"فورين أفيرز": لماذا تُصعّد إيران؟
ما هي استراتيجية طهران لإخراج أميركا من الشرق الأوسط؟
-
صورة للشهيد السيد علي خامنئي ونجله السيد مجتبى.
مجلة "فورين أفيرز" الأميركية تنشر مقالاً يتناول استراتيجية إيران في المرحلة المقبلة من المواجهة مع الولايات المتحدة و"إسرائيل"، ويرى أن طهران تتجه إلى التصعيد والهجوم المستمر بدلاً من الاكتفاء بالصمود أو السعي إلى تسوية سريعة.
ويركّز المقال على أن القيادة الإيرانية باتت تنظر إلى الحرب بوصفها صراعاً وجودياً، وأنها فقدت ثقتها بإمكان التوصل إلى تعايش مستقر مع واشنطن. ومن هذا المنطلق، تسعى إلى جعل الوجود الأميركي في الشرق الأوسط مكلفاً إلى درجة تدفع الولايات المتحدة إلى تقليص قواتها والانسحاب من المنطقة.
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
قد تبدو هذه، للوهلة الأولى، أياماً جيدة للجمهورية الإسلامية الإيرانية. فبعد سنوات من العزلة الدبلوماسية، والخنق الاقتصادي، والهجمات العسكرية، وجدت الحكومة الإيرانية نفسها وجهاً لوجه أمام أسوأ سيناريو كانت تخشاه: حرب شاملة مع "إسرائيل" وواشنطن، ومع ذلك نجت منها.
بدأت الولايات المتحدة قصف إيران في 28 شباط/فبراير، بهدف تدمير البرنامج النووي الإيراني، وبرنامجها الصاروخي، بل وحتى حكومتها، لكنها أخفقت بصورة لافتة في تحقيق أي من هذه الأهداف. وفي الواقع، قد تكون طهران اليوم أقوى مما كانت عليه عند بداية الحرب. فقد نجحت في السيطرة على مضيق هرمز وإغلاقه، ما دفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع بشدة. كما أثبتت قواتها المسلحة قدرتها على مواصلة إلحاق الأضرار بالقواعد العسكرية الأميركية رغم تعرضها لقصف مكثف. أما الدعم الأميركي للحرب، الذي كان ضعيفاً منذ البداية، فقد تراجع، فيما تصاعد الغضب الدولي تجاه واشنطن. لذلك، ليس من المستغرب أن يعتقد كثير من المحللين أن طهران ستواصل نهجها الحالي خلال العام المقبل.
لا شك في أن المسؤولين الإيرانيين يشعرون بالفخر إزاء أداء بلادهم في مواجهة "إسرائيل" والولايات المتحدة. وقد تباهوا علناً بنجاحهم، بل أعلنوا النصر. لكن، في المحادثات الخاصة، لا تزال نخب الحكومة شديدة القلق. فهي تدرك أن لدى الولايات المتحدة كثيراً من الأدوات والتكتيكات التي يمكن استخدامها لزيادة الضغط على إيران، كما تخشى أن العوامل التي تبدو اليوم وكأنها تكبح واشنطن، مثل تناقص مخزونات الذخيرة، والرأي العام الداخلي، والمعارضة الدولية، قد تزول أو تصبح قابلة للإدارة أو تفقد أهميتها بالنسبة إلى المسؤولين الأميركيين.
وقد يبدو ذلك خبراً جيداً بالنسبة إلى الولايات المتحدة. فإذا كانت طهران لا تزال تخشى واشنطن، فربما تستطيع الحكومة الأميركية الضغط على القادة الإيرانيين لتقديم تنازلات. لكن هذه القراءة تسيء فهم المزاج السائد في العاصمة الإيرانية. فقد زادت الحرب نخب البلاد تشدداً، بعدما قُتل خلالها أصدقاء وأفراد من عائلاتهم. وهم ينظرون إلى 28 شباط/فبراير 2026 باعتباره اللحظة التي أثبت فيها العدو استعداده لقتلهم، وبالتالي دليلاً على ضرورة هزيمته بصورة دائمة. ولم يكن لديهم في الأصل قدر كبير من الثقة بالمفاوضين الأميركيين؛ أما الآن، فلم يعد لديهم تقريباً أي ثقة بهم.
لذلك، تتبنى إيران استراتيجية تجاه الولايات المتحدة تقوم على التصعيد والهجوم المستمر. وهذا يعني أنها لن تكتفي بمواصلة المسار الحالي، ولن تتجه إلى تقديم تنازلات لواشنطن. بل ستبدأ بفعل المزيد للإضرار باقتصادات شركاء الولايات المتحدة الإقليميين، وإلحاق دمار أكبر بأسواق الطاقة العالمية، فضلاً عن توسيع هجماتها على البنية التحتية العسكرية الأميركية. وقد تحاول اغتيال مسؤولين أميركيين وإسرائيليين. وربما تشن حتى هجمات برية ضد دول مجاورة، بما في ذلك محاولة الاستيلاء على قواعد أميركية موجودة في دول الخليج العربية.
قد لا تنجح هذه المقاربة في دفع الولايات المتحدة إلى التراجع. لكن حتى إذا عجز الطرفان في الوقت الراهن عن التغلب أحدهما على الآخر وقبلا بتسوية، فمن غير المرجح أن يدوم السلام. فطهران تعتقد أن واشنطن ستعيد ترتيب صفوفها، وستعود في نهاية المطاف إلى القتال. والحكومة ملتزمة بالرد بقوة على أي استفزاز أميركي، وربما حتى بالهجوم من دون استفزاز مسبق. وهي لا تعتقد أنها تستطيع التعايش مع الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، ولذلك فهي مستعدة للذهاب إلى أقصى الحدود لإخراج الولايات المتحدة منه.
وبعبارة أخرى، سيظل هدف إيران الدائم هو جعل البقاء في المنطقة مؤلماً إلى درجة لا يبقى أمام واشنطن معها خيار سوى سحب معظم قواتها، والقبول بسيطرة طهران على مضيق هرمز، والاعتراف بالجمهورية الإسلامية قوة دائمة.
الخوف والكراهية
عندما بدأت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، كان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي في اجتماع داخل مجمع المرشد الأعلى علي خامنئي. وكان عراقتشي قد أمضى الأشهر السابقة في التفاوض مع الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي الإيراني، لكن واشنطن كانت قد نقلت، خلال الأسابيع التي سبقت الحرب، كثيراً من أصولها العسكرية إلى مناطق أقرب إلى الخليج الفارسي، وطالبت إيران بالتخلي عن جميع أنشطة تخصيب اليورانيوم. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يلمّح علناً إلى أنه قد يسعى إلى إطاحة الجمهورية الإسلامية. وبينما كان عراقتشي يطلع كبار المسؤولين على هذه التطورات وعلى الاحتمال المتزايد لنشوب صراع، بدأ سقوط القنابل.
استُهدف مجمع خامنئي في الضربات الأولى، التي قتلت عدداً كبيراً من كبار المسؤولين، بمن فيهم المرشد الأعلى نفسه. لكن عراقتشي نجا. وخرج من تحت الأنقاض مذهولاً ومغطى بالغبار والحطام. ووفق رواية أدلى بها لبودكاست إيراني، ركض إلى الشارع، وأوقف سيارة مارة، وطلب من سائقها نقله إلى وزارة الخارجية. ومن هناك، حاول التواصل مع أي من القادة العسكريين الذين استطاع الوصول إليهم، وبدأ بالاتصال بقادة أجانب. وسرعان ما انضم إليه مسؤولون آخرون نجوا من الهجمات.
كانت الجمهورية الإسلامية تتوقع منذ فترة طويلة احتمال مقتل خامنئي ونوابه، ولذلك كانت مستعدة جيداً للتعامل مع تداعيات الهجمات. فقد أمضت الحكومة الجزء الأكبر من عام كامل في تطبيق اللامركزية على بيروقراطيتها السياسية والعسكرية، بحيث يستطيع حكام المحافظات والقادة العسكريون العمل من دون تعليمات من كبار القادة. كما كان على كبار المسؤولين تعيين شخصين على الأقل لخلافتهم في حال لم ينجوا.
ومع ذلك، كانت التجربة صادمة للحكومة. فلم يعد بإمكان قادة إيران البقاء في مكان واحد، واضطروا بدلاً من ذلك إلى قضاء ساعات في السيارات وعلى الدراجات النارية متنقلين بين الملاجئ. كما اضطروا إلى التعامل مع فقدان زملاء وأصدقاء، وأحياناً أفراد من عائلاتهم. وفقد المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، زوجته وشقيقته وابنة أخته في الهجمات، إضافة إلى والده. ويقول مسؤولون في الاستخبارات الأميركية إنه أُصيب هو أيضاً.
كانت هذه الصدمات، في حد ذاتها، كافية لجعل الحكومة الإيرانية أكثر عداءً تجاه "إسرائيل" وواشنطن مما كانت عليه سابقاً. لكن نخب الحكومة ازدادت غضباً أيضاً بسبب الهجمات الأميركية على البنية التحتية المدنية في إيران، بما في ذلك منشآت الطاقة وشبكات النقل.
وقد خلصت إلى أنّ "إسرائيل" والولايات المتحدة لا تخوضان صراعاً محدوداً يستهدف تدمير الأشخاص والمؤسسات التي حكمت الجمهورية الإسلامية منذ فترة طويلة، بل تخوضان حرباً تستهدف تدمير البلاد نفسها. وبناءً على ذلك، تبنت الحكومة موقفاً جديداً أكثر حزماً.
فقد رقّى مجتبى قادة عسكريين متشددين ليحلوا محل زملائهم الذين قُتلوا، وأصدر إليهم تعليمات بالاستعداد لـ"عمليات هجومية ضد العدو". وأصبح محسن رضائي، الذي تولى قيادة حرس الثورة الإسلامية خلال الحرب الإيرانية - العراقية، أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وأعلن أنّ إيران ستستهدف الأصول الاقتصادية الأميركية وشركات النفط، إلى جانب المنشآت العسكرية.
كما بدأت البلاد بمهاجمة شركاء واشنطن الإقليميين بشكل علني. وقبل 28 شباط/فبراير، كانت طهران تستخدم قوتها العسكرية في أنحاء الشرق الأوسط، لكن بصورة أساسية عبر شبكة حلفائها من الجهات غير الحكومية. وأخيراً، بدأت الحكومة بتنفيذ هجمات استباقية. ففي تموز/يوليو مثلاً، ضربت قواعد في الأردن يستخدمها الجيش الأميركي، بحجة أنها كانت نقاط انطلاق لهجمات داخل إيران. وأسفرت تلك الضربات عن مقتل ثلاثة جنود أميركيين.
لا تهدف المقاربة الجديدة للحكومة فقط إلى ردع واشنطن نفسياً، بل صُممت أيضاً لإضعاف البنية التحتية العسكرية والاستخبارية الأميركية في الشرق الأوسط بصورة منهجية.
ومن هذا المنطلق، تطوّر إيران خطّتها التي تقوم على تنفيذ هجمات محدودة ومتكررة بهدف إضعاف قدرات الخصم بين جولات الصراع الكبرى. ومن خلال ذلك، تأمل طهران أن تجعل الولايات المتحدة أقل قدرة على حماية حلفائها وقواتها من الضربات الإيرانية المستقبلية، وبالتالي أقل ميلاً إلى البقاء في المنطقة.
استغلال الأفضلية
يشعر القادة الإيرانيون بالرضا عن نتائج أساليبهم. فهم يعتقدون أن التصعيد السريع والواسع في مختلف أنحاء المنطقة أجبر "إسرائيل" والولايات المتحدة على الحد من ضرباتهما ضد البنية التحتية المدنية الإيرانية، وأسهم في تهدئة الحرب.
لكن النخب الإيرانية لا تعتقد أن طهران انتصرت بالكامل. فالمسؤولون الأميركيون والإسرائيليون أمضوا عقوداً وهم يتوقعون قرب سقوط الجمهورية الإسلامية، وحتى بعد أدائها العسكري القوي على نحو غير متوقع، يواصلون تصويرها على أنها ضعيفة.
ففي أيلول/سبتمبر، على سبيل المثال، قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن البلاد دخلت في "دوامة موت". وبالنسبة إلى الحكومة الإيرانية، فإن هذه الفجوة في التصورات خطيرة. إذ يعتقد المسؤولون الإيرانيون أنه إذا ظنت واشنطن أن الحكومة على بُعد عقوبة واحدة، أو هجوم واحد، أو احتجاج واحد من الانهيار، فإنها لن تتوقف عن ممارسة الضغط الاقتصادي والعسكري.
وقبل وفاته، حذّر خامنئي الأب، سراً وعلناً، من أن واشنطن لن تترك إيران وشأنها إلى أن تصبح القوة العسكرية الإيرانية أمراً لا يستطيع المسؤولون الأميركيون إنكاره. وفي آب/أغسطس الماضي، أصدر مجتبى توجيهات إلى الجيش الإيراني لتحقيق ما وصفه بـ"الردع الأقصى" في مواجهة الولايات المتحدة.
في الماضي، كان بعض القادة الإيرانيين يعتقدون أن بإمكانهم التفاوض على تعايش سلمي مع الولايات المتحدة. أما الآن، فلم يعد أحد تقريباً داخل الحكومة يعتقد أن ذلك ممكن. وبدلاً من ذلك، خلصت طهران إلى أن الولايات المتحدة لن تكون شريكاً حسن النية أبداً.
فسجل واشنطن، من وجهة نظر إيران، قائم على الخيانة. فقد انسحبت من الاتفاق النووي لعام 2015 بعد ثلاث سنوات فقط. وعندما ضربت إيران في حزيران/يونيو 2025 ثم في شباط/فبراير 2026، كان الطرفان في خضم محادثات. ومن وجهة نظر طهران، فإن الولايات المتحدة مسؤولة أيضاً عن انهيار أحدث محاولة سلام بينهما، أي "مذكرة التفاهم" التي وقّعها البلدان في حزيران/يونيو، بعدما حاولت فتح ممر شحن جديد عبر مضيق هرمز.
كما تشعر الحكومة الإيرانية بالقلق من أن موقعها الحالي المواتي لن يستمر إلى الأبد. فمع مرور الوقت، قد يجد الاقتصاد العالمي طرق تصدير بديلة عن المسارات التي تمر عبر الخليج الفارسي، ما يجعل إغلاق المضيق غير فعال. وفي المقابل، قد تصبح واشنطن في موقع أقوى.
ويعتقد القادة الإيرانيون أن ترامب مقيّد حالياً لأنه يريد فوز الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي المقبلة، فيما لا يحظى توسيع الحرب مع إيران بشعبية كبيرة. لكن ما إن تنتهي تلك الانتخابات، فلن يضطر الرئيس إلى القلق بالقدر نفسه بشأن نسب التأييد.
وقد تتمكن طهران من الصمود انتظاراً لفوز ديمقراطي في انتخابات عام 2028، لكنها لا تعتقد أن هذا السيناريو سيفيدها كثيراً أيضاً. فقد وعد الرئيس جو بايدن أثناء حملته بالعودة إلى الاتفاق النووي لعام 2015، لكنه بعد توليه منصبه حاول، من دون نجاح، استخدام عقوبات "الضغط الأقصى" التي فرضها ترامب في ولايته الأولى للحصول على تنازلات.
وقد تشعر الإدارة المقبلة، بالمثل، بأنها عالقة في صراع مع إيران، فتواصل الضغط. بل إن رئيساً أكثر اعتدالاً قد يكون أكثر خطورة على الجمهورية الإسلامية، لأنه قد يصلح علاقات واشنطن الدولية، ويحصل على دعم أكبر من شركائها في آسيا وأوروبا والشرق الأوسط لحملتها ضد إيران.
ولذلك، من غير المرجح أن تكتفي الحكومة الإيرانية بالانتظار. بل ستبدأ بزيادة الضغط على واشنطن الآن. ويمكنها فعل ذلك من خلال مجموعة متنوعة من الوسائل.
فقد تبدأ الحكومة، على سبيل المثال، بخنق صادرات الغاز والنفط من الخليج الفارسي بصورة كاملة. وقد أوقفت طهران بالفعل جزءاً كبيراً من هذه التجارة عبر إغلاق مضيق هرمز، لكن بعض دول الخليج لا تزال قادرة على الوصول مباشرة إلى المحيط الهندي أو عبر البحر الأحمر.
ولخنق هذه الدول، يمكن لإيران أن تهاجم مباشرة منشآت إنتاج النفط والموانئ التابعة لها. كما يمكنها التنسيق مع حلفائها الحوثيين في اليمن لإغلاق البحر الأحمر عبر التهديد بقصف السفن التي تعبره، كما فعلت الجماعة خلال قسم كبير من حرب "إسرائيل" على غزة.
وقد وضع الحوثيون أنفسهم في موقع قوي يسمح لهم بإغلاق هذا الممر المائي مجدداً، بعدما استولوا على مزيد من الأراضي من القوات المدعومة من السعودية في اليمن. ورداً على ذلك، أوقفت الرياض مؤقتاً خط الأنابيب الذي تستخدمه لنقل النفط من الخليج الفارسي إلى البحر الأحمر.
وقد تكثف إيران أيضاً هجماتها على خصومها المباشرين. وقد يعني ذلك إطلاق مزيد من المسيّرات والصواريخ على القواعد العسكرية الأميركية. كما قد يعني تنفيذ مزيد من العمليات السيبرانية ضد البنية التحتية المدنية في الولايات المتحدة، على غرار ما يعتقد مسؤولون أميركيون أن إيران فعلته في تموز/يوليو، حين خرجت أجزاء من البنية التحتية للمياه في مينيسوتا عن الخدمة مؤقتاً.
وإذا تعرضت إيران لهجوم مرة أخرى، فقد تستهدف بصورة أشد البنية التحتية المدنية في منطقة الخليج الفارسي، بما في ذلك ضرب محطات تحلية المياه إلى أن تصبح أجزاء من المنطقة غير صالحة للسكن.
وأخيراً، قد تحاول طهران اغتيال مسؤولين أميركيين وإسرائيليين. وبالنسبة إلى الحكومة، سيكون ذلك إلى حد ما عودة إلى أساليب سابقة. فخلال ثمانينيات القرن الماضي، نفذت الجمهورية الإسلامية وحلفاؤها الشيعة اللبنانيون عمليات قتل مستهدفة متعددة، شملت قتل معارضين إيرانيين في أوروبا ومئات الجنود الأميركيين والفرنسيين في سلسلة تفجيرات.
وكانت قد ابتعدت إلى حد كبير عن مثل هذه العمليات بحلول أواخر تسعينيات القرن الماضي، في سياق سعيها إلى خفض التوترات مع الدول الأخرى، وبعد امتلاكها الصواريخ والمسيّرات كوسائل ردع.
لا هوادة
قد تقرر إيران أنها تستطيع إرساء الردع من خلال أن تفعل بـ"إسرائيل" والولايات المتحدة ما فعله البلدان بها. لكن إذا لم يكن ذلك كافياً، فلن يتردد المسؤولون الإيرانيون في إدخال تكتيكات جديدة.
فقد يعطلون، على سبيل المثال، الاتصالات العالمية. فإلى جانب النفط، يمر عبر مضيق هرمز جزء أساسي من البنية التحتية للاتصالات، بما في ذلك كابلات الإنترنت البحرية التي تربط أوروبا بجنوب آسيا. ويمكن لطهران قطعها من خلال نشر غواصين قتاليين، أو مركبات غير مأهولة تحت الماء، أو سفن سطحية تجر مراسيها على قاع البحر.
وبصورة أكثر دراماتيكية، قد تحاول إيران الاستيلاء على أراضٍ قريبة. فقد أشار محللون إيرانيون إلى أن "إسرائيل" استولت على أراضٍ في قطاع غزة ولبنان وسوريا بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، وبررت ذلك بأنه ضروري لأمنها. ويقول هؤلاء إن على إيران أيضاً أن تحاول إنشاء مناطق أمنية.
ومن المرجح خصوصاً أن تتحرك طهران إذا اعتقدت أن هجوماً برياً أميركياً بات وشيكاً. فبعد أن أثار مسؤولون أميركيون احتمال غزو إيران واحتلال جزيرة خارك، وهي محطة تصدير النفط الرئيسية في البلاد، اقترح بعض المحللين الإيرانيين وأعضاء البرلمان المتشددين غزو البحرين والكويت والسيطرة على القواعد الأميركية القريبة.
ويمكن لطهران أن تصوّر مثل هذه التحركات ليس بوصفها توسعاً إقليمياً، بل إجراءات دفاعية تهدف إلى حرمان خصومها من مواقع عمليات متقدمة.
وقد تطبق طهران المنطق نفسه إلى الشمال. فالعلاقات بين أذربيجان وإيران مضطربة منذ فترة طويلة؛ إذ يرى بعض الأذربيجانيين أن المحافظات الإيرانية ذات الغالبية الأذرية جزء من "أذربيجان الكبرى"، فيما يعتقد بعض الإيرانيين أن ما يُعرف اليوم بجمهورية أذربيجان هو جزء من "إيران الكبرى". وقد ازدادت العلاقات سوءاً في السنوات الأخيرة.
وترتبط أذربيجان و"إسرائيل" بشراكة وثيقة، وقد اتهم كثير من النخب الإيرانية أذربيجان، على نحو يستند إلى أسس ذات صدقية، بالسماح لـ"إسرائيل" باستخدام أراضيها كنقطة انطلاق لعمليات ضد إيران.
وقد نفت أذربيجان هذه الاتهامات، لكنها مورد رئيسي للنفط إلى "إسرائيل"، وقد يكون ذلك كافياً لدفع طهران إلى محاولة الاستيلاء على نخجوان، وهي منطقة أذربيجانية منفصلة جغرافياً تقع على الحدود الإيرانية. وعلى أقل تقدير، قد تهاجم طهران البنية التحتية للطاقة في أذربيجان.
وبالمثل، قد تتوغل إيران في إقليم كردستان العراق، الذي تعتبره أيضاً منطقة انطلاق لخصومها. ففي الأسابيع الأولى من الحرب، طرح مسؤولون أميركيون احتمال تسليح جماعات كردية ودفعها إلى شن هجوم بري.
وإذا اعتقدت طهران أن الولايات المتحدة تريد إقامة ممر بري يمتد من "إسرائيل" نحو إيران، وهو ممر سيمر بالضرورة عبر المناطق الكردية في العراق، فقد تشن هجوماً برياً استباقياً.
وفي مثل هذا السيناريو، يمكنها أن تطلب من الحركات العراقية المدعومة من إيران مهاجمة سوريا، التي ستكون أيضاً جزءاً من مثل هذا الممر. وقد تطلب من هذه الحركات غزو سوريا إذا سهّلت القيادة الجديدة في البلاد حملة عسكرية ضد حزب الله، شريك إيران في لبنان. وقد تطلب من الحوثيين دخول الأراضي السعودية.
وأخيراً، قد تحاول طهران القيام بما يخشاه المسؤولون الأميركيون والإسرائيليون منذ فترة طويلة ويعملون على منعه: صنع قنبلة نووية.
ولا تزال الحكومة الإيرانية تؤكد رسمياً أنها لا تعتزم تصنيع أسلحة نووية، لكن كثيراً من نخب البلاد، بما في ذلك أعضاء في البرلمان، باتوا يجادلون بأن على طهران امتلاكها لإرساء الردع.
وليس واضحاً بعد مدى انتشار هذا الرأي. وإذا اتخذت إيران خطوات نحو تصنيع سلاح نووي، فقد يدفع ذلك "إسرائيل" والولايات المتحدة إلى التصعيد في المقابل. ومع ذلك، إذا خلص القادة الإيرانيون إلى أن لا شيء آخر سيمنع واشنطن من مواصلة الهجمات، فقد يقررون أن التوجه نحو السلاح النووي هو المسار المسؤول.
شهية للتدمير
حتى إذا لم تندفع إيران نحو صنع قنبلة، فقد ترد "إسرائيل" والولايات المتحدة على استفزازاتها بشن هجمات أشد قوة واتساعاً. لكن من دون غزو بري شامل، سيكون بالغ الكلفة، ليس واضحاً إلى أي حد يمكن للإسرائيليين والأميركيين تحقيق المزيد.
فقد أثبتت الحكومة الإيرانية قدرتها على التكيف، وهي تعتقد أنها عالقة في معركة وجودية لا بد من الانتصار فيها. وإذا نفذت "إسرائيل" وواشنطن مزيداً من ضربات قطع الرأس، أو دمّرتا بنى تحتية أساسية، أو دفعتا بقوات برية إلى الميدان، فمن المرجح أن ينتهي بهما الأمر إلى تعزيز تصميم الجمهورية الإسلامية، فيما تصعد الحكومة درجة أخرى على سلم التصعيد. فطهران، في نهاية المطاف، لن تذهب مباشرة إلى الحد الأقصى.
وإذا أدركت واشنطن ذلك، فقد ترد على الاستفزازات الإيرانية الجديدة بمحاولة التوصل إلى وقف لإطلاق النار أو تجميد الصراع بطريقة أخرى. لكن من غير المرجح أن ينجح هذا الخيار على المدى الطويل أيضاً.
فالجمهورية الإسلامية واضحة بشأن ما تريده: إزالة جميع القوات الأميركية من المنطقة، وهي مستعدة للبقاء في حالة حرب إلى أجل غير مسمى من أجل تحقيق ذلك.
وقد تشن هجوماً كبيراً من دون أن تتعرض أولاً لضربة أو تهديد، في وقت تبدو فيه واشنطن غير مستعدة. ولتنفيذ ذلك، قد تقرر إيران وشركاؤها شن غزو بري واسع ومنسق ومتزامن ضد شركاء الولايات المتحدة وقواعدها المختلفة في المنطقة، بالتوازي مع حملة قصف ضخمة، بما في ذلك مهاجمة القوات البحرية الأميركية. وسيكون الهدف إرباك الجيش الأميركي بسرعة وإجباره على التراجع.
لكن سيكون على الحكومة الإيرانية أن تتوخى الحذر قبل شن مثل هذا الهجوم، أو حتى قبل الإقدام على أشكال أقل من التصعيد. ويعمل المسؤولون الإيرانيون على تطوير وسائل للالتفاف على العقوبات وكسر الحصار، لكن استمرار الحرب سيؤدي، على الأرجح، إلى استمرار المعاناة في الداخل.
والجمهورية الإسلامية نظام استبدادي، لكن الأنظمة السلطوية قد تدفع ثمناً إذا بالغت في المواجهة، ولا سيما عندما تكون تعاني من مشكلات قبل ذلك. فعلى سبيل المثال، انهارت الطغمة العسكرية الأرجنتينية التي كانت تعاني أصلاً بعد أن حاولت، وفشلت، في انتزاع جزر فوكلاند من المملكة المتحدة عام 1982.
ويدرك القادة السياسيون والعسكريون في إيران ذلك، وقد شددوا مراراً على أن القرارات العسكرية يجب أن تحظى، على الأقل، بقدر من التأييد الداخلي والعالمي.
وفي مقابلة أُجريت معه في آب/أغسطس، أعلن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، أن بلاده ستمضي وفق مسار منطقي وعقلاني بحيث "يستطيع العالم أن يسير معنا"، ويفهم "شعبنا" أننا "لا نسعى فعلاً إلى الحرب".
لكن قيادة الجمهورية الإسلامية تعتقد أن خطاب إدارة ترامب وأفعالها منحاها دعماً مستداماً. فهي تدّعي، على سبيل المثال، أن حكومات أجنبية تقول للمسؤولين الإيرانيين في أحاديث خاصة إنها معجبة بمقاومة الحكومة للضغوط الأميركية والإسرائيلية.
كما يعتقد القادة الإيرانيون أنهم أقنعوا شعبهم بأن الحرب تستحق كلفتها. فقبل 28 شباط/فبراير، كان كثير من الإيرانيين يشككون في ادعاء الحكومة أن واشنطن تريد "ابتلاع" البلاد بأكملها، على حد تعبير خامنئي الأب، لا مجرد إسقاط الحكومة.
لكن بعدما بدأ ترامب بقصف البنية التحتية المدنية، وادعى السيادة على مضيق هرمز، وأعلن أن حضارة إيران بأكملها "ستموت" إذا رفضت البلاد إعادة فتح الممر المائي، بدت تصريحات الحكومة أكثر استناداً إلى وقائع ملموسة.
الذهاب إلى النهاية
بمعنى ما، سبق لإيران أن وجدت نفسها في وضع مشابه. فبعد تأسيس الجمهورية الإسلامية مباشرة، غزا العراق البلاد، كما تعرضت لعمليات متكررة استهدفت قتل قياداتها على يد جماعات معارضة مسلحة.
وفي عام 1981، على سبيل المثال، أدى تفجير إلى القضاء على جزء كبير من قيادة الحزب الجمهوري الإسلامي الحاكم. وخلص الناجون إلى أن الحكومة، إذا أرادت الاستمرار، يجب ألا تكتفي بالقدرة على الصمود تنظيمياً، بل عليها أيضاً أن ترد بقوة على خصومها كي يتعلموا ألا يتحدوها مرة أخرى.
وباستثناء مجتبى، لا يزال قادة إيران الجدد ينحدرون من نخبة الحقبة الثورية، وهم يتذكرون هذا الدرس جيداً. وقد قرروا أنه، لوقف الضربات الأميركية والإسرائيلية، يجب عليهم مرة أخرى أن يفعلوا كل ما يلزم لإظهار قوتهم، حتى لو تطلب ذلك شن هجمات لسنوات.
ولهذا، تبدو طهران مستعدة تماماً لضرب مجموعة متزايدة من الأهداف إلى أن تتراجع الولايات المتحدة.
وبالطبع، يمثّل التصعيد مقامرة محفوفة بالمخاطر. فإذا تمادت إيران، فقد تستفز بالضبط نوع الرد الأميركي الذي تسعى إلى ردعه، بما في ذلك زيادة كبيرة في عدد القوات الأميركية في الشرق الأوسط وشن غزو بري واسع.
وإذا سئم الإيرانيون الحرب، فقد يخرجون في احتجاجات. لكن الحكومة تعتقد أنها تستطيع تجنب رد فعل داخلي كبير، وبالنسبة إلى مسؤوليها، فإن هذه المخاطر تشكل سبباً إضافياً للتحرك بسرعة.
ويعتقد القادة الإيرانيون أن الولايات المتحدة تترنح، وأن العالم متعاطف مع قضيتهم، وأن مواطنيهم يؤيدونهم. وبعبارة أخرى، يعتقدون أن هذه قد تكون فرصتهم لهزيمة واشنطن أخيراً.
نقلته إلى العربية: بتول دياب.