يسري الغول يوثق الجرائم الصهيونية في غزة
الكلمة باتت تهمة تستوجب قصف بيت الكاتب بصاروخ درون، كما جرى مع العديد من الكتاب والأدباء في قطاع غزة، حتى هرب الكثير منهم من شمال الوطن إلى جنوبه، ومنهم من طار إلى أرض الكنانة.
-
يسري الغول يروي مأساة وصل صوتها إلى الله ولم تسمعه الأمة العربية
يسري الغول يروي مأساة شعب وصل صوته لله ولم تسمعه الأمة العربية في كتابيه "نزوح نحو الشمال" والثاني "الليلة الأخيرة في غزة"، من خلال سلسلة توثيقية لسيرة الجوع والوجع أثناء حرب الإبادة والتنكيل وكتابه الثاني استكمالاً للأول من سردية القهر المتواصل، وحده الكاتب يسري الغول من تنبأت كتاباته بالجحيم الغزي ومن عبّر عن هذا التنبؤ بلغة محترفة وخبيرة في الموازنة بين الغضب والفن والرواية، في كتابه المخيف الجميل نزوح نحو الشمال "الليلة الأخيرة في غزة" يروي المؤلف حكاياته مع الأصدقاء (الشهداء) فيما بعد، والبيوت المدمرة والخوف من عيون الأطفال والنساء المتعبات، ثم الركض المفزع تحت المسيرات، ورحلة الطحين الليلية، الموت الأبيض، القفز تحت الصواريخ، العائلات المبادة عن بكرة الوقت، والجثث المجهولة في الشوارع، الصراخ في المشافي والدم في كل مكان، وحكاية أسرته مع ألم تدمير البيت والحارة وقصص الجوع، إنه سيرة وصف الموت ومحاولة النجاة منه والوقوع في مصائده، ثم الخروج والصمود القاتل في شمال غزة.
كتاب نزوح نحو الشمال والليلة الأخيرة في غزة، للمؤلف يسري الغول كاتب فلسطيني صادر عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر" عام 2025 والثاني صادر عام 2026، بيروت.
الإبادة الجماعية
كتابا "نزوح نحو الشمال" و"الليلة الأخيرة"، وتدفقهما الحزين وشعريتهما الدموية وقوة اللغة وانعكاسها المضطرب في التحديق بالجثث، حيت لا يمكن تسجيل الواقعة الكاملة للإبادة الجماعية على سكان قطاع غزة، إذ إن الأحداث ما زالت مستمرة حتى لحظة كتابة هذه السيرة المغمسة بالدم في جنوب القطاع وشماله شرقه وغربه، إلى درجة أن جميع الكتاب والأدباء والمؤرخين لن يستطيعوا توثيق الأحداث بشكل كامل ومتواصل، كما يتخوف المؤلف منذ لحظة كتابة هذه اليوميات، إذ لم يكن على يقين من النجاة حتى إرسال هذا العمل إلى الناشر، لأن القذائف وطائرات الاستطلاع لا تتوقف، وكأن يصطف الأطفال في طابور طويل لأجل الحصول على وجبة طعام، يقصف المكان لتتناثر الشظايا وتخترق أحلام الأطفال وكأن تمشي في طريق فارغ نحو اللامكان.
بداية الجلجلة
يتذكر المؤلف يسري الغول، في السابع من أكتوبر 2023 "كنت أقف أودّع طفلي رؤوف المتعطش للذهاب إلى المدرسة، أوصيه ألا يفتعل المشاكل، وكذلك ابنتي مجد التي طلبت مني الاستعجال وخلال بضع خطوات ودقائق انطلقت الصواريخ من باطن الأرض، هكذا فجأة من دون أي مقدّمات سرعان ما تذكرت رواية الحلم، وكيف كنا نتعامل مع الأمر باستخفاف متخذين من (صاحب الرؤيا) التي رواها الدكتور عصام رضوان عن ذاك الشاب الذي يعمل حلاقاً في منطقة اليرموك وقد بصر أحوال الناس وبعلم الغيب اعترضنا وقلنا إنه أمر الله، إلا إذا كان هذا الشخص يتعامل مع الجن ولم نهتم كثيراً، لكن الحرب حين وقعت على رؤوسنا كهشيم المحتضر، عادت بنا الذاكرة إلى تلك اللقاءات وتلك الرؤية، وكوني أهم بالتفاصيل فوراً تواصلت مع الأصدقاء لأعرف مآلات الحلم لأن (حرباً ستأتي لتحرق الأخضر واليابس ستدمر المنطقة، سيموت عشرات الألوف، ومئات الآف من المصابين، سنجوع ولن نجد الطعام ستنتشر الجثث في الطرقات ولن تجد من يقوم بدفنها ويدفن الشهداء في البيوت، وسيدمرون مستشفى الشفاء، ستلتهم الكلاب الضالة أجساد الضحايا) سرديات وحكايات مشابهة لهذا الكلام لدرجة أنني حين بدأت الحرب، سألت صديقي قبل اعتقاله عن بقية الحلم وخلاصات تفسيره وكان ذلك اللقاء هو لقاءنا الأخير".
ويضيف المؤلف عن الراوي إن ما يجري في قطاع غزة هو الشرارة فقط، لكن النار ستلتهم المنطقة والإقليم لتصل إلى كل أصقاع العالم وصولاً إلى علامات الساعة الكبرى ورغم أن (المؤلف) لا يؤمن بتلك الأساطير "الخراريف" إلا أن كلام الطبيب عصام رضوان، كان اَسراً ولافتاً أيكون ما جرى محض صدفة أو تخطيطاً مبنياً على كوابيس، وأضاف سيأتي الدور على لبنان، لكن حزب الله بحسب ما يذكر صاحب الرواية سيضرب العمق الإسرائيلي وستنتفض المنطقة، سيتم اغتيال أحد الرؤساء وسيسقط نظام آخر، ستنفرط حبات السبحة وستضرب أميركا المفاعل النووي الإيراني، ثم ستقوم الولايات المتحدة الأميركية بضرب كوريا الشمالية التي ستنتصر لنفسها وتضرب صواريخ نووية، ما سيدمر البراكين الخامدة في تلك الولايات، وستستيقظ وقد أبيدت الدولة التي هيمنت على العالم لعقود طويلة. قصة تشبه أفلام هوليوود وما أذهلني معرفته بما سيجري في غزة من مجاعة، وعن النصر الذي سيتحقق، لكن النصر سيكون على يد ثلة قليلة ستصمد وتقاتل.
اسئلة العجز والإحباط
إن ما جرى كان لا بد أن يحدث كما كان يتوقع يسري الغول، على يد حركة حماس أو غيرها، لأن المنطقة تجاهلت القضية الفلسطينية برمتها، وأن العالم بات منشغلاً، كما أن الجميع يهرول نحو التطبيع، لذلك كان اتخاذ ذلك القرار الجريء والمجنون، وأن نتائج (طوفان الأقصى)، قد تحمل عدة سيناريوهات ربما سيفشل الاحتلال في نهايتها في تحقيق أهدافه، أما المحزن فهو أن يذهب البعض إلى إدانة الفلسطيني بأنه المتسبب بتلك النار التي أحرقت القطاع بمن فيه، من دون تحميل الجلاد أي ذنب.
في هذه اللحظة التي أكتب فيها هذه المذكرات يتساءل يسري الغول، كيف يمكن لشخص قطع الطريق بين الجثث وهو يتأمل الأيدي والأقدام المتحللة، والبيوت التي كانت أحلاماً لآخرين من أجل الحصول على طرد لا يساوي أكثر من عشرة دولارات. لقد صنع الاحتلال منا بشراً غير طبيعيين... والجواب معلق حتى الآن، وأسئلة العجز التي توضح كيف بات الحليم حيران نتيجة الإحباط والضغط النفسي الشديد والصوت يصل إلى الله ولا يصل إلى الأمة العربية.
يعترف المؤلف يسري الغول بأن الكتابة في زمن الحرب ترف، إلا أن الأحداث تفوق الخيال، والمقتلة العظيمة تتجاوز قدرة العقل البشري على فهم ما يجري، لكن المجانين وحدهم هم القادرون على اتخاذ قرار العمل الانتحاري بالكتابة، خصوصاً أن الكلمة باتت تهمة تستوجب قصف بيت الكاتب على من فيه أو قنصه أو استهدافه بصاروخ درون، كما جرى مع العديد من الكتاب والأدباء في قطاع غزة، حتى هرب الكثير منهم من شمال الوطن إلى جنوبه، ومنهم من طار إلى أرض الكنانة.
وأخيراً يوثق المؤلف كل ما جرى في غزة من خلال النزوح والروايات وبشاعة المجازر التي تفوق الخيال، ويتجاوز فكرة الانصراف إلى الكتابة في هذا الوقت العصيب، ولعل الكتابة للتاريخ ولمن ينشر (شهاداتي وخيباتي وانكساراتي) ، ولأن من الضروري توثيق ما جرى في شمال قطاع غزة، "قررت جمع تلك الشهادات في كتاب يؤرخ اللحظة كي نضع العالم أمام واجبه الأخلاقي تجاه الإنسان المقهور في غزة، أنه يمكنك أن تدمر الإنسان، لكنك لن تستطيع هزيمته، فكيف يهزم الفلسطيني الذي يؤمن بعدالة قضيته وإيمانه بأن كل قطرة دم هي مداد سيوصلنا عاجلاً أو أجلاً إلى الأقصى لنحرر القدس.