عودة "لولا ابن البرازيل".. قصة رجل دخل التاريخ

"التاريخ لا يخذل الصادقين".. هكذا يقول أحد المدافعين عن نهج دا سيلفا.. فعودة "ابن البرازيل" إلى موقع القرار تثبت مجدداً أن الشعوب قد تمر بمراحل قاسية أو تلحق بها الانكسارات، لكن الذاكرة الجمعية حين تستقر على الصدق لا يمكن تزويرها أو اقتلاعها.

0:00
  • عودة
    تختزن مسيرة دا سيلفا تجربة إنسانية فريدة صيغت في معجن الفقر والعصامية (غرافيك: محمد دياب)

في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 1945 ولد لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، وهو يحتفل غداً (الثلاثاء) بعيد ميلاده الـ 81، وبتبوُّؤه سدة الرئاسة في البرازيل للمرة الرابعة،  بعد تقدّمه على منافسه اليميني فلافيو بولسونارو في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية.

تتجاوز شخصية الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا أروقة السياسة وقاعات المؤتمرات الدولية، إذ تختزن مسيرته تجربة إنسانية فريدة صيغت في معجن الفقر والعصامية، وجعلت منه رمزاً حياً للتواضع والحس الإنساني وقدرة الإرادة على قهر ظروف.

في أميركا اللاتنينية رجالات وقادة رفدوا العالم بالعزم والإرادة وقوة الشكيمة فكانوا مصدر إلهام ثوري أممي، ودخلوا ضمير الأمم ليشكلوا شخصيات تاريخية فذّة، مثل سيمون بوليفار، خوسيه دي سان مارتين، وتشي  غيفارا،و فيدل كاسترو وغيرهم..

 ويأتي فوز لولا دا سيلفا اليوم في مرحلة مفصلية هامة تطبع السياسة العامة في العالم، مع سيطرة القطب الأميركي الواحد، وتصرّفه وكأنه "شرطي العالم"! ومن نافل القول، أن هذا النجاح بولاية جديدة، يعتبر "انتصاراً" لكل من يرفض الهيمنة والاستغلال والابتزاز، لال بل لكل من يؤازر القضايا المحقة، وعلى رأسها مظلومية أهل غزة وفلسطين.

وهو انجازٌ نابع، في منطلقه، من شخصيته "الكاريزمية" القريبة من شعبه، المنبثقة من أحياء الفقر الشعبية، فماذا نعرف عن طفولته وحياته؟

مرفوع الرأس على الرغم من الفقر

ولد لولا في كوخٍ بسيط مبنيّ من الطين والأخشاب في قرية "كايتيس"  بشمال شرق البرازيل، وسط عائلة فقيرة ومكوّنة من 8 أبناء.
وانتقلت العائلة لاحقاً إلى ساو باولو لتعيش في غرفة ضيقة ملحقة. ولعل هذا الحرمان المبكر هو الذي شكّل بصيرته ووجدانه، حيث ردد دائماً أن والدته" هي التي علّمته كيف يمشى مرفوع الرأس على الرغم من غائلة الفقر".

 في سن السابعة، قررت والدته الهروب من الجوع، وانعدام الفرص، فسافروا -مكدسين مع عشرات الأشخاص الآخرين- لمدة 13 يوماً على متن شاحنة بدائية (تُعرف محلياً باسم pau de arara) متوجهين نحو ولاية ساو باولو الصناعية.

  • الحرمان المبكر في طفولة لولا شكّل بصيرته ووجدانه (elmundo)
    الحرمان المبكر في طفولة لولا شكّل بصيرته ووجدانه (elmundo)

عمل كميكانيكي في مخرطة ليؤمن قوته وقوت أهله، و لم تكن علاقة لولا بالسيارات علاقة رفاهية واقتناء، بل علاقة كفاح وعرق، إذ عمل في شبابه ميكانيكياً ومخرطاً في مصانع قطع غيار السيارات(مثل فولكس فاجن ومرسيدس بنز وتويوتا).

 الإصابة المفصلية في حياته

وفي سن الـ 19، تعرّض لحادث عمل في مصنع لقطع غيار السيارات أدى إلى فقدانه خنصر يده اليسرى. هذه الحادثة كانت الانعطافة الروحية والفكرية التي دفعت به للالتحاق بالنقابات العمالية والدفاع عن حقوق الكادحين.
 وعُرِف لولا بميله للسيارات البسيطة والعادية المتاحة للشعب، مبتعداً عن مظاهر البهرجة، ومحافظاً على هويته كعامل معدن سابق واستطاع أن يصل إلى سدة الحكم لاحقاً دون أن يفقد نبض الشارع.

  • الطفل السابع
    لولا الطفل السابع لـ "دونا ليندو" مع إحدى شقيقاته (canal26)

 الهوايات وشغف البساطة

تتجلى إنسانية لولا دا سيلفا بشكلٍ عفوي في هواياته اليومية التي تعكس ارتباطه الوثيق بفطرة الحياة والأرض فقد عشق كرة القدم: كأي برازيلي، ويُعد لولا مشجّعاً مخلصاً لنادي كورينثيانز (Corinthians)، ولا يخفي شغفه بمتابعة مباريات كرة القدم وممارستها في سنوات شبابه، حيث يرى في الكرة متنفساً شعبياً يجمع الفقراء.

  • لولا  لا يخفي شغفه بمتابعة مباريات كرة القدم (lulaoficial)
    لولا لا يخفي شغفه بمتابعة مباريات كرة القدم (lulaoficial)

كما يهوى الاستماع إلى الموسيقى البرازيلية التقليدية (Samba وMPB)، ويواظب على المطالعة التاريخية والسياسية التي عوضت توقفه المبكر عن الدراسة الفردية في صغره بسبب ظروف الفقر.

وترتبط الموسيقى البرازيلية التقليدية وخاصة السامبا (Samba) وموسيقى البوب البرازيلية الشعبية (MPB) ارتباطاً وثيقاً بالهوية السياسية والثقافية للرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا وحزبه (حزب العمال). فالموسيقى في البرازيل ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل أداة سياسية للتعبير عن الطبقات الكادحة، ومقاومة الديكتاتورية السابقة، وتعزيز التراث الوطني.

  • الشاب دا سيلفا استلهم فعبّر عن معاناة ونضال الطبقة العاملة (tvbrics)
    الشاب دا سيلفا استلهم فعبّر عن معاناة ونضال الطبقة العاملة (tvbrics)

ويّعرف عن لولا شغفه بالمطبخ الشعبي وبإعداد الطعام لرفاقه وأفراد عائلته، وخاصة الأطباق البرازيلية الشعبية كـ "الفايجوادا" (Feijoada)  وهي عبارة عن طهي الفاصوليا السوداء مع اللحم، حيث كان يجد في المطبخ مساحة للتواصل الاجتماعي البسيط.

ومن هواياته أيضاً صيد الأسماك بالبحيرات والأنهار حيث كان يجد في الطبيعة ملاذاً روحياً للتأمل والاسترخاء بعيداً عن صخب السياسة وضغوط المسؤوليات.

فيلم "لولا.. ابن البرازيل"

ممّا تقدّم نرى أن"لولا الإنسان" هو تجسيد حيّ لمعنى أن يمتلك السياسي بصيرةً تنبع من عرق العمال ودعوات الأمهات في الأكواخ الفقيرة، لتبقى قصته دليلاً على أن الروح الصامدة قادرة على تحويل جراح الماضي إلى شعلة أملٍ تنير طريق الملايين.

لنعد إلى فيلم سيرة ذاتية ذائع الصيت عنوانه "لولا، ابن البرازيل" (Lula, the Son of Brazil) وهو من إخراج فابيو باريتو وصدر عام 2009-   مستوحىً من حياة هذا الزعيم السياسي، ومبني على كتاب يحمل العنوان نفسه للكاتبة دينيس بارانا.

سنجد أن هذا  الفيلم يوثّق مسيرة حياة، متتبعاً في طفولة الرجل وشبابه تلك الإشارات التي مهدت الطريق للشخصية التي سيصبح عليها في نهاية المطاف. كما يستعرض رحلة لولا منذ ولادته وحتى سنوات نشاطه في العمل النقابي.

الوالدة دونيا ليندو: جذور المقاومة

تُعد "دونيا ليندو" (والدة لولا) -التي تؤدي دورها الممثلة غلوريا بيريس- محور السنوات الأولى، فهي تمثّل الركيزة الأساسية للسرد، حتى في اللحظات التي يبدو فيها الفيلم وكأنه يركز كلياً على ابنها. فإيماءاتها، وصلابتها، وطريقتها في مواجهة الشدائد، تقدّم مفتاحاً لفهم شخصية "لولا". فهي ليست مجرد أم تحلم بمستقبل أفضل لأبنائها، بل هي امرأة حوّلت -في ظل ظروفها القاسية- مقاومتها اليومية إلى فعلٍ يؤكد ذاتها ووجودها.

تحمل هذه العلاقة دلالات عميقة، فقبل وقت طويل من تعلُّم "لولا" التحدث باسم الطبقة العاملة، عاش هو نفسه واقع أولئك الذين بالكاد يجدون من يسمع أصواتهم. وقبل أن يكتشف قوة الحشود.

 صورة رجل لم يظهر من فراغ

وبهذا، يرسخ الفيلم رابطاً بين الحياة الأسرية والنضال الجماعي، رابطاً يمتد من المظالم الصغيرة التي تُعاش في صمت، وصولاً إلى تلك المظالم التي -حين يُدرك الأفراد أنها جزء من تجربة مشتركة- تبدأ في التحول إلى مطالب واضحة ومحددة.
على مدى عقود، تظهّرت تدريجياً صورة لرجل لم يظهر من فراغ، ولا يمكن تفسير حياته بمجرد النظر إلى سماته الفردية، إذ تتشكّل قصته بفعل الظروف المادية لتلك الحقبة، وبتأثير تجربة ملايين البرازيليين الذين غادروا مواطنهم الأصلية بحثاً عن فرص في المدن.

وتَمنح الحركة العماليةُ هذه التجربةَ بُعداً سياسياً، إذ أدرك "لولا"  أن المصاعب التي يواجهها العمال ليست بالضرورة مشكلات منعزلة -أو نتاجاً لسوء حظ فردي- بل هي تعبير عن واقعٍ يمكن مناقشته وتغييره. وهكذا، يتحول المصنع من مجرد مكان للعمل إلى فضاءٍ تجد فيه المعاناة الفردية صوتاً جماعياً.

  • لولا فاز  بالرئاسة عام 2021 على الرغم من سجنه زوراً بسبب انحياز القاضي (lulaoficial)
    لولا فاز بالرئاسة عام 2021 على الرغم من سجنه زوراً بسبب انحياز القاضي (lulaoficial)

يجد الفيلم جوهره الدرامي في هذا التحوّل، فالرجلٌ خبرَ الحرمان يبدأ في التحدث أمام رجال ونساءٍ عاشوا التجربة ذاتها. تكتسب كلماته ثقلاً لأنها تنبع من تجربة مشتركة، لا من واقعٍ خارجي أو غريب. ومع بروز "لولا" كقائد عمالي، يكون السرد قد هيأ المشاهد لرؤية هذا التحول بوصفه أكثر من مجرد صعودٍ لفردٍ واحد. فبحلول عام 1980، كان "لولا" قد أصبح بالفعل شخصية محورية في الحركة العمالية البرازيلية.

 قاد الشاب المتوقّد حماساً في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات إضرابات عمالية تاريخية ضمت مئات الآلاف من العمال لتحدي المجلس العسكري الحاكم آنذاك، والمطالبة بتحسين الأجور والحريات السياسية، واعتقل بسبب ذلك لفترة وجيزة.

وفي عام 1980، شارك لولا مع مجموعة من النقابيين والمثقفين والناشطين في تأسيس حزب العمال (Partido dos Trabalhadores)، وهو حزب يساري تبنى قضايا الفقراء والمهمشين.
وتبدو قوة الشكيمة المقرونة بالعزم في شخصية الرجل، كما أسلفنا، فقد ترشح للانتخابات الرئاسية 3 مرات متتالية (1989، 1994، 1998) ولم يحالفه الحظ، لكنه واصل بناء قاعدته الشعبية وتعديل خطابه السياسي ليكون أكثر اعتدالاً وانفتاحاً على قطاع الأعمال.

  • لولا يحظى بشعبية هامة بسبب انحيازه لقضايا الشعب (lulaoficial)
    لولا يحظى بشعبية هامة بسبب انحيازه لقضايا الناس (lulaoficial)

ثورة اجتماعية كاملة

لم تكن أولى خطوات لولا دا سيلفا نحو سدة الحكم في البرازيل عام 2002، والتي توجت بتوليه المقاليد مطلع عام 2003 وتجديد ثقة الشعب به لولاية ثانية حتى عام 2010، مجرد اعتلاء لكرسي السلطة. لقد كانت تلك المرحلة بمثابة قيامة اجتماعية كاملة، حيث شهدت البلاد طفرة اقتصادية ونموّاً هائلاً استحال فيه الحلم البرازيلي واقعاً ملموساً.

وبفضل برامجه الاجتماعية التاريخية، وفي مقدمتها برنامج "صندوق الأسرة" (Bolsa Família)، استطاع لولا أن ينتشل أكثر من 30 مليون برازيلي من قاع الفقر المدقع وعتمة الحاجة، ليرسم على وجوههم ملامح الأمل والكرامة. ولعل تلك النسبة القياسية من التأييد الشعبي التي تجاوزت 80% عند مغادرته منصبه، لم تكن سوى شهادة وجدانية من شعب رأى فيه حارساً لرغيفه ومستقبله.

 السجن للرئيس: امتحان صلابة الروح!

لكن مسارات التاريخ لا تخلو من الانكسارات وربما الأحابيل! فبعد خروجه من السلطة، وجد الرجل نفسه في مواجهة عاصفة عاتية من الاتهامات الناجمة عن تحقيقات عملية "غسيل السيارات" (Lava Jato)، والتي قادته إلى جدران السجن في عام 2018، حارمةً إياه من حقّ الترشح ومصادرةً صوته في مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد.

  • عودة
    عودة "ابن البرازيل" إلى موقع القرار (الصورة: lulaoficial)

لم تكن تلك السنوات مجرد فترة احتجاز قسري، بل كانت امتحاناً لصلابة الروح وصمود الفكرة أمام محاولات المحو والإلغاء، إذ يظل الإنسان الملتزم بقضايا شعبه قادراً على الإبقاء على ذاكرته حيّة، حتى لو أحيط بالصمت والركام.

الذاكرة في وجه محاولة محو التاريخ

وفي عام 2021، انجلت العتمة حين أسقطت المحكمة العليا البرازيلية جميع الإدانات الصادرة بحقه، مستعادةً بذلك كامل حقوقه السياسية والاعتبارية. ولم تكن هذه الخطوة سوى التمهيد لعودة سياسية تاريخية نادرة، إذ خاض لولا دا سيلفا انتخابات أواخر عام 2022 في مواجهة منافسه جايير بولسونارو، ليحقق انتصاراً استثنائياً أعاده إلى قصر الرئاسة لولاية ثالثة انطلقت في كانون الثاني/يناير 2023.

"التاريخ لا يخذل الصادقين".. هكذا يقول أحد المدافعين عن نهج دا سيلفا.. فعودة "ابن البرازيل" إلى موقع القرار تثبت مجدداً أن الشعوب قد تمر بمراحل قاسية، لكن الذاكرة الجمعية حين تستقر على الصدق لا يمكن تزويرها أو اقتلاعها، ليبقى الرهان دائماً على قدرة الإنسان على النهوض وتحويل الجرح إلى قوة بناء.

اقرأ أيضاً: لولا دا سيلفا يفوز بولاية رئاسية جديدة في البرازيل ويهزم بولسونارو


 

اخترنا لك