"الموكا" من أصلٍ يمني.. القهوة اللذيذة من "المخا" إلى العالم!

القهوة اليمنية ليست مجرّد محصول زراعي يُباع ويُشترى، بل هي رسالة صمود وهوية ترفض الاندثار. ورغم كلّ العواصف والقيود، يصرّ البن اليمني على أن يكسر غبار العدوان، ليصل إلى عشّاقه حول العالم.

0:00
  • سمّيت القهوة "موكا" نسبةً إلى ميناء "المخا" اليمني (كتاب: Precies of Regarding Aden )

لا يزال البعض يعتقد أنّ الموطن الأول للقهوة هو إثيوبيا (موطن النبتة البرية الأول)، وبعضهم يقول إنّ البرازيل أو كولومبيا هما بلاد هذه النبتة الفريدة، بينما الحقيقة هي أنّ الموطن الأول هو اليمن.

فقد انتشر مشروب القهوة بداية من خلال الطقوس الاجتماعية، وقد ترسّخت في قيّم المجتمع اليمني وعاداته اليومية ومناسباته وأعياده.

ويحتسي الملايين حول العالم فنجان "قهوة الموكا"  بانتشاء، يُفتنون بنكهتها الغنية التي تجمع بين سحر البن وعمق الشوكولاتة، من دون أن يدرك معظمهم أنّ هذا الاسم الشائع في مقاهي العواصم الكبرى ليس سوى تحريف غربي لاسم ميناء يمني عريق: "المخا".

  • حبّات القهوة قبيل قطفها في المخا
    حبّات القهوة قبيل قطفها في المخا

فمنذ القرن الخامس عشر، كانت هذه البقعة الجبلية الساحرة تورّد للعالم أثمن حبوب البن، لتبحر السفن من ساحل اليمن محمّلة بالذهب الأسود، واضعة اسم هذا الوطن على رأس قائمة الجودة والفخامة العالمية.

والمخاء إحدى مدن محافظة تعز وهي مركز مديرية المخاء. تقع مدينة المخاء على ساحل البحر الأحمر، واشتهرت المخا لأنها كانت السوق الرئيسية لتصدير القهوة بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر، وقد اشتهرت قهوة المخاء التي تأخذ اسمها من هذا الميناء.

لكنّ اليمن، الذي أهدى البشرية أول أسطورة للقهوة وجعل من "الموكا" مرادفاً للأصالة الفاخرة، يواجه اليوم شقاءً مريراً على أرضه. سنوات طوال من الحرب القاسية، والحصار المفروض على منافذه، تلاحق شجرة البن الجبلية التي طالما ارتبطت بهوية أهله وكرامتهم، محوّلة رحلة الحصاد والتصدير إلى معركة يومية من أجل البقاء.

  •  القهوة اليمنية هي رسالة صمود وهوية ترفض الاندثار (الصورة: حلول العالم)
    القهوة اليمنية هي رسالة صمود وهوية ترفض الاندثار (الصورة: حلول العالم)

عراقة التاريخ وسحر التسمية

ارتبط البن اليمني بميناء "المخا" التاريخي على البحر الأحمر، حيث شكّل نقطة الانطلاق الأولى لتصدير القهوة إلى أرقى مجتمعات أوروبا والشرق. ومن هذا الاسم العربي الأصيل، وُلدت كلمة "موكا" (Mocha) لتصبح أرقاماً عالمية وشاهداً حياً على إسهام اليمن الحضاري والجمالي في ثقافة العالم الاستهلاكية والذوقية.

  • "الموكا" تتكلم يمني.. القهوة اللذيذة من "المخا" إلى العالم! (غرافيك: حوراء علي)

مرارة التحدّي تحت الحصار

لم تسلم أشجار البن التي تُزرع على المدرّجات الجبلية الشاهقة من آثار العدوان على اليمن، إذ فرضت ظروف الحرب والحصار مشقات جمة على المزارعين اللبنانيين واليمنيين، بدءاً من صعوبة التزييت والري، وصولاً إلى التعقيدات الخانقة في عمليات الشحن والتصدير. ورغم هذه الظروف القاهرة، يقاوم الفلاح اليمني ليبقى شريان الحياة متدفقاً في شجرته المباركة.

رمزية الإصرار والعبور نحو الآفاق

إنّ القهوة اليمنية ليست مجرّد محصول زراعي يُباع ويُشترى، بل هي رسالة صمود وهوية ترفض الاندثار. ورغم كلّ العواصف والقيود، يصرّ البن اليمني على أن يكسر غبار الحرب، ليصل إلى عشّاقه حول العالم مؤكداً أنّ الأرض التي أهدت البشرية أصالة "الموكا" ستظل، رغم الجراح، منارة للأمل، والعطاء، والأصالة الممتدّة.

  • مدرجات
    مدرّجات "الذهب الأسود" (سبأ)

مدرّجات الذهب الأسود

على المرتفعات الشاهقة للوسط والغرب والجنوب، حيث تتلاقى السماء مع صخور جبال اليمن الأبية على ارتفاعات تتسامق بين 700 و2400 متر عن سطح البحر، تتفتح حكايات البن في مناخ دافئ ورطب، وتتغدى بجود الأمطار الهاطلة بغزارة. هناك، لا تُزرع شجرة البن كأيّ محصول عابر، بل تُنسج كقطعة من روح الأرض، لتشكّل إرثاً حضارياً عريقاً اختصّت به أرض السعيدة عبر القرون.

  • حبات القهوة
    حبات القهوة "الموكا" بعد تحميصها (اليمن نيوز)

لكنّ هذه الشجرة المباركة باتت اليوم تواجه خفايا تحوّلات مناخية قاسية تعصف ببيئاتها التاريخية. حتى أضحت مناطق بعينها—وفي مقدمتها "يافع" الشامخة، أيقونة البن اليمني وتاجه الأكثر شهرة—تشهد انحساراً تدريجياً لزراعتها. غير أنّ الجبل اليمني، برغم قسوة الطبيعة وجراح الحرب، يرفض أن يسلّم بيارقه بسهولة، متمسكاً برائحة أصالته الممتدة من مدرج إلى مدرج.

خارطة العز: حيث تنبت أساطير القهوة

تتوزّع جغرافية البن اليمني كخارطة مجد تمتد عبر أرجاء الوطن، فمن جبال بني مطر وحراز ومرتفعات الحيمتين  (الداخلية والخارجية) التي حَرَست العاصمة صنعاء، إلى هضاب بُرع الخضراء في الحديدة، وشاهق بني حماد في تعز، وصولاً إلى خصب إب الممتد في قلب اليمن. كل بقعة من هذه الأرض تمنح الحبة نكهة فريدة لا تُحاكى، وتصوغ للقهوة هويتها الخاصة.

حكمة الأجداد وفن الفلاحة

لا يعتمد المزارع اليمني على الأرقام الصمّاء، بل يستند إلى طقوس زراعية متوارثة كابر عن كابر. فعند حلول شهري تموز/يوليو وآب/أغسطس ، ينهمك الفلاحون في استبدال التربة الصلبة والقاسية بطين ناعم متجدد، في عملية دقيقة ورقيقة تُسهّل على الشجرة امتصاص الحياة من دون إجهاد، ما يضمن خروج حبوب البن بجودة صافية تعكس عرق الجباه الشريفة.

  • توارث زراعة وانناج القهوة اليمنية عبر الأجيال (سبأ)
    توارث زراعة القهوة اليمنية وإنتاجها عبر الأجيال (سبأ)

إنها حكاية تعب شغوف يمتد بين الأجيال حيث يثبت الفلاح اليمني أنّ تمسّكه بهذه الشجرة ليس مجرّد سعي للرزق، بل هو دفاع عن ذاكرة وطن أهدى العالم قهوته، وما زال يصرّ على زرع الأمل في أعتى الظروف.

في الخلاصة، فإنّ الجهود اليمنية لإدراج مدرجات القهوة اليمنية (الموكا) ضمن لائحة التراث العالمي مستمرة، وهذا ما يعطي هذه النبتة الغنية حقّها، ويمحض المزارع اليمني حقّه في التميّز والعطاء.

اخترنا لك