع مع السعودية من خلال السماح بوصول طائرات إنقاذ إسرائيلية لإجلاء المسافرين، وربما في الحدّ الأدنى تطبيع أمني بوجود إسرائيلي مباشر وغير مباشر في المطارات والطائرات العربية كافة.
فقد كشف الصحافي الإسرائيلي "عميحاي شتاين" أنّ مسؤولين سياسيين وأمنيين في "إسرائيل" كانوا واثقين من أنّ السعودية ستسمح بوصول رحلة إنقاذ مدنية إسرائيلية لإجلاء الركاب الإسرائيليين بعد هبوط طائرة "فلاي دبي" في أراضيها، لكنّ الجانب الإسرائيلي فوجئ في النهاية برفض سعودي. وبحسب التقرير، قدّمت شركة "إل عال" الإسرائيلية للطيران مقترحاً لإرسال طائرة، كما طُرح خيار استخدام طائرة تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي.
وفي مرحلة معيّنة نوقشت حتى إمكانية إرسال طائرة من دون علامات أو شعارات إسرائيلية، إلّا أنّ السعودية رفضت جميع هذه الخيارات، وفي النهاية أُعيد الإسرائيليون على متن رحلة أخرى تابعة لـ"فلاي دبي". ونقل شتاين عن مصدر مقرّب من البلاط الملكي السعودي قوله "على إسرائيل أن تفهم أنه لا يمكن فرض التطبيع كأمر واقع" مشيراً إلى أنّ الرفض السعودي شكّل "مفاجأة كبيرة" لدى مسؤولين إسرائيليين كانوا يتوقّعون موافقة الرياض في ضوء الظروف الاستثنائية.
أما العصفور الرابع الذي يصطاده نتنياهو بحجر حادثة الطائرة، فهو ما رشح من حديثه مع رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، وما نُقل عن اتفاقهما على العمل على ترتيب مسألة الإجراءات الأمنية في المطارات لتأمين حركة الطيران بين البلدين، عقب حادثة الطائرة. فقد زعمت القناة الـ12 العبرية أنّ الامارات وافقت عقب التهديد الإسرائيلي بإلغاء رحلات شركة "فلاي دبي" إلى "إسرائيل"، على المطالب الأمنية الإسرائيلية وعلى تركيب معدّات فحص إضافية.
وقد تمثّلت الاستجابة الإماراتية، وفق القناة، في موافقة شركة "فلاي دبي" على إرسال تفاصيل عن هويّتَي الطيّارَين الجديدَين للطائرة البدلية، إلى جهازي "الموساد" و"الشاباك" للبحث والتحرّي الأمني، لتُصادق المخابرات الإسرائيلية بعدها وتُقلع الطائرة نحو "تل أبيب"، بعد أن رفض الركّاب الإسرائيلييون الصعود إلى الطائرة البديلة إلّا بعد التأكّد من شخصية الطيّارين البديلين.
كما أنّ الطرفين اتفقا على "تطويق التأثير الأمني للحادثة عبر التعاون المباشر في مواجهة أيّ عناصر متطرّفة تسعى لتقويض الأمن واستقرار الملاحة الجوية في المنطقة"، وهو ما يفتح الباب على تدخّل إسرائيلي أمني استخباري أوسع في منطقة الخليج. والأرجح أنّ التوظيف الإسرائيلي لحادثة الطائرة، لن يقف عند حدود الترتيبات الأمنية، فهل تستجيب الإمارات، تحت الضغط الإسرائيلي، لرغبات نتنياهو بإصدار نفي رسمي إماراتي بإشعار نتيناهو مسبقاً حول أحداث السابع من أكتوبر، وهو ما سعى نتنياهو لتحقيقه، ولم يفلح، في لقائه الأخير مع محمد بن زايد في أبو ظبي قبل أيام قليلة من حادثة الطائرة...!