كعكة الوزير بن غفير؛ وثقافة "أكل الموت" الإسرائيلية!
كعكة المشنقة في حفل عيد الميلاد الذي نظمه بن غفير والابتسامة المتغطرسة التي علت وجهه، تُجسّد الأيديولوجية الكامنة وراء خطاب الموت والانتقام، وترمز إلى رغبات قلوبهم المليئة بالسواد.
-
أثارت هذه الاحتفالية وصورة الكعكة جدلاً واسعاً في العالم.
"أحياناً تتحقق الأحلام"، هكذا كتبت زوجة بن غفير على كعكة عيد الميلاد التي أعدّتها له في احتفالية رسمية أقامها قبل يومين لمناسبة بلوغه سن الخمسين، وزينتها بحبل مشنقة، في إشارة إلى قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الذي فاخر بن غفير بالدفع به وتشريعه في "كنيست" الاحتلال.
أثارت هذه الاحتفالية وصورة الكعكة جدلاً واسعاً في العالم وفي المجتمع الإسرائيلي على وجه الخصوص، بين منتقدٍ ومؤيدٍ لهذا السلوك. فقد كتب أحد الإسرائيليين مُعلقاً على صورة الكعكة: "من أكثر العبارات التي أزعجتني في السنوات الأخيرة عبارة "آكل الموت"، ولطالما اعتبرتها عبارة بشعة، لكن بن غفير يبذل قصارى جهده ليثبت أنه يستحق هذا اللقب بجدارة".
أما الاحتفالية برمّتها فقد كانت، وما زالت، محل انتقاد سياسي واجتماعي واسع في المجتمع الإسرائيلي الذي اعتبرها "كوكتيلاً مُتقناً من الفساد والسياسة التافهة والإفلاس الأخلاقي؛ فالجميع يشرب ويرقص في الحفل، بينما تعمّ الفوضى في الخارج؛ أكثر من 100 قتيل ضحايا الجرائم في المجتمع العربي، ناهيك بعنف الشباب المتفشي بصورة واسعة، وانعدام الأمن العام، فيما كبار قادة الشرطة الذين من المفترض أن يلاحقوا المجرمين ويقضوا على الجريمة، فهموا أن التملق والولاء للوزير بن غفير أهم من أداء واجبهم العام وواجب الدولة، فسارعوا إلى حضور الحفل والتقاط الصور مع الوزير".
وبينما ذهب بعض أعضاء الكنيست المعارضين إلى اعتبار الحفل "ببساطة، إنه مزيج سام يغلي من كل سخافات حياة الإسرائيليين في حفلة واحدة"؛ تساءل البعض الآخر عما يمكن أن يفهمه الشباب الإسرائيلي حينما يتصفحون تيك توك ومواقع التواصل الاجتماعي ويشاهدون هذا الوضع المُزري! بالتأكيد، وفق المنتقدين، فإنهم "سيتلقون درساً بائساً في المواطنة؛ مفاده أن الجريمة تُدرّ أرباحاً طائلة، وهي تذكرة مهمة في الطريق إلى الحكومة، وأن الأخلاق للضعفاء، والتملق السام وحده هو ما يُوصلك إلى القمة".
ولم تقتصر الانتقادات على الإشارة إلى خطورة هذا السلوك على الداخل الإسرائيلي والتنبيه من تداعياته، بل ذهب فريق من الإسرائيليين إلى التحذير مما تستجلبه هذه الممارسات الشاذة المتطرفة من تشويه لصورة "إسرائيل" وانتقادات تطالها عالمياً.
فوفق بعض الإسرائيليين "حتى غوبلز، وزير الدعاية النازي زمن هتلر، ما كان ليُحسِنَ صنعاً في تأجيج معاداة السامية وتشويه سمعة دولة إسرائيل كما يفعل بن غفير وزمرته"، مضيفين أنه "لعلَّ من الأجدر إعادة النظر في ممولي حزب بن غفير، الذي يُلحق ضرراً بالغاً بإسرائيل؛ وإذا أردتم معرفة سبب كرههم لنا حول العالم، فهذا مثال حي".
وبصرف النظر عن القلة الإسرائيلية المنتقدة لسلوك بن غفير وفريقه، فإن المجتمع الذي يحتفل بموت الآخرين ويشكل فيه "حبل المشنقة" الزينة الرئيسية على كعكة عيد الوزير المُحتفل بميلاده، في مناسبة من المفترض أنها "نشاط إنساني احتفالي"، هو مجتمع مريض يُقدّس ثقافة العنف والموت ويُعلي شأنها.
وهو كذلك مشهد يعكس انزلاقاً خطيراً في الخطاب الإسرائيلي العام، من خلال توظيف رموز العنف في سياقات احتفالية، بما يسهم في تطبيع القسوة والعنف والعنصرية وتوسيع دائرة التحريض. فالاحتفاء "بموت الآخر" هو تعبير عن تصاعد خطاب العنف والتطرف، وهو انتهاك صارخ للقيم الإنسانية. كما أن توظيف "رموز الموت" (حبل المشنقة) في سياق احتفالي يرسخ خطاباً مجتمعياً متطرفاً شاذاً، لا يكره العربي فحسب، بل يكره اليهودي العلماني والحريدي وكل من ليس على صورته وايديولوجيته.
فالتجربة الإنسانية الممتدة لم تُثبت أن استخدام رموز الموت للاحتفال يعكس قوة سياسية، بل لطالما كشفت عن خواء إنساني وتراجع أخلاقي في الخطاب العام لمن يوظفه. ثم إن تكرار هذه المشاهد في المجتمع الإسرائيلي قد يؤدي إلى تطبيع مشاهد العنف وإضعاف الحساسية تجاهها، بل والتصالح معها.
فكعكة المشنقة في حفل عيد الميلاد الذي نظمه بن غفير والابتسامة المتغطرسة التي علت وجهه، تُجسّد الأيديولوجية الكامنة وراء خطاب الموت والانتقام، وترمز إلى رغبات قلوبهم المليئة بالسواد، وتكشف حقيقة قاسية؛ فهناك أناسٌ حتى حبهم مبنيٌّ على الكراهية؛ كما أن الوقود الذي يُحرّك علاقاتهم في بيوتهم وفي مجتمعهم الأوسع، هو الأمل في معاناة الآخر والابتهاج بها واتخاذها رمزاً للفرح!
باختصار، بن غفير ليس مجرد شريك في ائتلاف يميني متطرف؛ إنه "المُطَبّع" على قيم التطرف؛ وبوجود رموز المشنقة والانتقام إلى جانبه، تبدو كل سلوكيات الحكومة الأخرى "مُحتملة" و "مقبولة"، لأنه باختصار يجعل الشر مُحتملًا، فغالباً ما يُقدم نموذج الأسوأ والأكثر تطرفًا من غيره في المجتمع الإسرائيلي. وعندما يختار شخص ما تصميم كعكة على شكل حبل مشنقة في مناسبة احتفالية، فإنه يأتي بنقيض الإنسانية تماماً؛ ويختار غرس الرعب بدل السعادة؛ والموت بدل الحياة، والتطرف بدل التسامح.
يمكن للمرء أن يظل مصدوماً من هذه العقلية المسكونة بالكراهية في المجتمع الإسرائيلي، ويمكن للمرء أن يتساءل ببساطة كيف تحولت قضية إعدام الأسرى الفلسطينيين إلى معركة سياسية حاضرة برموزها في مناسبات احتفالية، قبل أن يدرك أن السبب هو أن هناك من يتغذى على هذا الجدل، فعندما لا تكون هناك حتى الآن صورة نصر من ساحات المعركة، يتم نقل المعركة إلى الشعب وإلى الساحات والشوارع. إن حقيقة أن "إسرائيل" لا تزال غير قادرة على حسم معاركها المختلفة في جبهاتها المختلفة، أو على الأقل تحقيق إنجاز كبير، أو عندما لا يكون هناك ما يمكن بيعه للشعب كإنجاز، يتم بيع الكراهية، ويبدو أن هذه هي السلعة الوحيدة المتبقية في "ترسانة" بن غفير وفريقه بل وفي الائتلاف الإسرائيلي الحاكم.
وفي المحصلة، فإن آلة العنصرية والكراهية اليمينية التي يحركونها تستمر في نشر السُم في كل اتجاه في المجتمع الإسرائيلي طالما أنها تخدم نتنياهو وبن غفير وسموتيرتش بإشغال المجتمع الإسرائيلي بهذه الصراعات الداخلية وليأكل بعضه بعضاً؛ فأولئك الذين ليس لديهم إنجازات يقدمونها، يأملون أن يتحوّل هذا الجدل إلى صراع يُشعِل نزاعاً بين "الأشقاء" بما يصرف الانتباه عن الأزمات السياسية والجنائية والحروب المتعثرة.