"كونتر بانش": حرب ترامب تُحيي آفة تجار الحرب القديمة
مجلة "كونتر بانش" الأميركية تنشر مقالاً يسلط الضوء على استغلال النخب السياسية وشركات النفط للحروب (خاصة الحرب على إيران) لتحقيق أرباح خيالية عبر "التربح من الحرب" والمضاربة غير القانونية.
-
"كونتر بانش": حرب ترامب تُحيي آفة تجار الحرب القديمة
مجلة "كونتر بانش" الأميركية تنشر مقالاً يسلط الضوء على استغلال النخب السياسية وشركات النفط للحروب (خاصة الحرب على إيران) لتحقيق أرباح خيالية عبر "التربح من الحرب" والمضاربة غير القانونية.
كما يقارن بين حقبة "ترومان" والواقع الحالي، منتقداً التواطؤ بين إدارة ترامب وكبار الرأسماليين لتثبيت أسعار طاقة مرتفعة على حساب المواطن.
فيما يلي: النص كاملاً منقولاً إلى العربية.
لا شك في أن هاري ترومان لم يكن خيار فرانكلين روزفلت المفضل لمنصب نائب الرئيس في مؤتمر "الحزب الديمقراطي" عام 1944. فلقد كان ترومان وهو سيناتور مغمور من ولاية ميسوري في ولايته الثانية، تم اختياره من بين مجموعة من الديمقراطيين المحافظين والعنصريين الذين دبروا ترشيح نائب الرئيس الأكثر شعبية في البلاد لولاية رئاسية في البيت الأبيض.
ولقد اختاروا ترومان لأنهم، إلى جانب قادة الشركات الداعمين لهم، كانوا يرغبون بشدة في منع روزفلت المريض من تولي نائبه الحالي هنري والاس الميال لليسار، والذي كانوا يعلمون أنه في حال توليه الرئاسة بعد وفاة روزفلت، سيواصل ويوسع سياسات دولة الرفاه التي وضعها روزفلت في عهده.
كما وجدوا في ترومان أنه محافظ متشدد من "الحزب الديمقراطي"، وأيضاً كان سيناتوراً قد بدأ يكتسب شهرة في العامين السابقين من خلال فضح تجار الحروب وتقديم تشريعات لكبح جماحهم.
وفي الوقت الذي كان فيه الجنود والبحارة والطيارون الأميركيون في أوروبا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ يموتون بأعداد كبيرة وهم يقاتلون الفاشية على جبهتين، كان الأميركيون غاضبين من الطريقة التي كان يستغل بها العديد من رأسماليي البلاد كلاً من الجمهور والبنتاغون، مستغلين النقص في زمن الحرب لرفع الأسعار.
ففي الواقع، كان الوضع مشابهاً تماماً للوضع الحالي، إلا أن المحتالين في الحرب هذه الأيام لا يبدو أنهم مجرد قادة الصناعة الذين ينتجون منتجات رديئة للقوات، بل هم السياسيون أنفسهم، الذين يُقال إنهم يستغلون المعلومات الداخلية المبكرة حول حرب الرئيس ترامب الأخيرة المتقطعة على إيران لشراء أو بيع الأسهم والمراهنة بشكل غير قانوني على حركة أسعار النفط.
لكن أسوأ المستفيدين من الحرب، على الأقل في رأيي، من هذه الكارثة التي تسبب بها ترامب في الشرق الأوسط والمتمثلة في الحرب على إيران، هم بلا شك شركات النفط، وخاصة تلك التي تستمد غالبية نفطها الخام من آبارها المحلية أو تشتريه من مصادر أميركية، حيث تتم عملية الاحتيال، حسب ما يقول الاقتصاديون والصحفيون الماليون والسياسيون باستمرار أن النفط سلعة "قابلة للاستبدال"، أي أن قيمته ثابتة تقريباً أينما كان.
ومثل الدولار الأميركي أو سبيكة الذهب، له نفس سعر الشراء سواءً بالعملات الأخرى أو بالذهب، بغض النظر عن مكان تداوله، سواءً في الرياض في السعودية، أو لندن، أو هيوستن، أو تكساس، أو حتى في الصين، حيث يتم شراء كميات كبيرة منه بسعر ثابت، أو في حالة المضاربة على عقود الخيارات الآجلة.
قد تكون الحرب الأميركية الإسرائيلية غير الشرعية على إيران أغبى خطوة اتخذها دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، لكنها في الوقت نفسه صفقة رابحة لشركات الطاقة الأميركية التي تضخ كميات هائلة من النفط الخام من آبارها الخاصة، ما جعل الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم.
فالحرب أيضاً صفقة رابحة لأصحاب النفوذ والفاسدين، والذين يبدو أنهم ينشرون معلومات سرية في البيت الأبيض أو منتجع مارالاغو، والذين يُعلمون هؤلاء الأشخاص بقرارات الرئيس المؤثرة على السوق بشأن الحرب على إيران قبل أن يعلنها ترامب على حسابه الرسمي على مواقع التواصل الاجتماعي.
ولو لم يكن النفط سلعة قابلة للاستبدال والتداول كأسهم الشركات في بورصات السلع المنتشرة حول العالم، لكان من المتوقع أن ينخفض سعره سريعاً في الولايات المتحدة مع هذا الفائض الكبير من النفط.
ففي النهاية، رأينا جميعاً هذا يحدث على نطاق ضيق حين تتنافس عدة محطات وقود عند تقاطع طريق واحد. مع ذلك، ما يحدث الآن مختلف.
فالشركات الأميركية من ضمنها مصافي البترول والموزعين وأصحاب محطات الوقود، يتابعون الأخبار على الأرجح على قناة "فوكس بيزنس" ويرون أن سعر النفط الخام قد ارتفع عالمياً إلى أكثر من 114 دولاراً للبرميل الواحد، أي ما يعادل حوالي 4.20 دولاراً للغالون في محطة الوقود حيث ستجد السعر الجديد معروضاً بأحرف نيون يقول، بنزين عادي 4.20 دولاراً للغالون.
كان الموزع الذي قام بتوصيل الغاز قبل شهرين يدفع نصف المبلغ فقط آنذاك، وحتى لو قام صاحب محطة تعبئة الوقود بالتجزئة الذي يحتاج إلى ملء خزان التخزين تحت الأرض الخاص به، واشتراه من شركته الأم، فإنه ما يزال يدفع سعر السوق العالمي الجديد.
وتجدر الإشارة إلى أن مالك أو مستأجر احتياطيات النفط الجوفية، أو البئر أو مضخة النفط، لا يتحمل تكاليف إنتاج إضافية للاستهلاك، أو العمالة، أو الصيانة، أو أقساط التأمين، أو أي تكاليف أخرى لممارسة الأعمال.
ومع ذلك، فهم يفرضون على عملائهم أسعاراً أعلى بنسبة 70% نظراً لارتفاع أسعار النفط العالمية بفعل المستثمرين وصناديق التحوط والمضاربين، في ظل إغلاق إيران وواشنطن مضيق هرمز أمام حركة ناقلات النفط وتفجير موانئ النفط ومرافق التكرير والتخزين، وفقاً لتحليل نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية.
وقد أشار التقرير، إلى أن الأرباح الطائلة لقطاع النفط والغاز، في حال استمرت الحرب، كما هو مرجح حتى نهاية هذا العام مع بقاء سعر النفط فوق 100 دولار للبرميل، ستتجاوز 234 مليار دولار أي ما يزيد عن ربع تريليون دولار.
ونتيجةً للجمود الحربي الآن، تجني صناعة النفط بأكملها، بما فيها شركات النفط الأميركية الكبرى، أرباحاً طائلة من الحرب الإيرانية، بلغت ضعف ما كانت عليه قبل عام، وفقاً لتقرير الصحيفة.
ولهذا النظام الفاسد تاريخ عريق يُعرف باسم " التربح من الحرب" ، وهو تفشى خلال الحرب الأهلية الأميركية والحربين العالميتين الأولى والثانية، واستمر لعقودٍ منذ ذلك الحين، ودفع بعض الرأسماليين إلى التعرّض لانتقاداتٍ لاذعة من ترومان وغيره من السياسيين في واشنطن استجابةً لغضب الرأي العام.
لكن منذ ذلك الحين وحتى الآن على الأقل، كان موقف الشعب الأميركي بفضل قرنين تقريباً من التلقين والدعاية حول عجائب الرأسمالية و"الأسواق الحرة"، مزيجاً من الإحباط والتذمر والقبول المتردد.
إليكم اختباراً لأنصار ترامب من الغاضبين والعاجزين عن تكاليف البنزين والديزل الأسبوعية لمنازلهم وشاحناتهم الصغيرة وشاحنات النقل الثقيلة المستهلكة للوقود، وطالبوا ترامب بإصدار أمر تنفيذي يقضي بخفض أسعار النفط والغاز إلى أدنى متوسط سعر لها خلال العقد الماضي والحفاظ عليها عند هذا المستوى حتى انتهاء الحرب على إيران من قبل الولايات المتحدة و"إسرائيل"، مع إعادة الأرباح الزائدة إلى الجمهور.
لكن لا يُتوقع الكثير. فترامب يحب قادة صناعة النفط، وجميعهم من كبار الداعمين الماليين له، وهم بدورهم يحبونه لأنه قوض منافسيهم من صناع الطاقة المتجددة المنخفضة التكلفة، وهو يواصل منحهم عقود إيجار جديدة على أراض فيدرالية ومناطق ساحلية كانت محظورةً عليهم سابقاً.